رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا هو السؤال الأصعب، من يقتل من في المحروسة؟
في مواقع عدة قبل واقعة العباسية الأخيرة قتل واستشهد نفر من شباب ورجالات. كانوا يشاركون في اعتصامات واحتجاجات وحتى هذه اللحظة لم يعرف من القاتل؟ ما هي ملامحه؟ ما أهدافه من القتل الذي يتم بالرصاص الحي وطلقات الخرطوش وبالأسلحة البيضاء من سيوف ومطاوي وسكاكين صغيرة وأشياء أخرى؟
التحقيقات التي تمت لم تتمكن من الإجابة عن السؤال؟ والأجهزة الأمنية سيادية وغير سيادية ربما لديها إجابة لكنها لم تشأ حتى هذه اللحظة البوح بها لاعتبارات تخصها.ثمة حيرة واسعة تنتابني مع غيري من المتابعين للشأن العام
إنه غموض موغل وصعب على الكشف مثل السؤال تماما. لكن إلى متى يظل شاهرا سيفه بوجه الجميع. فاتحا أبوابه لمزيد من القتل الذي يؤشر إلى حضور ثقافة مغايرة في الواقع الاجتماعي المصري تتمثل في امتلاك القدرة على التمثيل. ومطاردة الهدف حتى الخلاص منه بالذبح والتشويه وقد شاهدت صورة طالب الطب المذبوح في أحداث ميدان العباسية قبل أن تنشرها "الأهرام "فأصابتني الكآبة على مدى النهار كله يوم الأربعاء المنصرم وسكنتني مساحات من القلق على مسار الثورة والتجربة الجديدة في المحروسة وعلى البشر أيضا.
ومبعث قلقي أن تقود متوالية القتل إلى بناء تراكم من ثقافة الانتقام فيتمدد في البلاد طولا وعرضا. مما يدخلها في حقول النار التي لو أضرمت في المحروسة سيكون من الصعب وقفها ولاشك أن ثمة من ينزع إلى تحقيق هذا الهدف الخبيث. والتحريض عليه لم يتوقف منذ انبثاق ثورة الخامس والعشرين من يناير. التي شكلت ولا تزال مبعث قلق لدوائر عدة في الداخل أو في الإقليم المحيط بالمحروسة.
أعود إلى الجوهر وأتساءل مع نفر غيري من يقتل من في المحروسة؟
وقبل الولوج في تحليل الملابسات المحيطة بالسؤال يجدر بي أن أفكر بصوت عال بعيدا: هل كان من الضروري التوجه من قبل أنصار الشيخ حازم أبو إسماعيل المرشح المستبعد من قائمة المرشحين الرئاسة أو غيرهم من القوى المتحالفة معهم إلى مقر وزارة الدفاع والتي تضم مكتب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقيادة العامة للجيش ورئاسة الأركان وغرفة العمليات الرئيسية. وهو ما يسمى هنا بقدس الأقداس للقوات المسلحة أي منطق وأي معقولية استند إليها قرار الزحف إلى هذا المقر؟ هل هو للانتقام من استبعاد الشيخ؟ وهل يكون الثمن إدخال المحروسة في دائرة جهنمية؟ لأن الجيش لن يسمح على وجه الإطلاق بسقوط مقر قيادته فذلك أمر يتعلق بشرف العسكرية؟ وهل يسفر ذلك في رأي الشيخ وأنصاره حتى لو اتكأوا على مبررات ثورية إلى إعادته إلى قائمة المرشحين أو فرضه رئيسا بالقوة؟
ومع ذلك لست من أنصار الرد على هؤلاء المعتصمين من أجل الشيخ بالقوة أو قتل نفر من قبل جهات مجهولة حتى الآن. رغم وصفهم بالبلطجية أو اتهام سكان العباسية الذين شعروا بوقف حال منطقتهم من جراء الاعتصام.
إن منهجية القتل والمطاردة التي بدأت في واقعة مسرح البالون ثم في ماسبيرو ثم شارع محمد محمود ثم شارع مجلس الوزراء مازالت متواصلة. وهي ليست مبررة مهما كانت مبررات من يمارسونها على نحو مخيف. ولست من المصدقين لمقولة الطرف الثالث فهي مقولة غير واضحة القسمات ولا تنبئ إلا عن الاستهانة بأرواح المصريين وهو ما يستوجب من الأجهزة المسؤولة تقديم تفسير منطقي لها وذلك درءا لما يتردد بين أفواه الناس ويلتفت إليه البعض تلميحا أو تصريحا في الوسائط الإعلامية المتنوعة. وفي صدارته أن ثمة قوى مرتبطة بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم والذي تحاول بعض الدوائر أن تصنفه ضمن قوى الثورة المضادة وهو أمر لا أوافق عليه مطلقا لقناعتي بأنه اللاعب الرئيسي الذي انحاز إلى ثورة وثوار الخامس والعشرين من يناير وأعلن بيانه الأول قبل سقوط مبارك مؤكداً مساندته للمطالب المشروعة للشعب المصري ومن دونه بعد توفيق الله سبحانه وتعالى ما كان بمقدور الثورة أن تسقط نظام مبارك العتيد. فضلا عن ذلك فإن ممارسة القتل بتوجيه من المجلس أمر يتعارض مع العقيدة القتالية للجيش المصري التي لا تقوم على توجيه السلاح للشعب وإنما للعدو القادم من وراء الحدود.
