رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كم هي الأسئلة الواضحة في هذا العصر الذي نزعم أنه عصر الرقي الحضاري والتقدم الفكري والارتقاء الأخلاقي وعصر السلام وصيانة حقوق الإنسان، حيث يتبين لنا الفرق الشاسع بين القول والفعل وبين الحقيقة والدعوى دون بينات على حد قول الشاعر:
والدعاوى ما لم تقيموا عليها
بينات أبناؤها أدعياء
ولعل المشهد السوري بكل تناقضاته خير دليل على ما نقول اليوم، فعلى الصعيد المحلي الوطني الحكومي كم نسمع كلاما دون أي تحقيق لمقتضاه كمن يسمع جعجعة ولا يرى طحنا وما من خطاب تفوه به بشار الأسد رغم طول الحديث الممل ونفذ منه شيئاً يمكن أن يخفف من التوتر الذي خلقه هو ونظامه بل كان العكس بأن يتفاقم الاحتجاج كثيراً بعده وقس على ذلك كل قول أو تحرك تقوم به حكومة الأسد لأنها نسخة من طبعته المزورة. وعلى الصعيد العربي والإقليمي فإننا لم نلمس أي جدية تذكر في التعاطي مع هذا النظام الإجرامي الحاقد الطائفي المراوغ بل إن كل التحركات التي نشأت ومازال بعضها يقوم على استحياء لم يوقف بوجه عملي مأساة القتل والمجزرة المستمرة التي فاقت كل تصور بشناعتها وبشاعتها وفظاعتها، إضافة إلى السجن والاختطاف والاعتداء على الشيوخ والأطفال والنساء والتهجير القسري للسكان داخل البلاد وخارجها بعدد زاد على المليونين، إضافة إلى منع صوت الحرية ورش المتظاهرين بالأسلحة الخفيفة والثقيلة وهكذا ذهبت وتذهب أقوال وقرارات الجامعة العربية هباء، حيث تفرغ من مضمونها ولا يبقى إلا بعض الدول التي مازالت تدأب بإخلاص للوصول بالشعب السوري إلى بعض أهدافه دعما ومساندة كالسعودية وقطر والكويت ومع ذلك فتحركاتها لم تصل إلى الخطوات الكافية، فالكارثة جسيمة ولابد من الاستدراك وإدراك ضرورة الاستعجال بإغاثة الثوار الذين يدافعون عن العروبة والإسلام والحق المنشود من أي طيف ويقفون جسورا أمام المد الشعوبي المعادي لتراثنا العظيم وحضارتنا المتألقة.
أما على الصعيد الدولي فمنذ الفيتو المزدوج من روسيا والصين وتداخل التناقضات وسباق المصالح واستعمال النفاق السياسي في مجلس الأمن ناهيك عما يتم من صفقات سرية بين تلك الدول تظهر بالعلامات والقرائن والحقائق أن الغرب والشرق متفقان على إطالة الأزمة السورية وأنه لا قيمة للدماء الطاهرة أمام ما يجري بين تلك الدول في سوق المنافع وأن التصريحات التي كررها أوباما أو ساركوزي أو وزراء خارجية الدول الأوروبية لصالح الشعب السوري وإجراء العقوبات ضد النظام، بل واجتماع أصدقاء سورية بهذه الكثافة من الدول لم تجد نفعا للضحية الذي مازال عداد الموت شغالا ضده من قبل الجلاد الظالم، ونكرر بكل سخرية إن هذا ما يحدث في زمن الادعاء بالحفاظ على حقوق الإنسان وزمن الديمقراطية، وعند البحث عن الحقيقة ومرمى ومغزى التحرك يظهر التسيب في الموقف والكل ينسى ما قاله في الليل، حيث يمحوه النهار، ولكن لإحكام الحيلة والضحك علينا نحن العرب والمسلمين جاؤونا بخطة مبادرة عنان التي وقفت خطأ منذ بداياتها عندما صرح عنان بأن النظام مخطئ وكذا المعارضة لأن كليهما قد استخدم العنف حيث لم يفرق بين المجرم والمدافع عن حقه ضد الجلاد وحلفائه كروسيا والصين وإيران وحزب الله وعراق المالكي الذين يزودون هذا المجرم بالأسلحة الفتاكة فأين وجه المقارنة؟
