رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بينما تزداد وتيرة العنف ضراوة في المشهد السوري هذه الأيام حتى وصلت إلى شن الطيران الحربي من نوع الميغ الروسي والحوامات التي تهدي الشعب السوري المصابر لهيب قذائف الباطل في شهر الحق والسلام رمضان، في هذا الوقت بالذات يطلع كوفي عنان علينا مقدما استقالته من متابعة الملف السوري موضحا أنه لم ير طوال مدة مبادرته ببنودها الستة أي ضغط دولي فعال ذي بال على حكومة الأسد ولا المعارضة معربا أنه وجد أن الصراع دخل في أتون العسكرة الفعلية وخرج من حلبة النزاع السياسي مما لا يستطيع معه أن يتابع معالجة الأزمة، منوها بأنه مع ذلك لابد من انتقال للسلطة وتنحي الأسد عن الحكم، منبها أن توقف المراقبين عن متابعة مهمتهم بسبب الفشل في إيقاف العنف خصوصا من قبل النظام قد أقنعه بالاستقالة كي لا يتواصل مسلسل حمام الدم ويكون هو شاهدا عليه دون نتيجة تذكر، وليريح ضميره بذلك، حيث إن سكرته أو إسكاره بجولات مكوكية بين دمشق وروسيا وطهران والصين وبعض الدول الغربية جعلته غافلا ولابد له من صحوة وعودة إلى الوعي حيث لا سعادة تعادل راحة الضمير كما قال ابن باجة، والحق أن عنان ما كان منصفا حين سوى بين الجلاد والضحية واتهم المعارضة - وهو يعرف هنا أنها هي الشعب – بالعنف مع أن الضحايا إنما قاموا يدافعون عن أنفسهم في مواجهة آلة القمع الوحشية للعصابة الأسدية التي تقترف المجازر البشعة العديدة ثم تذهب لتبررها على مذهب من يرى أنه ضربني وبكى وسبقني واشتكى، ولا غرو أن يصدر ذلك ممن تمتعوا بملكات الخبث الثلاث اللؤم والكذب والخسة وقد نسي عنان أو تناسى أن الوعود الكاذبة لهؤلاء إنما هي الكمين الذي يقع فيه الحمقى مع أن أكثم بن صيفي كان يقول: لأن أموت عطشا أحب إلي من أن أخلف وعدا، أقول: خصوصا إذا كان يتعلق بحياة الأمة والمواطنين، وهكذا ظن عنان أنه دبلوماسي مخضرم لا يمكن أن يلتف أحد عليه فلعب عليه حتى المحصرمون ومن هنا فقد كان ممن يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعهم الناس وما ذلك إلا لأنه لم يفهم طبيعة الصراع الدائر في سوريا وحقيقة البعد الطائفي الذي بلغ شأوا بعيدا لدى الحكومة الأسدية ضد شعبها إلى درجة إرادة وإدارة القتل والسحل والتمثيل والسجن والاعتداء على الشيوخ والنساء والأطفال عمدا وبأسلوب ممنهج مؤدلج طائفيا وفيه يشتم الله والرسول والصحابة وأهل السنة دون إقامة حق للمواطنة التي يرفعون شعارها زورا وبهتانا ووسط هذا السلاح الفتاك والأسلحة النارية الأخرى فإن القوانين تصبح صامتة سوى قانون الغابة الذي يرأسه الأسد القوي ظاهرا الجبان حقيقة أمام الثوار وأمام الصهاينة المحتلين العاجزين عن الرد على تحليق الطيران الإسرائيلي فوق قصره رغم أنه توعد بالرد في الوقت المناسب فضلا عن تحرير شبر واحد من الجولان الذي قدم هدية لإسرائيل مقابل تثبيت أبيه في الحكم وهو من بعده، نقول هذا رغم أنه من المعروف أن الجيش السوري يعتبر الثاني في المنطقة بعد الجيش الإسرائيلي والسادس عشر في العالم.
إن استقالة عنان في هذه الأيام تثبت إقراره الجازم بالعجز التام للمجتمع الدولي إزاء المسألة السورية وأنه لم يعد أي أفق لأي حل سياسي في ظل التعنت الأسدي للتشبث بالسلطة وأن المحللين السياسيين كانوا قد أدركوا ذلك وأن مبادرته قد ولدت ميتة أصلا لأنها غير ملزمة ولم يعمل هو على أي تصرف يلزم اللانظام السوري بالوفاء بتعهده لتطبيق المبادرة ولذلك كان اللانظام مسرورا بها هو وروسيا وإيران والصين ولأنه لو نفذ البند الأول منها والذي يقضي بإيقاف العنف لخرج الشعب السوري بالملايين وسقط النظام حتما وبسرعة وهكذا، فخطة عنان خذلت الشعب السوري كما خذل المجتمع الدولي الشعب البوسني سابقا، ومازال الخذلان في هذه المسرحية مستمرا رغم بحار الدماء والدمار الهائل في سوريا، ولم يتحرك هذا المجتمع المنافق لإنشاء ملاذات آمنة للمدنيين ولم يوافق على أي حظر جوي يمنع نفاثات اللانظام وحواماته من تدمير البلاد والعباد، فلا حياء ولا خجل ولا اعتبار للمبادئ والقيم والأرواح أمام المصالح الدولية، ولذلك فإننا نرى أنه قد لا يوجد مخرج لهذه القضية إلا بالتدخل العسكري من الناتو بعد فشل مجلس الأمن، وعدم جدوى مناصرة الجمعية العامة للأمم المتحدة للشعب السوري في الموافقة على القرار الذي تقدمت به السعودية لإدانة العصابة الأسدية وطلب الانتقال الضروري للسلطة وإذ تقوم الأمم المتحدة اليوم باختيار بديل لعنان فلابد أن نؤكد أنه إذا تم ذلك بصلاحيات وكانت أعماله قابلة للتنفيذ فأهلا وسهلا وإلا فإنه قد يمدد في قتل السوريين أكثر وأكثر وكفى عنان أنه خلال مبادرته قد قتل منهم أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة بريء ودمرت الممتلكات تدميرا فقليلا من النخوة، قليلا من الحياء، قليلا من الدم المتعاطف مع أبناء سوريا الأبية، أيها المجتمع الدولي الذي يزعم العدالة وصون حقوق الإنسان وإلا فإن السوريين سينتزعون بقوة حريتهم بأيديهم مهما طال الأمد وعظمت التضحيات بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1668
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
831
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
609
| 31 ديسمبر 2025