رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخة نجلاء بنت أحمد آل ثاني

• المدير التنفيذي لمركز رعاية الأيتام (دريمة)

مساحة إعلانية

مقالات

66

الشيخة نجلاء بنت أحمد آل ثاني

لأجلهم.. العودة إلى المدارس

06 سبتمبر 2026 , 02:00ص

مع كل عودة إلى المدارس، لا تُفتح أبواب الفصول الدراسية وحدها، بل تُفتح معها نوافذ جديدة للأمل، ومساحات لاكتشاف الذات وصناعة المستقبل. وبينما ينشغل الأبناء وأسرهم بتجهيز متطلبات العام الدراسي، ينبغي لنا أن نتوقف أمام سؤال أكثر عمقاً: هل التعليم مجرد تحصيل للمعرفة، أم أنه رحلة متكاملة لبناء الإنسان وتعزيز ثقته بنفسه وتمكينه من الاستقلال في حياته؟

إن قيمة التعليم لا تختصرها شهادة دراسية، ولا تقيسها نتيجة اختبار فحسب، فالتعليم الحقيقي هو الذي يمنح الإنسان القدرة على التفكير، ويعلّمه كيف يختار، ويزرع فيه الشجاعة لمواجهة التحديات، ويهيئه لتحمل المسؤولية. وهو الطريق الذي ينتقل به الطالب من الاعتماد على الآخرين إلى الإيمان بقدراته، ومن انتظار الحلول إلى المشاركة في صناعتها، ومن التردد أمام المستقبل إلى الاستعداد له بوعي وثقة.

وفي مركز رعاية الأيتام (دريمة) ننظر إلى التعليم باعتباره أحد أهم مسارات التمكين، لأن رسالتنا لا تقف عند حدود توفير الرعاية أو متابعة التحصيل الدراسي، بل تمتد إلى إعداد أبنائنا لحياة مستقلة وآمنة. ونحن نؤمن بأن المعرفة حين تقترن بالمهارات والقيم تتحول إلى قوة حقيقية، تساعد الابن على اكتشاف إمكاناته، وتحديد طموحاته، واتخاذ قراراته، وبناء مستقبله بإرادة ومسؤولية.

والاستقلالية التي نطمح إلى تحقيقها لأبنائنا لا تبدأ عند بلوغهم سن الرشد، ولا تتحقق بقرار مفاجئ، بل تُبنى تدريجياً منذ السنوات الأولى. تبدأ من الوقت الذي يتعلم كيف ينظمه، ومن رأي يعبر عنه بثقة واحترام، ومن هدف يضع له خطة ويسعى إلى تحقيقه. فكل تجربة تعليمية ناجحة تضيف إلى شخصيته لبنة جديدة، وكل مسؤولية يتحملها تقربه خطوة من الاعتماد على ذاته

وفي دريمة يكبر معنى التعليم مع أبنائنا في تفاصيلهم اليومية، في سؤال يملكون الشجاعة لطرحه، وقرار يتعلمون كيف يتخذونه بأنفسهم. وما يكتسبونه في المدرسة لا يبقى بين صفحات الكتب، بل يصاحبهم في تنظيم يومهم، وفي حديثهم مع الآخرين، وفي نظرتهم إلى أحلامهم وما يمكن أن يصبحوا عليه غداً. نمضي إلى جوارهم، نمنحهم مساحة للمحاولة، ونطمئنهم حين يتعثرون، فليس أجمل من أن نرى الابن يكتشف قدراته بنفسه، ويدرك أن بين يديه ما يكفي ليشق طريقه.

كما أن نجاح الرحلة التعليمية مسؤولية مشتركة لا تنهض بها المدرسة وحدها، فهي تتطلب شراكة واعية بين المؤسسات التربوية والاجتماعية ومختلف قطاعات المجتمع. وحين تتكامل هذه الأدوار، يشعر الابن بأنه محاط ببيئة تؤمن به، وتحترم طموحه، وتسانده عند التعثر من دون أن تسلبه حق المحاولة والتعلم من التجربة.

وقد ركّز المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، على المكانة الراسخة للعلم في بناء الوطن والإنسان بقوله (أوصيكم بعد تقوى الله بالعلم والعمل) وهي وصية تختصر رؤية عميقة مفادها أن العلم لا يكتمل أثره إلا بالعمل، وأن المعرفة تصبح أكثر قيمة حين تتحول إلى إنجاز، ومسؤولية، وخدمة للمجتمع.

ولا يقتصر الاستعداد للعام الدراسي الجديد على تجهيز الحقائب والكتب وترتيب الجداول فحسب، بل يبدأ من تهيئة الأبناء نفسيًا، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وإيقاظ فضولهم تجاه التعلم والمستقبل. ومن هذا المنطلق، حرصنا خلال الفترة الماضية على أن يعيش أبناؤنا تجارب نوعية تثري شخصياتهم، وتنمي مهاراتهم الحياتية، وتمنحهم مساحة أوسع لاكتشاف قدراتهم وطموحاتهم، حتى يستقبلوا عامهم الدراسي بروح إيجابية مفعمة بالنشاط، والحماس، والشغف بالتعلم، والإنجاز.

وكان برنامج (رواد الوطن) الذي جاء بالتعاون مع ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، إحدى هذه التجارب الملهمة؛ إذ فتح أمام الأبناء نافذة على عالم المهن والتخصصات المستقبلية، وقرّبهم من طبيعة بيئات العمل وما تتطلبه من معرفة ومهارات ومسؤولية. والأهم من ذلك أنه أتاح لكل ابن فرصة للتأمل في قدراته وميوله، ورسم صورة أكثر وضوحًا لما يطمح إلى تحقيقه. فعندما نساعد أبناءنا على اكتشاف ذواتهم مبكرًا، فإننا لا نوجّههم نحو اختيار تخصص أو مهنة فحسب، بل نمنحهم الثقة ليصنعوا مستقبلهم بوعي، ويحددوا أهدافهم بإرادة، ويسيروا نحوها بخطوات أكثر وضوحًا وثباتًا.

ومع انطلاق عام دراسي جديد، نجدد التزامنا في مركز دريمة بأن نكون إلى جانب أبنائنا في كل مرحلة، نحتضن طموحاتهم، ونعزز ثقتهم بأنفسهم، ونساندهم في تحويل أحلامهم إلى أهداف قابلة للتحقيق. إننا لا نهيئهم لاجتياز عام دراسي فحسب، بل نهيئهم لاجتياز الحياة بثبات، ليكون كل مقعد دراسي بداية لطريق، وكل معرفة مكتسبة خطوة نحو الاستقلال.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية