رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتب الصديق المبدع الأستاذ جابر الحرمي في إحدى تغريداته ما معناه: إن أحدا لم يكتب عن "الإرهاب اليهودي". للأمانة الصحفية.. أذكر أنني كتبت عن الموضوع منذ فترة طويلة.. لكني حينها لم أكن أستخدم الإنترنت أو هو لم يكن موجودا! كنت أكتب مقالاتي بالطريقة البدائية (بالحبر) وأرسلها بطريقة أكثر بدائية, بالفاكس! منذ بدأت الكتابة أخذت عهداً على نفسي في أن أكشف ما استطعت حقيقة عدو أمتنا لقارئنا العربي.. العدو الصهيوني الذي لا تعايش معه سوى اجتثاثه من أرضنا, فقد آن لغاصبي فلسطيننا من النهر إلى البحر وأرضنا العربية, أن ينصرفوا.. عن أرضنا..عن ملحنا.. عن جرحنا.. بعد أن أخذوا حصتهم من دمنا... فقد آن لهم الأوان أن ينصرفوا.
أيضاً كنت سأعتبر نفسي مقصراً وبدرجة أكبر من الكبيرة لو أنني لم أكتب عن هذا الموضوع تحديداً. بُعيد انهيار الاتحاد السوفياتي, حاولت الولايات المتحدة والحركة الصهيونية وإسرائيل والبعض من الدول الغربية التصوير: بأن العدو القادم للبشرية هو"الإسلام" وبدأوا في اختراع تعبير "الأصولية الإسلامية" وابتدأوا التخطيط لتجنيد الجماعات الأصولية المتطرفة التي تقوم بتشويه الإسلام , وجرى التركيز كثيراً على هذا الشعار. للأسف لم يتم توجيه أية اتهامات للتطرف والأصولية في الدين اليهودي وعند اليهود ولا لليهودية ولا حتى للمسيحية! في اليهودية, فإن ظاهرة التطرف هي الأشّد خطراً في التاريخ, منذ التآمر على نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى المسلمين منذ ولادة دينهم الحنيف وصولا إلى اللحظة الراهنة, فالتعاليم المحرّفة للتوراة والتي صاغها الحاخامات اليهود وفقاً لمصالحهم، تنطلق من الذاتية و"الأنا" المطلقة, والعدوان على كل الآخرين, واحتقارهم.
في سفر إشعيا تقرأ: "ليمت جميع الناس ويحيي إسرائيل وحده"، "يرفعك الله فوق جميع شعوب الأرض، ويجعلك الشعب المختار"، و "يقف الأجانب يرعون أغنامكم، أما أنتم – بني إسرائيل- فتدعون كهنة الرب تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتآمرون".
لم تقتصر الأصولية اليهودية التاريخية السابقة على تحريف التوراة والتلمود على أيدي زعماء الطائفة من الحاخامات, الذين أنكروا على اليهود الحق في كل أنواع التعليم (باستثناء التلمود والصوفية اليهودية), فدراسة جميع اللغات الأخرى كانت محرمة بصرامة عليهم , وكذلك دراسة الرياضيات والعلوم والجغرافية والتاريخ، بل جاء الحاخامات المعاصرون "الحاليون" ليترجموا هذه العقائد إلى سياسات ممارسة بعد إنشاء دولة إسرائيل، "فيجوز قتل العرب حتى نسائهم وشيوخهم وأطفالهم"، و"العربي الجيد هو العربي الميت"، و "العرب ليسوا أكثر من أفاع وصراصير", "يجوز قتل الطفل العربي حتى لو كان رضيعا", "يجوز قتل النساء العربيات, حتى لو كنّ حوامل, من أجل منع إنجاب أطفال يلحقون الأذى ببني إسرائيل" ! ووصل الأمر بحاخام اليهود الشرقيين عوفوديا يوسف, أن أفتى بـ "أن المشي بين النساء العربيات كالمشي بين الحمير"!