ولذا نقول إن عنان سيعود خائبا وقد أخفقت خطته حيث لم ينفذ من نقاطها الست شيء فأين إيقاف العنف وأين سحب الأسلحة الثقيلة من المدن والأحياء وأين حق التظاهر السلمي وأين الإفراج عن المعتقلين وأين حرية الإعلام وأين السماح بالمعونات الإنسانية وإدخالها إلى سورية وأين وأين، وهكذا تورد الإبل يا عنان بل يا أيها المجتمع الدولي الغربي الذي كلف عنان بذلك تغطية على فشله أن يعمل شيئاً حقيقياً للشعب السوري أو عمل هذا بخطة المؤامرة لإضعاف سورية كاملا والانقضاض عليها بعد ذلك لتقاسم ما يمكن من أي حصة معنوية بسبب الموقع والمميزات أو مادية تخص أي دولة، ثم إن هذا كله في جانب وأما في الجانب الآخر فالتوافق الدولي العلني والسري وقد دلت عليه عشرات الدلائل لإرضاء إسرائيل بإبقاء النظام السوري وبشار وعصابته فهم خير حافظ لأمنها من أي بديل يأتي بعد ذلك سواء كان إسلاميا أو علمانيا، وهكذا فالمحصلة نفاق دولي وتآمر بات مكشوفا وذلك باعطاء الفرصة تلو الفرصة لهذا النظام الخائب كي يستمر لأنهم لن يروا أكثر منه وفاء لهم من حيث الحقيقة والنتيجة أما الشعارات والمظاهر فدعك منها فقد كشفت جميع الأقنعة وذاب الثلج وبان المرج، ولا شك أبدا أن ما يقدمه النظام السوري والعصابة المتآمرة على الوطن قد بات هو المرجح والرابح في الحلبة وأن الدم السوري الثائر إنما أريد ويراد له أن يبقى أكثر رخصا من الماء لأنه ليس الدم المتآمر من جهة وليس دم بني صهيون ومن يدعمهم شرقا وغربا.
ولذا فإن كوفي عنان هو الناطق الرسمي باسم المتآمرين من حيث النهاية وهل ننسى صمته المطبق إزاء ادعاءات التحالف الأمريكي البريطاني بوجود أسلحة دمار شامل في العراق وهو يعلم خلاف ذلك مما جعل العراق لقمة سائغة للغزاة ثم عمله لإقرار اتفاق عام 1996 بين العراق والأمم المتحدة لتنفيذ عملية النفط مقابل الغذاء، فالتهمت الشركات الكبرى نفط العراق.. ولا ننسى عمله مبعوثا خاصا لدى منظمة حلف شمال الأطلسي عقب توقيع اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والهرسك عام 1995 حين بدا لدول الغرب تفوق كفة المسلمين في الحرب.
ولا شك أن مبادرة عنان اليوم وقد باركتها روسيا والصين وإيران هي داخلة بشكل أو بآخر في التسويفات وكسب الوقت لمزيد من قتل أهل السنة في سورية خصوصا ومع ذلك فقد أحسنا الظن سياسة وقلنا ربما نقبل بخطبته ولكننا اليوم في مقام التقويم وإذ نسمع المتحدث باسم عنان أن الخطة قائمة على المسار نقول: لا فقد ساوت بين الضحية والجلاد وتعاظم العنف والتفجير والقلق والهدم والحرق والاعتداء براً وجواً على الناس العزل بشهادة الأقمار الصناعية والمخلصين من المراقبين وهل يعقل أنه منذ أكثر من شهر لم يصل منهم إلا خمسون والبقية للثلاثمائة بعد أكثر من شهر ونصف الشهر في حين أرسل آلاف المراقبين في نزاع كوسوفا مع صربيا.
وهكذا فعلى الصعيد الدولي قول بلا فعل وتزوير والتفاف وعمل بالدم قراطية وليس بالديمقراطية كما يدعون، ولعل ما يوضح ذلك ما صرح به مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق ديفيد ماك السبت الماضي في حلقة للجزيرة بعد العاشرة ليلا مع المذيعة ليلى الشيخلي حيث ذكر ماك أن على المعارضة كذلك أن تعطي ضمانات للحفاظ على الأقلية العلوية والدرزية والمسيحيين جاهلا أو متجاهلا أن سورية في جميع عهودها لم يؤذ السنة فيها أياً من الأقليات وأن رئيس وزرائها كان الدكتور فارس الخوري وهو مسيحي وقد أسلم قبل موته وأن الجميع كانوا ومازالوا يتعايشون بسلام إلا هذا الحكم الطائفي البغيض منذ حافظ الأسد الذي ولغ في السنة ظلما أقول له هذا ما يتوافق مع تصريح لافروف وزير الخارجية الروسي حين تخوف من صعود الإسلاميين في سورية المستقبل ثم صرح بخوفه من صعود السنة مع أنهم هم الأكثرية التي مازالت تذوق أصناف العذاب وهذا ما يتطلب مقالا خاصا لنقد هذه الديمقراطية التي يدعونها زورا وبهتانا دون خجل.
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
489
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
604
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
411
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026