رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل بدأت إبادة أهل السنة في الساحل السوري من بانياس وقرية البيضا تحديدا ولماذا؟ سؤال طالما دار في خاطر الكثيرين ممن يفهمون حقيقة الوضع الجغرافي والديموغرافي والطائفي الذي شرع القاتل حافظ أسد في تكوينه وتعميقه منذ تسلمه مقاليد السلطة في سوريا عام 1970 حيث بدأ حكمه بتسريح آلاف الضباط الكبار السنة وأحل مكانهم علويين ثم زاد في أعدادهم على مدى ثلاثين عاما وأكمل المشوار ابنه القاتل بشار لتصبح نسبة الضباط من طائفتهم تسعين بالمائة وتبقى نسبة العشرة موزعة بين أهل السنة والمسيحيين والدروز والمكونات الصغيرة الأخرى على ما تحقق منه ضابط استخبارات كبير كان قد انشق عن النظام مجيبا بعض السائلين كيف لا يغلب أهل السنة في هذا الصراع على مدى عامين وكل جنود الجيش منهم، مبينا أنكم لو عرفتم من يقود هؤلاء الجنود بالحديد والنار من هؤلاء الضباط الطائفيين الحاقدين لما عجبتم، وشرح الجواب فاقتنعوا وكان هذا اللانظام منذ بداية حكم الأب يخزن الأسلحة في جبال العلويين ويعد لمثل هذا اليوم الذي يشهد نهايته المأساوية، وقد حدث أحد سائقي الشاحنات الكبيرة وأقسم على ذلك أنه كان مكلفا بنقل الأسلحة حتى إذا وصل إلى ما قبل قرية القرداحة مسقط الرئيس السابق القاتل حافظ وضعوا على عينيه ستارة قماش وأنزلوه وركب مكانه سائق علوي ليتم المشوار ولا يعرف السائق السني إلى أين ستذهب تلك الشاحنة، إن كل الحشد السابق واللاحق له تخزينا وتطويقا للمناطق الساحلية إنما كان للخوف من أهل السنة أن يتسلموا الحكم ويكون لهم حقهم الطبيعي هناك أو في أي موقع من سورية، وحين يحدث مكروه لأهل السنة حال اشتعال أي فتنة أو صراع فإنهم سيكون ضحية هذه السياسة الطائفية التي كان الأسد الأب يزرعها بأمر من أسياده وليحقق المبدأ الدنيء فرق تسد وجاء الابن بأمر الأسياد أنفسهم لرعايتها وما زال على ذلك.
وتأتي أحداث بانياس المروعة بهذه المذابح البشعة التي تمت في رأس النبعة الحي الفقير المتدين وفي قرية البيضا المشهود بدين أهلها وأخلاقهم الحميدة من بين جميع قرى الساحل السوري مع احترامها كلها كما عرفناهم وخبرناهم في زيارات صيفية متكررة حيث بدأ الضغط على تلك المناطق من بداية الثورة سلميا وقتل منهم من قتل وهجر من هجر وكانت نساء بانياس اللواتي استشهدن وهن يهتفن للثورة حيث سقطن من أمهات وبنات، ولا ينسى لأهل بانياس هذا الموقف البطولي منذ البدايات مما يدل على شجاعتهم ورفضهم للظلم والمذلة حتى لو كان الثمن العناء والجرح والموت والشهادة، لقد بين الأستاذ الشيخ أنس عيروط بن الشيخ عبد الرحمن عيروط رحمه الله -وهو رئيس المجلس الثوري في بانياس وعلى اتصال دائم بالمنطقة ومعروف لدينا بدينه وصدقه وجهاده وتضحيته- أنه تم استشهاد أربعمائة في رأس النبعة ذبحوا بالسكاكين ورموا بالحجارة حتى الموت وحرقوا وألقوا كالركام وتم استشهاد ثمانمائة في قرية البيضاء حتى عد أسماء الأسر كالبياسة والشغري ودلول وغيرهم ممن نعرف دينهم وأمانتهم منذ سنين، وكان القتلة من الشبيحة ومن سموه جيش الدفاع الوطني وهو غير الجيش الحكومي يهتفون أثناء القتل والذبح لبيك يا حسين، لبيك يا أسد، على اعتبار أن الطائفة العلوية قد صنفت