رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل ما هو مطلوب الآن أن يفتح ملف التحقيق في قضية الغارة الإسرائيلية على مكامن ثروة الغاز الهائلة التي تقع داخل الحدود المصرية. فالأمر أجل من أن يسكت عنه وأخطر من أن يتم التهاون فيه.
(1)
هو خبر طيب لا ريب، أن تشير التقارير العلمية إلى أن منطقة شرق البحر المتوسط تحفل بثروة هائلة من الغاز الطبيعي، وأنه يتم الإعلان عن اكتشافات في تلك المنطقة تجاوزت احتياطاتها 1.22 تريليون متر مكعب قدرت قيمتها الحالية بنحو 220 مليار دولار، لكن المفاجأة في الأمر أن تقع تلك الثروة في داخل حدود مصر الاقتصادية، وأن يتم الاكتشاف لحساب بلدين هما إسرائيل وقبرص. والمؤسف، بل الصادم والمفجع، ألا تحرك مصر ساكنا، وأن تقف متفرجة على ما يجري، بل وأن تبدي استعدادا لتمريره وغض الطرف عنه.
رويت القصة في الأسبوع الماضي، واستندت فيما ذكرت إلى تقارير وشهادات لثلاثة من أهل الاختصاص بالموضوع هم الدكتور نائل الشافعي خبير الاتصالات المصري المقيم في نيويورك، والدكتور خالد عبدالقادر عودة رئيس قسم الجيولوجيا بجامعة أسيوط والسفير إبراهيم يسري مدير الشؤون القانونية الأسبق بوزارة الخارجية، وقد سبق أن رفع مع آخرين قضية فسخ عقد بيع الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل.
خلاصة المعلومات الأساسية في القضية أن ثمة جبلا غاطسا في شرق البحر المتوسط يرتفع أعلى قاع البحر بنحو ألفي متر، يعرفه الجيولوجيون باسم إراتوستنيس. وهو العالم السكندري الذي كان ثالث أمناء مكتبة الإسكندرية في عصرها الذهبي (نحو 200 سنة قبل الميلاد) وكان أول من أشار إلى خصوصية تلك المنطقة في شرق المتوسط، التي تمثل سفوح الجبل. ومنذ الستينيات بدأ التنقيب في المنطقة ومسحها جيولوجيا، إلى أن تحدثت التقارير التي ذاعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن أنها تضم احتياطات من الغاز هي الأكبر في العالم، وأنها تبشر بنقلة كبرى يمكن أن تحدث في المنطقة المحيطة، لا تقل أهمية عن النقلة التي حدثت في منطقة الخليج إثر اكتشاف النفط فيها خلال القرن الماضي.
(2)
في ختام مقاله الأسبوع الماضي وقفت عند السؤال: ما العمل؟ لم يكن ذلك هو السؤال الوحيد، لكنني اعتبرته عنوانا لقائمة الأسئلة الفرعية التي ينبغي أن تثار عند فحص القضية. ولا أظن أننا يمكن أن نختلف حول أهمية التثبت من المعلومات الأساسية الخاصة بالموضوع. وأبرزها ما يتعلق بموقع الاكتشافات التي تم الإعلان عنها وما إذا كانت تدخل حقا في نطاق المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة لمصر. إذ المعلوم أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة في عام 1982 قدرت الحدود الاقتصادية البحرية بمسافة 200 ميل بحري. وإذا ما ثبت ذلك فإننا نصبح بإزاء عدوان صريح على حدود الملكية المصرية يزعم للغير حقوقا وأطماعا في محيط الغير بالمخالفة للقانون الدولي.
أدري أن من يسرق وطنا لا يجد غضاضة ولا يستغرب منه أن يسرق بئرا، لكننا نتحدث عن تحرير الوقائع من الناحية القانونية لإثبات الحقوق، إلى جانب ذلك فإن جهدا يتعين أن يبذل لتحديد حجم الاحتياطيات من الغاز الكامنة في تلك المنطقة وما هي الدول التي لها أن تستحوذ عليها أو تتشارك فيها. صحيح إسرائيل تتصرف في الوقت الراهن كما لو أنها الجهة المسيطرة والمسؤولة عن حقول غاز المتوسط، بدليل أنها منخرطة فعليا في عمليات بيعه وتصديره، إلا أن ذلك يعد من قبيل الاغتصاب والقرصنة الذي أرادت به أن تقيم أمرا واقعا تفرضه على الآخرين، مستلهمة في ذلك خبرتها و«نجاحاتها» في اغتصاب فلسطين وتهديد الأرض المحتلة.
يتفرع عما سبق سؤال آخر عن ترسيم حدود مصر البحرية الاقتصادية، سواء فيما خص الجهة التي تتولى هذه العملية أو ما خص اتفاقات الترسيم الجزئية التي حدثت، ذلك أنني فهمت مما أجريته من اتصالات أن وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر ليست لها علاقة بهذه العملية، وقيل لي إن هيئة العمليات بالقوات المسلحة هي التي تتولى الترسيم، ثم تبعث به إلى وزارة البترول لكي يتولى خبراؤها التحرك في الحدود المرسومة. وهو ما يثير بدوره عديدا من علامات الاستفهام والتعجب حول أسباب انفراد هيئة العمليات بتلك المهمة. ذلك أن هناك فرقا بين أن تكون القوات المسلحة طرفا في العملية وبين أن تنفرد بها مستبعدة الجهات الفنية الأخرى التي ينبغي أن يكون لها كلمة في الموضوع. والحالة التي نحن بصددها نموذج يشهد بأن ترسيم الحدود البحرية مع الجيران مهمة أكبر من أن تنفرد بها القوات المسلحة.
