رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على غرار ما عرف في الحياة الاقتصادية والمالية بغسيل الأموال، أو تبييضها وهي جريمة اقتصادية تهدف إلى إضفاء المشروعية على أموال محرمة أو ما يسمى بالأموال القذرة، جاءت من طريق فاسد مثل الغش والتزوير والتهريب، وتجارة المخدرات والرقيق والأسلحة وغيرها، على غرار ذلك هناك من ينحو نفس النحو في المجال العلمي والتاريخي والإعلامي لتبييض الوجوه السوداء، أو لغسيل الشخصيات، فيعمد إلى شخصيات مستبدة جائرة ساءت سمعتها، وانتشرت سيرتها بالظلم والفساد، ليعيد تدويرها، ولتبدو كما لو كانت شخصيات إصلاحية، سعت للنهضة، وخطت نحو التقدم، وأسدت لشعوبها معروفا، أو العكس يفعل بالنسبة للشخصيات الإصلاحية بحق، فتسود الوجوه البيضاء، وتشوه الصفحات الناصعة، والمحصلة هي تخوين الأمين، ورفع الوضيع، وانقلاب المعتدل، واستقامة المقلوب، ولكن هيهات، متى يستقيم الظل والعود أعوج؟
ويستخدم أصحاب هذه الأغراض الوضيعة لهذا الدور بعض المؤرخين والأذرع الإعلامية، أو ما اصطلح عليه في الإعلام بالبلاك ميديا، أو من أطلق عليهم قديما سحرة فرعون، لتسويق الأوهام، وتصدير الأحلام، وترويج المعدوم، لغسل الأدمغة، والاستخفاف بالعقول، ومحو ذاكرة الأمة.
وقد يذكر بعضهم أن الدافع إلى ذلك هو الإنصاف والعدل، وسواء كانت سيرتهم بعيدة الزمن أمثال الحجاج، أو قريبة حديثة أمثال مصطفى كمال أتاتورك، أو معاصرة تتربع على سدة الحكم على أنقاض جماجم المغدورين، وأجساد المقهورين.
يؤسفني أنني رأيت من يحاول جاهدا لتبييض وجه الحجاج تحت عنوان مستفز يقول فيه صاحبه: "الحجاج المفترى عليه" وكأن أمثال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعاصم بن أبي النجود، وطاووس، وأبو عمرو بن العلاء، الذين اكتووا بنار الحجاج، وشهادة عمر بن عبدالعزيز فيه وغيرهم، قد ظلموه، وافتروا عليه كذبا، حين أجمعوا على ظلمه، وجبروته، وسفكه للدماء، وإرهاب العلماء قبل العامة، وفرار العلماء واختفائهم منه ومن جنده خشية ملاحقتهم، وإذا لم نصدق معاصريه الذين عايشوا الأحداث، وشهدوا عليه، ممن اشتهروا بالعلم والدين والصلاح، من فقهاء الأمة، ومفسريها، ومحدثيها، وقرائها، وحكامها العادلين، فمن نصدق؟
وذكر بعضهم من محاسنه أنه قام بجهود إصلاحية عظيمة في العراق، شملت هذه الإصلاحات النواحي الاجتماعية والصحية والإدارية وغيرها؛ فأمر بمنع بيع الخمور، وأمر بإنشاء الجسور وحفر الآبار، وأنشأ صهاريج لتخزين مياه الأمطار، وأنجز بناء مدينة واسط بين الكوفة والبصرة، واعتبر من أهم إنجازات الحجاج تعريبه للدواوين، ونجاحه في إصدار الدراهم العربية وضبط معيارها، وقام بإصلاح حال الزراعة في العراق بحفر الأنهار والقنوات، ويعتبر كذلك من أجلِّ الأعمال التي قام بها الحجاج أمره بتشكيل المصاحف.
وبعض من ينتصرون للحجاج يقارنونه بحكام اليوم؛ فالحجاج كان أفصح الناس، وكان حريصًا على اللغة العربية، واليوم بعض الحكام لا يستطيع أن يقرأ صفحة من ورقة مشكّلة! والحجاج فتح البلاد الواسعة، وبعض الحكام اليوم يبيعها للكفار. والحجاج كان يقرأ القرآن كل ثلاث ليالٍ، فيما يُحارب اليوم من يُعلم القرآن في بعض بلاد المسلمين، والحجاج مات ولم يترك إلا 300 درهم، وبعض حكام اليوم يملك المليارات، والحجاج لم تتلطخ سمعته بالفروج والخمور، وأما في عصرنا فحدث ولا حرج.