مؤخرا عند الشيعة أنها فرع منهم بعد أن كانت الشيعة تكفرها لأنها تقول بألوهية علي وتختلف معها في أعداد الأئمة وتحديد المهدي الغائب وغير ذلك ولكن الحاقدين كلهم التقوا هذا العصر ليرموا أهل السنة عن قوس واحدة تنفيذا للمشروع الإيراني ونشره في العراق وسورية ولبنان خصوصا وهم يستخدمون المالكي الطائفي الذي دافع عن الأسد وقال إن نظامه لن يسقط ولماذا يسقط وإنه وطائفته فرع من الشيعة ونحن لابد أن ندافع عنهم، وساوقه نصر الله بحزبه ذي السياسة الطائفية التابعة لولاية الفقيه كذلك فأخذ منذ بداية الثورة يشترك مع الطاغية الأسد في الخبرة والإساءة للثوار ثم بالقتال ضدهم في دمشق وريفها وحمص بل وحماه بحجة الدفاع عن مزارات الشيعة كالسيدة زينب ثم اشترك في حرب القصير واعتبر ذلك جهادا وأن من قضوا من جنده استشهدوا في مهمة الواجب الجهادي وزادت وتيرة اشتراكه الدامي حتى استعمل الكيماوي في القصير كما استعمله الأسد الوحش، إن مجزرة بانياس التي صدمت العالم وفاقت مجازر السنتين الماضيتين توحشا ما كانت لتحدث لو أن الأسد مستقر في دمشق غير خائف على مصيره، إن المراد منها اليوم إنما هو تخويف أهلنا الصابرين في الساحل كي يهاجروا ويخلوا ديارهم كالسيناريو الذي طبقه الصرب على البوسنيين المسلمين في البوسنة، وكفعل الصهاينة لتهجير الفلسطينيين وتخويفهم بمثل مجزرة دير ياسين وأمثالها التي تعتبر أشبه بالنزهة إذا ما قورنت بمذابح الأسد المجرم في سورية اليوم، وإن ما شاهدناه من الصور المؤثرة المعبرة أكبر شاهد على ذلك، وإن كان المعلق السوري عصام خليل الحاقد قال: إنها ليست حقيقية وإنما هي مفربكة من قبل قناة الجزيرة وهكذا يفعلون، وقد كان القاتل حافظ الأب قد قالها بعد ما قتل سبعة وأربعين ألفا في حماة عام 1982: لقد قضينا على الإرهابيين فيها وكانت حوادث وانتهت وستر عليه الصهاينة والمجتمع الدولي الذي لا يريد إلا هذا النوع من الحكام الخدام والأجراء العملاء الذين يحققون مصالحه ويسرقون ثروات شعوبهم ثم لأن المستبد شريك المحتل الأصغر فكان لابد ونظام الأسد يتهاوى أن ينقذه الصهاينة قدر المستطاع سيما أن إيران وحزب الله والمالكي يدعون ممانعته ومقاومته ولذلك شنت إسرائيل الغارة صباح هذا السبت على مركز البحوث الكيماوي في جمرايا في ريف دمشق وقصفت جبل قاسيون والفرقة الرابعة حوله وفجرت أماكن للذخيرة والسلاح قالت إنها في طريقها إلى حزب الله في الوقت نفسه الذي ضج فيه خبر مذابح بانياس والبيضاء تغطية وصرفا للأنظار عنها وإن كان مثل هذا قد يكون مخططا له من السابق وما زيارة أوباما ووزير دفاعه إلى إسرائيل وتأكيدهما على ضمان حمايتها إلا جار في هذا السياق، ونحن كسوريين عارفون بطبيعة نظام الأسد الأب والابن ونؤكد أن التنسيق بينهم قائم برفع سهم اللانظام شعبيا وعربيا وإقليميا قد الإمكان وذلك بعد سقوطه الحتمي حيث لم يعد لديه متسع لذلك، ونحن نرى أن المراد من القصف الإسرائيلي إنما هو ضرب أي سلاح كي لا يقع بأيدي الثوار من الجيش الحر .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6030
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1797
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1281
| 18 مايو 2026