رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت خاتمة لقاءاتي في كابول مع عدد كبير من الإعلاميين العاملين في مؤسسات الدولة الأفغانية الجديدة، إذ دعاني إلى اللقاء الأخ ريحانة الأفغاني صاحب الهمة والنشاط العاليين، وصاحب الحساب المعروف باسمه على منصة إكس/ تويتر سابقاً. ذهبت إلى مكان اللقاء في بيت بحي وزير أكبر خان أرقى أحياء كابول، فوجدت أكثر من عشرين إعلامياً أفغانياً، غالبيتهم العظمى تتحدث اللغة العربية الفصحى، وممن يعملون في مؤسسات الدولة، وذلك في مجال العلاقات العامة، أو في وزارة الإعلام، حيث لديهم جميعاً حسابات قوية على منصات التواصل الاجتماعي، فكانوا بحق لسنوات عين أفغانستان على العالم، وعين العالم العربي على أفغانستان، واللافت في الأمر اطلاعهم على تفاصيل أحداث العالم العربي من سوريا، والعراق وليبيا إلى فلسطين وأحداثها، ولا يدخرون جهداً في التعريف بقضيتهم، والتعريف بقضايا العرب وسط حاضنتهم.
كان الحاضر الأكبر في هذا اللقاء الأخ والزميل العزيز سعد الله البلوشي الذي يدير مجلة الصمود الطالبانية الشهرية، وهي المجلة التي بدأت مسيرتها المهنية منذ انطلاقة المقاومة الطالبانية ضد قوات التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد حرص الجميع في اللقاء الذي امتد لأكثر من ثلاث ساعات على الاستماع، ثم على طرح الأسئلة والاستفسارات، حيث تحدثت كما رغبوا عن سبل تعزيز العلاقات الإعلامية العربية ـ الأفغانية، وضرورة إطلاع الشعب العربي على الوجه الجديد لأفغانستان، واستدلّ الحاضرون بجهودهم في جذب بعض شخصيات اليوتيوبرز من الدول العربية ليقوموا بتقديم صورة أفغانستان الجديدة والتي كان لها عظيم الأثر في تبديد الصورة النمطية السلبية عن الواقع الأفغاني لدى الشعب العربي.
الواقع أن كثرة الناشطين والإعلاميين في أفغانستان تعكس في الحقيقة اهتماماً إعلامياً طالبانياً أولاً بالساحة العربية، وثانياً يعكس اهتماماً باللغة العربية، والتي تعد الحاضر الأكبر اليوم هناك، فأينما اتجهت إلى دوائر الدولة تجد من يتحدث بها، وبشكل فصيح وواضح، وحتى أن مترجمي المسؤولين الأفغان يتقنون اللغة العربية بشكل مذهل، وهو ما أثار استغراب حتى المسؤولين العرب الذين كانوا يترجمون لهم خلال الاجتماعات الرسمية، فضلاً عن أن بعض المسؤولين يتحدثون العربية بسلاسة، كما حصل معي خلال لقائي مع الشيخ عبد السلام حنفي نائب رئيس الحكومة.
تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حسابات مهمة للناشطين والإعلاميين الأفغان، ومن هذه الحسابات، حساب مجلة الصمود الناطقة باللغة العربية، وهي مجلة شهرية صدرت منذ سنوات المقاومة الطالبانية ضد القوات الأمريكية، بالإضافة إلى حسابات شخصية مثل حساب ريحانة الأفغاني، وخالد أنس، وفهيم الأفغاني، وموقع أفغانستان بالعربي، ومنصات حريت وغيرها من الحسابات التي تشكل رافعة اليوم للعلاقات العربية ـ الأفغانية، ليفهم كل طرف الآخر، كما يعمل الإعلاميون الأفغان على استقبال نظرائهم من العالم العربي، فيحرصون على اللقاء بهم، والحديث إليهم، وتوضيح صورة أفغانستان الجديدة، بالإضافة إلى تعريف اليوتيوبرز بما آلت إليه أفغانستان بعد رحيل القوات الأجنبية عن أفغانستان، وقد ظهرت آثار اليوتيوبرز في رحلات العديد منهم خلال السنوات الثلاث التي أعقبت تحرير أفغانستان.