دعوني أذكّركم بما نشرته صحيفة 'فولكسكرانت' الهولندية في 26 نوفمبر 2010، في مقابلة لها مع المخرج الهولندي جورج سلويتسر، وتناقلته في ما بعد وكالات الأنباء, من أنه (شاهد بأم عينيه أرييل شارون وهو يقتل بمسدسه طفلين فلسطينيين, على مدخل مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1982).. كذلك تصريحات نتنياهو وأيليت شيكيد وزيرة "العدل" الحالية, حين دعت أثناء العدوان على غزة 2014 إلى قتل الأطفال الفلسطينين (لأننا نعتبرهم ثعابين صغيرة" ودعت إلى تدمير البيوت فوق رؤوس الفلسطينيين وتهديم بنيتهم التحتية!, بالتالي ليس جديداً على الكيان اقتراف الجرائم ضد أطفال شعبنا، بل يوضح بما لا يقبل مجالاً للشك، الطبيعة النازية لهؤلاء المجرمين الفاشيين الصهاينة, حكومة وشارعا ومستوطنين, وممارسة التطهير العرقي بحق شعبنا وأمتنا. عداء اليهودي لا يقتصر على العرب والفلسطينيين والمسلمين جميعاً بل يتعداهم إلى السود جميعاً، ففي تعليقه على كارثة نيواورلينز (العاصفة ومن ثم الفيضانات التي اجتاحتها في نوفمبر عام 2010) حيث كانت أغلبية القتلى من السود، قال الحاخام الصهيوني لليهود الغربيين حينها, يونا متسجر( وُجهت إليه تهم التحرش الجنسي وتبييض الأموال والفساد): (هيا لنأتي بتسونامي ونغرقهم فهم لم يتعلموا قراءة التوراة). وعوفوديا يوسف (حاخام اليهود الشرقيين) هو على نفس الشاكلة!.
هذه الفتاوى للحاخامات تخرج وتندرج على ألسنتهم في العصر الحالي (القرن الواحد والعشرين), فـ "قتل اليهودي جريمة كبرى وواحدة من أسوا ثلاث خطايا", وحين يكون الضحية غير يهودي يختلف الوضع كلياً, فـ "اليهودي الذي يقتل غير يهودي فيجب أن لا تعاقبه أية محكمة"، "أما التسبب بموت غير اليهودي, فليس خطيئة على الإطلاق".
(من يريد الاستزادة في دعوة هؤلاء إلى قتل غير اليهود فليقرأ كتاب المؤرخ المتوفي إسرائيل شاحاك بعنوان"الديانة اليهودية، التاريخ اليهودي، وطأة ثلاثة آلاف سنة"، وكتب معينة.. لـ أرنولد توينبي, ايتيل مينون, إيلان بابيه, روجيه غارودي, آرثر كوستلر, نورمان فلينكشتاين وغيرهم كثيرون).
لكل ذلك رأينا الرقص الإسرائيلي على المأساة الفلسطينية في الحادثة المتعمدة بـ دهس 8 أطفال فلسطينيين وجرح العشرات (منهم كثيرون استشهدوا فيما بعد) في حادثة سير, والاصطدام المتعمد بالباص الذي يقلهم من قبل شاحنة إسرائيلية. على أثره امتلأت المواقع الإلكترونية الإسرائيلية بتعليقات الابتهاج والفرح الشديد من نمط "الحمد للرب على هذا القتل" و"الشكر للرب لأنهم فلسطينيون"، و"لماذا لم يموتوا كلهم"،و"في المرة التالية فلتتأكدوا تماماً من موتهم"، وعلى هذه الشاكلة الكثير الكثير من التعليقات. لكل ذلك نرى مذابح اليهود للفلسطينيين والعرب والمسلمين بدءا من مجزرة دير ياسين عام 1947 مرورا بـ مجازر: كفر قاسم, الطنطورة, السموع, قلقيلية, الحرم الإبراهيمي, بحر البقر, دفن الجنود المصريين أحياء في سيناء عام 1967, قانا الأولى, قانا الثانية, مجزرة الصنايع في بيروت عام 1982, وغيرها وصولا إلى المجازر بـ ,قتل الشهيد صبحي أبو جامع وابن عمه وهما حيين, قتل الفلسطينية الشهيدة دلال المغربي حيّة, حرق الطفل محمد أبو خضير حيا, وحرق الطفل الملاك والبدر علي الدوابشة وجرح والدته ووالده وشقيقه ابن الرابعة وإصابتهم بحروق من الدرجة الثالثة (أي قاتلة)!. قتل محمد الدرة في حضن والده وغير ذلك الكثير!.
