رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابعت ما قاله الشيخ محمد الحمدي في مقابلاته التي هناك أكثر من علاقة استفهام في موعدها، وفي النقاط التي أثيرت فيها، والأهداف التي تقف من ورائها، فوجدت أشياء كثيرة وأبعاد يستحيل تجاهلها والسكوت عنها، بالمقابلة تقف من ورائها جهات تريد أن تسجل اختراقاً للوصول إلى أهداف كبيرة، فالناصريون في اليمن الذين فقدوا مواقعهم ودورهم بعد سقوط نظام القذافي وبعد الهزائم المتتالية لهم أرادوا أن يبرزوا من خلال عاداتهم في الغوغائية وتزوير التاريخ والمغالطات، ونريد أن نقف قليلا أمام هؤلاء نسأل شيئاً: ما هي إنجازات التيار الناصري للأمة فمنذ كان الناصريون يحكمون مصر ماذا جنت منهم الأمة العربية، حروب وتمزيق للأمة، فقد تولوا مصر وهي دائنة لبريطانيا بمائة وخمسين مليون جنيه استرليني ذهب وقمعوا الأحزاب والرأي الآخر وأدخلوا خصومهم السجون من الإسلاميين وحزب مصر وحزب الوفد وأذلوا النحاس باشا والهضيبي وأعدموا الأستاذ عبدالقادر عودة وسيد قطب، وننسى محاكمات جمال سالم التي كان يقول فيها اقرأوا الفاتحة بالمقلوب واقرأوا بدل آل عمران آل الكابوني "عصابة شيكاغو" وعاقبه الله، ثم الألفاظ التي كانت تقال حول الذات الإلهية أضف إلى إهانة العلماء كالشيخ محمد الغزالي وكذلك العالم الجليل مفتي مصر الشيخ حسين مخلوف، والكاريكاتير المشهور وكذلك الاستهزاء برسول الله في جريدة المساء التي صورت رسولنا على شكل ديك وحوله تسع فرخات إشارة لزوجاته للرسام صلاح جاهين، والكثير، وشتم الدول العربية وبث الحقد، وأخيراً هزيمة سبعة وستين "الأيام الستة" التي كلفت مصر المليارات ودمرت أسلحتها المغشوشة وليلتها كان قادة الجيش يرقصون ويشربون مع مها صبري وبرلنتي عبدالحميد، الأولى مع المشير عبدالحكيم عامر والثانية مع شمس وزير الدفاع وكلاهما مشبوهان وغيرها وقصص صلاح نصر برامج التأميم الإفساد الزراعي وجر مصر لديون وخراب اقتصادي، ولا أريد أن أتكلم عن فشل هذه التجربة التي جعلت عبدالناصر في مؤتمر الخرطوم يقف في وضع لا يحسد عليه، لولا شهامة وكرم وصدق عروبة الملك فيصل وغيره وجهود إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب، لقد ضاعت سيناء والقدس وغزة والضفة والجولان ومضائق تيران أيها السادة الناصريون.
وحدثونا عن إنجازات معمر القذافي من مجازر وتدمير ليبيا ونهاية سيئة ومساندته لقرنق وبكل شر وتخريب وزراعة الفتن باليمن وتدمير ليبيا، هذه إنجازات الناصريين، أما إبراهيم الحمدي فلا ننسى أيام محمد خميس وأحمد عبدالرحيم وحسن عزيز وغيرهم والسجون المخيفة واختفاء أناس على رأسهم سلطان القرشي، والكبت وعدم السماح للناس بالسفر إلا على يد الأمن الوطني والطلاب والموظفين وإنزال المسافرين من الطائرات بإهانة وقصف أرحب بالصواريخ والجوف والرعب وكذلك وكل مرافقي الحمدي لامرأة بمطار تعز عندها معروض وكذلك طفل أراد أن يسلم على الرئيس في مكة فألقاه مرافقوه في الأرض إضافة إلى سمعة الرئيس واتصالاته بالوزراء بالليل بعد أن يكون ساهراً في لياليه وكلامه غير اللائق معهم وإهانته للناس الكبار وتعاونه مع شاه إيران ووزرائه لا أريد أن أقول عن انتمائهم وولائهم وتنكيله بالمعارضين من الرأي الآخر، وهناك الكثير. فلماذا هذا التزوير وتغيير الحقائق، والناصرية هي التي وقفت مع نهرو ضد مسلمي الهند وكشمير وباكستان وقتلتهم ومع نايريري ضد مسلمي زنجبار والمجازر التي تمت ومع تيتو ضد مسلمي البوسنة وكوسوفا ومع اليونان ضد مسلمي قبرص ودعم مكاريوس ومع كل محارب للإسلام ومع روسيا والصين ضد المسلمين هناك.
ولعل رئيس التجمع اليمني للإصلاح والشيخ عبدالمجيد الزنداني وغيرهم يعرفون من هو إبراهيم الحمدي وعهده، فأما لعبة الإغاظة والانتقام من علي عبدالله صالح بقضية الحمدي فهي لعبة مكشوفة للناصريين الذين خسروا الشارع.
وأقول لقادة الإصلاح تذكروا الأيام السوداء في فترة الحمدي، وأقول لتوكل كرمان سلي أباك عن فترة الحمدي واسألي أباك عما عاناه من الناصريين وطردوه من مصر وسافر بعدها للعراق لإكمال دراسته واسأليه عن قصته مع العهد الناصري فأرجو أن تراجعي التاريخ مع أبيك الذي وصل عدن وليست عنده حتى بدلة!! من الظلم الذي عاناه وكذلك اسألي أقرباءك الآخرين وهناك الكثير، فعلينا ألا نقبل بهذه المغالطات، أما الدور في التشفي بمرض الشيخ عبدالله وهو الذي كان سبب وصول الحمدي وهي غلطة كبيرة للشيخ دفع اليمن ثمن الديمقراطية وها هو أخو الحمدي يتشفى بمرضه وموته جهلاً وحقداً، والشيخ ليست من أخلاقه العمل في الظلام بل من الرجال الذي تفخر بهم اليمن ويعمل بوضوح النهار.
وإذا كان الشيخ محمد الحمدي وغيره يطالبون بدم الحمدي فهناك من يطالبهم بدم القاضي الشهيد عبدالله الحجري وقصة اغتياله وتواطؤ الحمدي في قتله مع الشيوعيين وإرساله الكحلاني وكيل الداخلية لهذه المهمة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والشيوعيين في عدن.
ودعونا من المغالطات كنت أتوقع من التجمع اليمني للإصلاح أن يطالبوا بدم الزبيري والحجري ودم عبده محمد المخلافي ورفع صورهم بدلاً من جيفارا وعبدالفتاح من حلفائهم، إن هذا اللعب بالنار يضر بالثورة اليمنية وإشعال النار ويفتح باب جهنم على الجميع لأن النبش في الماضي سيفتح لفتن تقود اليمن لحروب وصراعات هي في غنى عنها، وإذا فشل اليسار والشيوعيون والناصريون أمام التيار الإسلامي فليس من صالحهم الدخول في حرب الفتن والتحالف مع الحوثيين، وتزوير ومغالطة التاريخ، والمؤتمر الوطني وصناديق الاقتراع هي الحكم رغم أنهم لم يعرفوا الديمقراطية في عهد عبدالناصر والقذافي والحمدي، ونذكرهم بمحمد نجيب واسألوا محسن العيني عن الفرقة التي أرسلها له الحمدي لاغتياله أثناء زيارته لدولة خليجية ومحاولات اغتيال الكثير.
وهناك عتاب على الإصلاح؛ بأنهم يجب أن يوعوا الشباب الأبرياء بالحقائق ولا يتركوهم ضحايا وهم مشغولون بالمناصب، وأن يطالبوا شركاءهم بترك مثل هذا لأن البلد لا يتحمل الشعارات والصراعات لصالح إيران وغيرها، وهو محتاج لمصالحة وطنية والحفاظ على الأمن وحل المشاكل الاقتصادية، وأن يقنع شركاءه الناصري والاشتراكي بأن الصندوق والانتخاب هو الحل، وليس اللعب بالنار وخداع الشباب الأبرياء، والكل يعرف التحالف الناصري-الإيراني والأجندة، فالله الله احذروا الفخ.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4263
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1128
| 28 سبتمبر 2026