ومع ذلك لست في حل من توجيه اللوم إلى المجلس لأنه منذ البدء أبدى تراخيا في التعامل مع ظواهر الانفلات الأمني وبروز رقم الخارجين عن القانون أو حسب التعبير المصري الدارج – البلطجية – ولم يتدخل ضدهم بحسم وكان بوسعه أن يتمكن من فرض سطوته في أنحاء المحروسة التي كابدت من انفراط عقد الأمن وسيطرة رجال وفئات على الطرق السريعة والأماكن النائية فأزعجوا الآمنين وروعوا البشر خطفا وقتلا وسرقات مازالت للأسف مستمرة حتى اليوم مع غياب واضح لرجال الشرطة والمرور وقيام أصحاب المحال التجارية بعدم الاكتفاء بالأرصفة وإنما بالتمدد إلى الشوارع بالإضافة إلى استحواذ الباعة الجائلين على أهم شوارع وسط القاهرة كشارعي طلعت حرب و26 يوليو اللذين تحولا إلى بوتيكات تجارية متنقلة ومناطق تحكمها عصابات تتناحر فيما بينها على النفوذ فتوقف حركة المرور لعدة ساعات أو أيام.
إن المحروسة مقدمة على تجربة مغايرة تماما تتمثل في اختيار رئيس جمهوريتها من بين مرشحين عدة لأول مرة في تاريخها وهو ما فسر البعض الاعتصام الأخير بأنه يهدف إلى إجهاض هذه التجربة والحيلولة دون إتمامها ولاشك أن هذا البعض مخطئ بشدة إن كان يسعى إلى ذلك لأنه باختصار يجهض الثورة التي حلم الجميع بأن تقودنا إلى هذه المرحلة: رئيس مدني منتخب من الشعب مباشرة وعبر الاقتراع المباشر. ولوثبت ذلك فإنه يتعين معاقبة المحركين والمشاركين في اعتصام وزارة الدفاع بوسائل قانونية لأن ما جرى لولا لطف الله كان بمقدوره أن يدفع المحروسة إلى مذبحة دموية قد تعقبها حرب أهلية لا قدر الخالق ذلك أبدا على مصر وأظن أن القرار الذي اتخذه المجلس العسكري مساء الجمعة الماضي بفرض حظر التجول في ميدان العباسية والمنطقة المحيطة بمقر وزارة الدفاع خطوة صحيحة باتجاه فرض الاستقرار في عاصمة الوطن وإلا لتحولت المنطقة إلى بدايات مخاطر تحدق بكل الوطن
وإذا كان الشيخ حازم أبو إسماعيل قد خسر معركة الترشيح لرئاسة الجمهورية هذه المرة. نتيجة عدم توافر الشروط القانونية. فإنه بوسعه أن يخوض معركة تغيير شروط الترشيح للمنصب الرفيع من خلال الوسائط القانونية والتي باتت متاحة على نحو واسع في ظل المساحة الواسعة من الاستقلال التي يتسم بها القضاء المصري لا أن يدفع أنصاره إلى المواجهة والصدام مع رموز المؤسسة العسكرية وفي مقدمتها مقر وزارة الدفاع بالعباسية.
إنني أرفض بقوة منطق القتل الذي تعرض له الشباب المعتصمون وهو ما يدعوني إلى مطالبة المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحسبانه يتحمل المسؤولية السياسية الأولى إلى الكشف بوضوح عن القتلة وهوياتهم وإلى من ينتمون حتى يبرئ ذمته التي يحاول البعض أن ينحي عليها باللائمة وربما التدبير وذلك يتطلب من رجالاته مواصلة الحوار مع مختلف ألوان الطيف السياسي لإنهاء متطلبات المرحلة الانتقالية استنادا إلى الشفافية ولعل الخطوة الأولى- وإن كانت متأخرة نسبيا- تجسدت في عقد ثلاثة من أعضائه لمؤتمر صحفي حاول إلى حد ما توضيح الغامض وتفسير ما جرى ولكنه لم يشف كل الغليل فالشعب مازال في حاجة إلى المزيد حتى يتيقن أن المحروسة بمنأى عن الخطر أو الأخطار التي تسعى قوى عديدة إلى رسمها بوجهها.
السطر الأخير:
أمطرك شعرا
أيا بهية الأماكن
ومزدانة بالمرجان والياقوت
فيك تكويني
براءاتي الأولى
رحلتي للوجد. سكن البيوت
أقيمي داخلي خيمتك الصوفية
انشطري بروحي نصفين:
نصف لسواحل الهوى
وآخر لعشق لا يموت
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
437
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
310
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4155
| 23 سبتمبر 2026