هذا خطأ منهجي في الاحتجاج، إنما نحتكم إلى قيم الإسلام وتعاليمه، ومدى التزام الشخصيات التي تنتمي إلى الإسلام به، وتطبيقها له، أما إذا كان هؤلاء يريدون أن يثبتوا بمقارنة الحجاج بحكام اليوم أنه أقل ظلما منهم، وأنه أفضل المستبدين، وأروع السفاكين للدماء، فأنا أتفق معهم، ولا حاجة للاسترسال في الاحتجاج.
ماذا استفادت الأمة من صلاح الحجاج المدعى، ومن قراءته للقرآن، ومن مواعظه على المنبر؟ يا ليته كان فاسدا في نفسه، عادلا مع الرعية! لكان الحال غير ذلك.
وماذا يقول هؤلاء عن العدل الذي تحياه شعوب الدول الأوروبية، والحقوق التي يتمتع بها أفرادها، في ظل حكومات غير مسلمة، ورؤوساء بعضهم ملحدون، سيرتهم الذاتية زكمت الأنوف فُجرا وسُكرا وعربدة وانغماسا في الملذات؟
وما قيمة ما فعله الحجاج من إصلاحات مادية، إذا كان لا يعظّم حرمة الإنسان، التي هي عند الله أعظم من حرمة الكعبة المشرفة؟
وما قيمة ما فعله بجوار سفكه للدماء البريئة، وقيام دولته على الإرهاب للرعية، وتكميم الأفواه، واختباء المعارضين له في السراديب؟
وما قيمة ما فعله بجوار غياب الحرية والعدل والأمن، إلا لمن والاه أو هادنه، وارتضى سيرته، وأذعن لسيفه؟
وما نصيب الفتوحات التي ذكرت في عهده، من الإسلام الذي سينشره إليهم ويعرفهم به؟ هل هو دين الاستكانة والذل، والتسليم للظالم؟
وماذا سيصدره للدول المفتوحة؟ وماذا سيعلمه للشعوب الداخلة في دين الله أفواجا؟ وما هي التعاليم الإسلامية التي سينشرها بينهم، إذا كان يخالفها في المقر الذي انطلقت منه هذه التعاليم؟
ولمن يشيد العمران؟ أليس للإنسان وسعادته وتكريمه؟ فماذا استفاد الذين عذبوا وقتلوا وسجنوا وهجروا من دون جريرة؟
وما الفرق بينه وبين زعيم إحدى الدول الشيوعية اليوم، الذي يناور مع أكبر دولة عسكرية في العالم، وتمتلك دولته الكثير من القوة العسكرية عددا وعدة، وأحرزت تقدما علميا وحضاريا لا تخطئه عين، ولكنها دولة قامت على أنقاض حريات الناس ودمائهم، ونشر الرعب في الشعب بين جنبات الأزقة والحواري، ما الفرق بينه وبين مثل هذا الزعيم؟
لا أرى فرقا سوى أن الأول مارس الاستبداد والظلم وهو يقرأ القرآن، والثاني مارسه وهو يقرأ تعاليم ماركس وإنجلز.
كفانا تبييضا للوجوه السوداء!!
السيادة الوطنية خط أحمر
في تاريخ الأمم لحظات فارقة، تختبر فيها الإرادة قبل القوة، والوعي قبل السلاح، والتماسك الداخلي قبل أي حسابات... اقرأ المزيد
162
| 03 مارس 2026
حرب إيران وصراع الهيمنة.. خيوط متشابكة!
لم تضيّع أمريكا ترامب وقتا في الإجابة عن السؤال الذي ختمت به مقالي السابق. اختارت طوعا، فيما يبدو،... اقرأ المزيد
138
| 03 مارس 2026
معركة الوميض الأول
المعركة لا تبدأ حين تدوي الصفارات. تبدأ عند لحظة اشتعال محرك الصاروخ. هناك، في الوميض الحراري الأول، تتحدد... اقرأ المزيد
102
| 03 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2637
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2142
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1878
| 01 مارس 2026