لا شك فإن الجهود الكبيرة التي يبذلها الناشطون والإعلاميون الأفغان في مجال رصد كل ما يرد من الإعلام العربي لافت ومميز، فحين يرى هؤلاء الإعلاميون، أن قناة فضائية، أو مؤسسة إعلامية، قد نشرت ما يسيء للدولة، يقومون بالرد عليها علمياً ومنطقياً، ويستدعون بذلك التاريخ والمقاربات والمقارنات، عبر مقاطع فيديو أو أنيميشن، ووسائل إخراجية وإنتاجية حديثة، الأمر الذي يجعلهم متفوقين حتى على خصومهم وأقرانهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وكما حدثني زميل صحفي عربي معروف لا يعرف أفغانستان ولم يزرها من قبل، ولكن يتابع أخبارها بشكل عادي، قال لي لقد ذهلت للطريقة التي يقومون بها بالتعريف ببلادهم والدفاع عنها، إضافة إلى ذهولي لطريقة تقديمهم حفلاتهم واجتماعاتهم، وحتى مقاطع الفيديو التي يروجون بها لجيشهم ومقاتليهم، والأسلحة العسكرية التي يحوزونها، وهي صورة راقية محببة، وكأنهم دولة حقيقية، بخلاف ما يروج عنهم من صورة سلبية.
الأمر المهم الذي ينبغي الإشارة إليه هنا، وهو أن أي تغريدة أو منشور يتم نشره على منصات التواصل الاجتماعي، يحصد سريعاً كثيراً من إعادة التغريدات والمشاركات والإعجابات، ومعه عشرات الآلاف من المشاهدات، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على مقبولية لأصحاب الحسابات وسط الجماهير العربية المتعطشة لمعرفة ما جرى ويجري في تلك المنطقة المهملة والمهمشة إعلامياً من العالم الإسلامي، بالإضافة إلى قدرة هؤلاء الإعلاميين على ترويج الحسابات لدى الآخرين، فهم لا يدعون أي مسألة أو تساؤل بحق أفغانستان يمرُّ دون تعليق أو نقد أو مدح أو قدح، وهو الأمر الذي جعل كثيراً من الحسابات المنتقدة لهم أن تتحسب لهؤلاء الشباب المرابطين خلف أزرار الكمبيوتر، وتفكر مرات ومرات قبل الإقدام على مهاجمتهم.
هؤلاء الإعلاميون الجدد يرون أن ما يقومون به واجباً لا يقل عن واجب المقاتل الأفغاني، وهنا ينبغي الإشارة إلى دورهم المهم والمؤثر والسريع في ترجمة كثير من البيانات والأخبار وتوزيعها على حسابات الشخصيات العربية المشهورة والمعروفة، وذلك من أجل نشرها أولاً على حسابات قوية ليست بحساباتهم وهو ما يكسبها مصداقية ومهنية أقوى، بالإضافة إلى قبول لدى متابعي تلك الشخصيات المعرفة، فضلاً عن كسب أصحاب الحسابات أنفسهم لصالح الدولة، وإبقائها مطلعة على ما يجري في أفغانستان.
الإعلام هو المعركة اليوم، والإعلام اليوم هو باني الدول وسمعتها في الداخل والخارج، ولكن أجدني قبل أن أنهي مقالي هذا من الحتمي والضروري تسجيل رأي زملائي الإعلاميين الآخرين، الذين يشكون من تقييد حركتهم في تغطية الأحداث الأفغانية، والسماح فقط للموالين للحكومة الأفغانية، وباعتقادي هذا خطأ، فاليوم لم يعد بالإمكان حجر الإعلامي في ظل تفشي ظاهرة المنصات الرقمية كالفطر، ومن حق الإعلامي أن يمارس مهنته، ومن واجب المسؤول أياً كان تهيئة الظروف للإعلامي من أجل نقل الحقيقة، ويبقى هناك مؤسسات تشرع القوانين، ومؤسسات تعمل على تطبيقها، ومؤسسات تعاقب من يخترقها، وذلك لضمان عدم تغوّل الإعلامي، على السياسي، والعكس صحيح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5739
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3066
| 24 سبتمبر 2026