رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة ماهر

معلمة رياضيات
مدرسة المشاف الابتدائية للبنات

مساحة إعلانية

مقالات

189

فاطمة ماهر

بصمة الإصبع تطبَع معها ملامح الشخصية

06 أغسطس 2026 , 10:52م

كل صباح، يقف طفل صغير أمام جهاز بصمة، يضع إصبعه عليه في لحظة لا تتجاوز ثانية واحدة، ثم يمضي إلى صفه دون أن يشعر أنه للتو وقّع أول عقد في حياته.

نظن أن الجهاز يسجّل حضورًا. والحقيقة أنه يسجّل شيئًا أعمق: إنه يبدأ في صياغة إنسان يعرف أن هناك مكانًا يجب أن يكون فيه، ووقتًا لا يجوز أن يتأخر عنه، وأن غيابه، مهما بدا بسيطًا، له أثر لا يراه هو، لكن يراه النظام من حوله.

لسنا أمام إجراء، بل أمام تربية صامتة.

فالطفل الذي يضع بصمته كل صباح ليسجّل حضوره، ليس مجرد تلميذ يُحصى اسمه في كشف؛ إنه موظف المستقبل الذي سيضع بصمته يومًا على جهاز حضور في شركة، ومعلم الغد الذي سينتظره طلاب لا يعرفون العذر، وطبيب الغد الذي سيكون تأخره ثمنًا قد يدفعه مريض لا يحتمل الانتظار، ومهندس الغد الذي سيبني على الالتزام لا على المزاج.

نحن لا نُعِدّ الطلاب لامتحان... نحن نُعِدّهم لحياة.

وهنا يكمن الفرق بين من يرى في بصمة الحضور مجرد تقنية لضبط الغياب، ومن يراها بذرة أولى لقيمة سيحتاجها الإنسان في كل موقع سيقف فيه لاحقًا: الانضباط. فالانضباط لا يُغرَس بمحاضرة، بل يُمارَس كل يوم، في فعل بسيط يتكرر حتى يتحول إلى طبع.

ولعل أجمل ما في هذا النظام أنه لا يميّز بين طالب وآخر: الجهاز لا يعرف الفروق الاجتماعية، ولا المستوى الدراسي، ولا حتى المزاج الصباحي؛ إنه يطلب من الجميع الشيء نفسه: كن هنا، في وقتك، بنفسك.

قد يقول قائل: إنها مجرد بصمة إصبع. لكن التاريخ يذكّرنا أن أعظم الالتزامات بدأت بإشارة صغيرة: توقيع غيّر مصير أمة، أو خطوة أولى غيّرت مسار رحلة. وبصمة الحضور، وإن بدت تفصيلًا يوميًا عابرًا، تحمل الرسالة نفسها: الالتزام الكبير يبدأ دائمًا من عادة صغيرة.

فحين تُفعّل وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي هذا النظام، فإنها لا تراقب غيابًا فحسب، بل تزرع، دون ضجيج، جيلًا يعرف منذ صغره أن الحضور مسؤولية، وأن الوقت أمانة، وأن التوقيع - أي توقيع - له ثمن يجب أن يُحسب قبل أن يُمنح.

بصمتك لا تشبه أحدًا في هذا العالم... فلا تدع مستقبلك يشبه الجميع.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية