رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصدرت أمريكا يوم 3/10/2016 قرارا بتجميد مباحثاتها السياسية مع روسيا حول سوريا، ووصف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الدعم الروسي لبشار الأسد بأنه قرار طائش وغير مسؤول، واتهم كيري روسيا والنظام السوري بأنهما "رفضا الدبلوماسية من أجل مواصلة انتصار عسكري يمر بجثث مقطعة ومستشفيات تتعرض للقصف وأطفال مروعين في أرض معاناة".. وصدرت بيانات عن أمريكا تقول:"إنها تدرس خيارات استخباراتية وعسكرية وسياسية في سوريا" للتعامل مع روسيا فيها.
وهذه التصريحات الأمريكية الجديدة مناقضة بدرجة ما لتصريح وزير الخارجية الأمريكي كيري نفسه قبل أيام بأن الجيش الأمريكي لن يقوم بعمل عسكري لإسقاط الأسد، بحجة عدم وجود مستند قانوني للجيش الأمريكي للقيام بذلك، فما حقيقة هذا الاختلاف بين التصريحات الأمريكية، وما حقيقة الاختلاف بين أمريكا وروسيا في سوريا، وهل هناك مقاربة أو تقارب أمريكي روسي سري، وأن ما يجري مجرد مناكفة، وتهرب أمريكي من تحمل المسؤولية عن القتل والتدمير في سوريا، وتحويل المسؤولية فيه على روسيا وحدها، وبالتالي يمكن النظر إلى هذه التصريحات على أنها مجرد حرب كلامية لا ترقى لمستوى الحرب الباردة، فضلا عن أنها ترقى لمستوى الحرب الفعلية بين الدولتين الكبيرتين، أم أن هذه التناقضات والاختلافات حقيقية ولها أسبابها وأهدافها أيضاً.
وبالنظر إلى ردود الأفعال الروسية بإعلان الرئيس الروسي بوتين بأن روسيا تدرس إرسال مزيد من القوات إلى سوريا، وأن هذه القوات قد تأخذ وجودا طويل الأمد، أو شبه قوات دائمة في سوريا، وأن روسيا أوقفت بعض أوجه التعاون مع أمريكا في مباحثات البلوتونيوم، كمعاقبة لأمريكا، وكذلك إعلان روسيا عن نشرها لصواريخ س300 في سوريا، وهذه الصواريخ ستكون قادرة على مواجهة أي صاروخ موجه للجيش الروسي في سوريا، وهذه الصواريخ المحتملة لن تكون إلا من أمريكا فقط، وتعليق وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون على ذلك:"إن أمريكا على علم بنشر روسيا لصواريخ س300 في سوريا، وأنها ستدرس إن كان ذلك سوف يؤثر على قوات التحالف الدولي في المنطقة"، فهذا الرد الأمريكي مؤشر على جدية الوضع، وما يرجح ذلك سرعة اللقاءات الأوروبية الغربية للرد على ذلك.
فقد أعلنت وزارة الخارجية الألمانية أن مسؤولين أمريكيين وألمانيين وفرنسيين وبريطانيين وإيطاليين اجتمعوا في برلين بتاريخ 4/10/2016 لدراسة الدور الروسي وأفعاله في سوريا، وهذا الاجتماع يجري في الغالب بدعوة أمريكية، وكأن أمريكا تستجمع قوتها السياسية في الحلف الغربي ودوله الأساسية لمواجهة روسيا في سوريا، ليس لمواجهتها سياسيا فقط، وإنما لتنسيق أدوارها العسكرية فيما يمكن اعتباره إخلالا بالأوضاع الأمنية في المنطقة لصالح روسيا على حساب حلف شمال الأطلسي الناتو، وهو أمر نوه إليه الناتو كثيرا منذ التدخل الروسي في سوريا منذ عام تقريبا.
أهم ما تحمله هذه الأحداث من تحليلات يعني تحولا في السياسة الأمريكية نحو روسيا في سوريا، وقد علل بيان البيت الأبيض هذا الموقف بقوله:" إن روسيا لم تكن جديرة بالثقة في مباحثاتها مع أمريكا بالشأن السوري"، مع إعلان واشنطن بحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر :"إن واشنطن مستعدة للعودة لتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية في سوريا إذا التزمت روسيا به"، لكنه أوضح أن بلاده توصلت لقناعة أن "روسيا لا تسعى للوصول إلى اتفاق بهذا الشأن"، هذه القناعة الأمريكية هي نقطة فاصلة في تاريخ الصراع في سوريا، وقد حاولت روسيا إحراج أمريكا به عندما هددت أمريكا بأن تكشف بنود الاتفاق مع أمريكا، وهم يهددون بكشف بنود نظرية كانت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون قد أعلنت عنها عمليا، فما تهدد روسيا كشفه نظرياً كشفه البنتاجون عمليا، عندما أعلن رفضه للاتفاق يوم توقيعه بتاريخ 10/9/2016، لأن الاتفاق في مستواه السياسي يلزم الجيش الأمريكي بقصف مواقع المعارضة السورية المعتدلة، بحجة أنها منظمات إرهابية بما فيها جيش الفتح، وهو ما لم توافق عليه وزارة الدفاع الأمريكية حتى لو وقع عليه وزير الخارجية كيري، وعندها جن جنون روسيا وأخذت تهدد بنشر بنود الاتفاق الذي التزم به كيري ورفضه البنتاجون، فلم يكن أية قيمة للتهديد الروسي بنشر البنود السرية، لأنها فضيحة لروسيا أكثر منها لأمريكا، فالأمريكيون تمكنوا من توريط روسيا بأعمال عسكرية إجرامية وحشية في سوريا، وتنصلوا عن مشاركة روسيا فيها، وهذا ما يكشف حقيقة التحول الأمريكي من روسيا ومن مجريات الصراع في سوريا، لأن أمريكا استطاعت بالوعود التي قطعتها لبشار بعدم العمل العسكري ضده، من توريطه بقتل الشعب السوري من بداية انطلاق الثورة حتى نهاية عام 2012، عندما فقد المقدرة على مواصلة القمع والقتل، وأوشك على السقوط، فقامت أمريكا بتوريط خامنئي والحرس الثوري الإيراني في هذه الحرب، من نهاية عام 2012 وحتى 30/9/2015، تاريخ التدخل الروسي، بعد أن أدركت إيران أنها دخلت في حرب استنزاف أعلن عنها السنتور الجمهوري جون ماكين وهو في سوريا.
وكان ثمن تخليص أمريكا لإيران من هذا الاستنزاف هو أن تأتي بالدب الروسي إلى المصيدة الأمريكية في سوريا، وقد نجحت إيران في الإتيان بالدب الروسي إلى سوريا، وقد قطعت له أمريكا عهود المساعدة حتى غرق في المستنقع السوري حتى أذنيه، فقالت له أمريكا أكمل لوحدك، فأنت لست جديرا بالثقة أولاً، وأنت قاتل للشعب السوري ومدمر لمستشفياته وتسعى للنصر على جثث الشعب السوري، وعليك دفع ثمن ذلك، وهنا نقطة التحول الأمريكية، التي سيعقبها إيجاد مبررات دعم أمريكي وأوروبي للثورة السورية بالأسلحة النوعية، حتى تدافع عن نفسها ضد السلوك الهمجي والوحشي في سوريا، وكأن أمريكا لم تشاهد هذا القتل والتدمير إلا اليوم، وبعد خمس سنوات من قتل الشعب السوري وتدمير مدنه وقراه وأريافه ومقدراته، وهي تعلم أي أمريكا أن روسيا قد وصلت في سوريا طريق اللاعودة، فإما الانتحار بالانسحاب حيث المحاسبة في المحاكم الروسية، وإما الانتحار بمواصلة الحرب وإرسال القوات العسكرية إلى سوريا، وتكون المحاكمة على أيدي الشعب السوري.
إن إعلان أمريكا عن نفاد صبرها على روسيا في سوريا بحسب قول المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جون كيربي سيكلف روسيا الكثير إن لم تتدارك نفسها، فتعلن عن تحول في سياستها في سوريا مقابل التحول الأمريكي، وهو عودتها إلى الدور السياسي وسحب قواتها، بأي حجة كانت، فالإعلام الروسي قادر على تزوير الحقيقة ولو أمام الشعب الروسي فقط، وإلا فإن الحرب في سوريا سوف تطول، وسوف يقع من الضحايا أكثر مما وقع حتى الآن، وسوف تكون أمريكا سعيدة جدا بمواصلة روسيا الحرب في سوريا حتى إعلان الهزيمة، فلا أمل لها بالنصر، لأنها لن تجد شعبا سوريا يقف معها بعد ذلك، ولن ينقذها أن تتحول إلى قوات محتلة في سوريا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5232
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2733
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2364
| 02 يونيو 2026