رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصادف بعد أيام قلائل مرور 14 عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، على كل من واشنطن ونيويورك، التي اتهم فيها تنظيم القاعدة بتدبيرها، والذي يعتبر تاريخاً جديداً من المواجهة غير التقليدية المعتادة مع الولايات المتحدة، ثم قيامه ببعض الهجمات على إسبانيا والمملكة المتحدة بدعوى مشاركتهما في الحرب على أفغانستان والعراق، وهو ما يعني أن المواجهة غير التقليدية قامت لمدة عقد مع القاعدة، وما تزال، وانتهت باغتيال أسامة بن لادن، زعيم التنظيم، وبعض معاونيه، في باكستان منذ عدة أشهر، والحقيقة أن هذه الهجمات كان لها الكثير من الانعكاسات السلبية على العرب والمسلمين في الغرب وفي غيرها من الدول بسبب هذه الهجمات التي أصابت الأبرياء وأحدثت شرخا بين الشعوب بغض النظر عن السياسات التي تنتهجها بعض الدول الغربية ونختلف معها.
صحيح أن الإرهاب ظاهرة عالمية، وليست خصيصة إسلامية كما يبدو للبعض من أصحاب الأحكام الجاهزة أو النظرة المسبقة تجاه العرب والمسلمين، خاصة من بعض المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ـ في فترة حكمهم ـ الذي حاولوا مع اللوبي الإسرائيلي اتهام الإسلام ذاته وتعاليمه، وتجريم كل المسلمين ووصمهم بالإرهاب والتطرف والغلو مع علمهم أن الإرهاب الذي يطال الأبرياء مدان من غالبية المسلمين وأعلنوا رفضهم وإدانتهم له، وهذا ما حصل لتفجيرات لندن الإرهابية بعد ذلك.
والإشكالية أن بعض الغربيين ـ وبعضهم من أصحاب النفوذ في صناع القرار في الغرب ـ استثمروا هذه الأعمال المرفوضة وأصبحوا وركزوا على دين الإسلام نفسه بالتشويه والاتهام والتخويف وهذه القضية تثير التوجس من آراء هؤلاء الخبيثة مع أنهم يعرفون أن هذه الهجمات مدانة من المسلمين وكانوا أيضا من ضحايا هذا الإرهاب في الرياض وجدة والقاهرة وشرم الشيخ وفي أماكن كثيرة حدثت.
ويبدو أن هذه التصريحات في اتهام الإسلام التعميم الغريب على أهله لم تنطلق عن جهل بحقائق الأمور، أو عدم القصد، أو زلة لسان، لكنها تصريحات مقصودة لتوصيل رسالة بخلفية أيديولوجية، من خلال الإساءة إلى العرب والمسلمين، في ظل الاتهامات والإشارات الموجهة إليهم بالإرهاب والتطرف والظلامية والأصولية، وهي اتهامات بالطبع ليست جديدة على خلفية تفجيرات نيويورك وواشنطن وكذلك مدريد ولندن، بل إنها قديمة ومستهلكة، لكن يتم استعادتها بسهولة كلما جاءت نازلة هنا وهناك، لكونها نمطية وجاهزة للعرب والمسلمين.
وهذا التجريح الإساءة للإسلام وحضارته فهذا ـ كما قلنا ـ ليس جديداً، لكن الإشكالية تكمن في دلالات توقيته المشحون بأزمة التفجيرات وآثارها. وهذا ما يدل على القصدية الدافعة لهذا التصريح. لكن هل هذا هو الرأي الغالب في الغرب تجاه الإسلام وحضارته، وبهذه النظرة الشوفينية والدونية؟ لاطبعا. والدليل على ذلك هو وجود الإسلام نفسه في الغرب كجزء منه منذ أمد طويل، أولاً في إسبانيا، ثم في البلقان، وكذلك مساهمته في حضارة الغرب. والذي يدعو للأسف أننا دائما محل الاتهام، وهو البادئ بالهجوم علينا منذ قرون ليس بغزو واحتلال فحسب، بل أيضاً بتوجيه الاتهامات التي ما أنزل الله بها من سلطان. فهذا الدين في نظره دين عنف وإرهاب، واحتقار للمرأة، وضد الحرية والتعددية، محاربة العقل والإبداع. ولا يعترف بحقوق الإنسان، ويناهض الديمقراطية والرأي الآخر، ويخلط بين الدين والدنيا، وهو ما يجعل التطرف والغلو ينمو عند البعض، مع هذه المعايير والمقاييس غير العادلة واختلط عليها الأمر ولم تعد تفرق بين الصواب والخطأ.
وهذه القائمة الطويلة من الاتهامات نجدها منتشرة في الكتابات الصحفية، وعند أقلام الباحثين، وعلى ألسنة السياسيين، ثم يرددها رجل الشارع في الغرب، مما يدل على أنها أيديولوجيا موجهة قوامها الإساءة للإسلام وإسناد أسوأ الصفات به ابتداءً بفولتير وانتهاءً ببيرلسكوني، وما هذه كلمة العقلانية المنصفة إلا لتحجيم هذه الحملة المغرضة التي قد تخلق الكثير من الأحقاد والعداء، وخاصة أن المسلمين أصبحوا بالملايين كمواطنين في المجتمع الغربي.
صحيح أن هناك الكثير من الموروث السلبي بيننا وبين الغرب، لكن معظم هذا الموروث خضع لمغالطات وأحكام غير دقيقة سيما من الغرب. لكن المسيحية الكنسية في الغرب وشريحة مؤثرة من مؤسسات صناعة القرار، لا تقابل إلى الآن نظرة العرب والمسلمين للمسيحية ونبيها، بنفس النظرة العادلة والفهم الإيجابي للرسول (ص) والديانة الإسلامية.. والأخطر في الظروف الراهنة هي في تعميم الاتهام للعرب والمسلمين، وتأجيج المشاعر، وترديد مقولات التهديد الإسلامي، واتهامهم بالإرهاب المتأصل في عقلياتهم خاصة على العرب والمسلمين في الغرب الذين أصبحوا تحت المجهر والتوجس والمراقبة وتضخيم ما يقومون به من آراء ونشاطات معينة تندرج تحت الحرية والديمقراطية وقد قرأت لبعض الكتاب العلمانيين مقالة بعنوان (لا حرية لأعداء الحرية) !! وهو ما يعني حرية المسلمين في الغرب أو بعضهم، مع القانون هو الفيصل والذي يستطيع تجريم الأفعال من تبرئتها، والقضاء في الغرب معروف بنزاهته في الغالب الأعم، فأي موقف سلبي يصدر من بعض العرب على وجه الخصوص، وإن كان لا يمثل الغالبية منهم، فإن بعض دوائر ومؤسسات صناعة القرار في الغرب، تستعيد فوراً مقولة الخطر الإسلامي، وحتمية صدام الحضارات التي أطلقها صامويل هنتنغتون في القرن الماضي .
فالقتل العشوائي مدان من الكل من حيث المبدأ الذي يتفق عليه الجميع. فإن هذا الفعل لا يقره الإسلام، ولا تجيزه القيم الدينية أو الأعراف الأخلاقية، ولن يحقق أهدافاً إن كان أصحابه يهدفون إلى شيء من فعلتهم هذه. إلى جانب أن هذه الأعمال سوف يضر بالقضايا العربية والإسلامية، ويزيد المتاعب للجاليات والمواطنين المسلمين في شتى أنحاء العالم الغربي.
وقد بدأت في المملكة المتحدة الكثير من القوانين واللوائح التي سوف تساهم في تقليل النشاط الدعوي والاجتماعي والحريات العامة نتيجة هذه الأعمال الإرهابية التي نالت الأبرياء، واستفادت منها الدول نفسها لأسباب عديدة، وكذلك اللوبي الصهيوني الذي كان يحذر الغرب من وجود المسلمين على أراضيه، وتحقق لهم ما كان يهدفون إليه.
بعد عقد على هذه الهجمات، لابد من المراجعة العقلانية لما حصل بعد هذه الهجمات، فلا استفاد تنظيم القاعدة من هذه الهجمات المرفوضة على الأبرياء، ولا الولايات المتحدة أصابت في حروبها انتقاما من هذه الهجمات، لذلك يجب على أهل العقول النيرة والحصيفة المراجعة في كوكبنا أن تناقض قضايا العدل، التوازن، والحقوق الإنسانية، ففي غياب هذه المعايير فإن الحروب والتوترات ستظل قائمة وستزيد في غيابها وإهماله، لكن للأسف أن التوترات والصراعات لم تعد قائمة بيننا وبين الغرب، فقد أصبحت الصراعات والحروب داخلية بيننا، بفعل التطرف والغلو نفسه اتهمه الغرب، وهذا يعني أن خللا كبيرا لا يزال مستحكما في بنيتنا الفكرية.. وللحديث بقية.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4923
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
567
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026