كافة استطلاعات الرأي تبين بما لا يقبل مجالاً للشك: الامتداد الديني الأصولي اليهودي المتطرف في الشارع الإسرائيلي، وأحد استطلاعات الرأي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" تتوقع: أن حجم المتطرفين الإسرائيليين في عام 2025 في إسرائيل, سيبلغ 62% من سكانها اليهود. في المسيحية يوجد التيار الواسع الذي يُطلق عليه "الصهيو- مسيحية" أو "اليهو- مسيحية", وهو تيار منتشر في الغرب وعلى الأخص في الولايات المتحدة. هذا التيار يعتقد بوجوب دعم دولة إسرائيل والدفاع عن بقائها لأنه اشتراط إلهي من أجل أسباب دينية، ولذلك فإن هذا التيار الواسع كثيراً في أمريكا, يقدّم المعونات بكافة أشكالها ووسائلها لإسرائيل, بصورة أكبر مما تقدمه لها الحركة الصهيونية, فهو يملك آلاف الجمعيات والكنائس والفضائيات والإذاعات والصحف وكافة الوسائل الأخرى, من أجل دعم إسرائيل التي وإن اختلفت معه للأسباب الدينية البحتة، فإنها تسانده وتغذيه وتنتبه إليه, وتملك وتقيم أفضل الصلات مع زعمائه, ومن يريد الاستزادة في معرفة هذا التيار, فليقرأ كتاب د.يوسف الحسن والمعنون بــ "البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي-الصهيوني".
أيضاً فإن القس الأمريكي الذي مزّق القرآن الكريم, فإنما يعّبر عن ظاهرة التطرف والأصولية في المسيحية، كذلك هي الإساءات للنبي الكريم سواء عبر كاريكايتر أو مظهر آخر، فإنما يعّبر ذلك عن نزعة التظرف الأصولية لدى أصحابه.
وفقاً للكاتب برنارد لازار في كتابه القيّم "اللاسامية, تاريخها وأسبابها": فإن "اللاسامية" هي اختراع يهودي لأنهم يعتقدون بأن: اليهودية مشرّبة بخاصية "استثنائية معتنقيها", الاعتقاد بامتياز التوراة عن الكتب السماوية الأخرى, اعتقاد اليهود: بأنهم خارج الشعوب وفوق المجتمعات, اعتقاد اليهود "بأن كافة الأجناس الأخرى, أقل قدراً عند الله من اليهود" لذلك فهم فوق كل الشعوب.
وينهي الكاتب فقرته بالجملة التالية "إن هذه المعتقدات هي خاصية لظهور الشوفينية في الأديان". بالنسبة للتعاون بين الصهيونية (التعبير الحي عن اليهودية) فيكفي أن أقول عقدت اتفاقيتان بين الطرفين في ثلاثينيات القرن الماضي إلى جانب مساعدة الناوية وغوبلز تحديدا للحركة الصهيونية في كل مخططاتها!. والعلاقة بين الطرفين تستعرضها كتب ومؤلفات كثيرة, ولا مجال لاستعراض أو كتابة أسماء حتى القليل منها في مقالة قصيرة!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
2826
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2250
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2133
| 29 يوليو 2026