الثابت أن مصر وقعت اتفاقية لترسيم الحدود مع قبرص اليونانية في عام 2003. لكن تلك الاتفاقية لم تحدد نقطة البداية من الشرق مع إسرائيل، وكانت نتيجة ذلك أن إسرائيل قامت في عام 2010 بحفر حقل «ليفياثان» على السفح الجنوبي لجبل إراتوستنيس، حيث اعتبرت قبرص أن لإسرائيل حقا في تلك المنطقة، رغم أن ملكية السفح ثابتة لمصر منذ 200 سنة قبل الميلاد، وهو يبعد مسافة 190 كيلومترا في حين يبعد عن ميناء حيفا بمسافة 235 كيلومترا.
الأمر يتجاوز إعادة النظر في اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص التي كانت مدخلا لإهدار حقوق مصر في غاز شرق المتوسط، لأن التعامل الجاد مع الموضوع يقتضي إعادة ترسيم حدود مصر في المنطقة الاقتصادية البحرية بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة، كذلك الحدود الاقتصادية الخالصة لتركيا واليونان المقابلة للساحل الشمالي من الإسكندرية للسلوم، ولا بأس من ترسيم الحدود مع جمهورية شمال قبرص التركية، وهو جهد لاشك أنه سوف يحظى بتأييد ومساندة من تركيا.
(3)
اعتمد في استخلاص هذه النقاط على دراسة الدكتور خالد عبدالقادر عودة والدكتور نائل الشافعي. وعلى التقرير الذي أعدته لجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى. وقد لاحظت اتفاقا بين الأطراف الثلاثة على ضرورة إجراء مجموعة من التحقيقات لاستكشاف ملابسات التفريط في حقوق مصر والاستهانة بمقومات وعناصر أمنها القومي. من تلك التحقيقات ما يلي: < تحري ملابسات إعلان الحكومة المصرية إنهاء التعاقد على إمداد إسرائيل بالغاز الطبيعي في 22 أبريل من العام الحالي وبين إعلان شركة ATP للنفط والغاز الأمريكية بعد ثمانية أيام فقط (في 30 أبريل) عن بدء تطويرها لحقل شمشون البحري لحساب الحكومة الإسرائيلية وما يثير الحيرة في هذا الصدد أن التزامن بين القرارين لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة. وأن الحكومة المصرية التزمت الصمت حينذاك، رغم أن حقل شمشون يقع داخل الحدود المصرية. أيضا لابد أن يستوقفنا أن إسرائيل سكتت بدورها عن إلغاء عقد الغاز مع مصر رغم أنه يمثل نحو 43٪ من احتياجاتها. وهو سكوت ليس مألوفا ومريب أيضا، الأمر الذي يثير السؤال التالي: هل تمت العملية من خلال صفقة بين الطرفين، بمقتضاها سكتت الحكومة المصرية على عدوان إسرائيل على حقوقها، كما سكتت الحكومة الإسرائيلية عن فسخ مصر لعقد إمدادها بالغاز؟
< التحقيق في ملابسات الانسحاب المفاجئ لشركة شل من امتياز شركة المتوسط المصري (نمييد) الممنوح لها في شمال شرق البحر المتوسط، الذي يشمل السفح الجنوبي لجبل إراتوستنيس في شهر مارس عام 2011. بعد مضي سبع سنوات على إعلان الشركة في شهر فبراير عام 2004 عن اكتشاف احتياطيات للغاز الطبيعي في بئرين على عمق كبير في شمال شرق البحر المتوسط. وحديث الشركة عن أنها ستبدأ المرحلة الثانية من عملية الاستكشاف ــ التي تستمر أربعة أعوام ــ لتحويل المشاريع المكتشفة إلى حقول منتجة. لم يكن الانسحاب مفاجئا فقط لكنه كان مريبا بدوره أيضا، لأن الشواهد دلت على أن الشركة ظلت تعمل في المنطقة لمدة سبع سنوات، وأنها حققت نتائج إيجابية مبشرة جراء النجاحات التي حققها الحفر، إلا أنها تخلت عن دورها بعد كل تلك الجهود والتكاليف، الأمر الذي يشي باحتمال التواطؤ مع إسرائيل لكي تستولي على نفس الموقع الذي توقعت مصر أن تتحول آباره إلى حقول منتجة.
< التحقيق في تقاعس البيروقراطية المصرية عن متابعة الرسائل والاتصالات التي وجهتها كل من اليونان وتركيا إلى القاهرة، لاتخاذ موقف إزاء التغول الإسرائيلي والتواطؤ القبرصي معها الذي استهدف نهب الغاز الواقع داخل الحدود البحرية المصرية. وقد بلغ ذلك التقاعس حدا دفع بعض المسؤولين المصريين إلى الإعلان عن تمسكهم باتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية مع قبرص، رغم ما فيها من إجحاف، بل إن وزير البترول المصري السابق صرح ذات مرة بأن الاكتشافات القبرصية للغاز لا تقع ضمن الحدود البحرية المشتركة. وهو تصريح تكذبه الخرائط، فضلا عن أن الموضوع خارج عن اختصاصه.
(4)
أنهي هذه الجولة بالتأكيد على عدة نقاط هي: < أن ما حدث من جانب إسرائيل في موضوع الغاز يمثل عدوانا على السيادة المصرية، وإخلالا باتفاقية السلام المبرمة مع مصر.
< أن مصر من حقها أن تطالب إسرائيل وقبرص بحقها ونصيبها من الغاز المستخرج من بئري ليفياثان وأفروديت الواقعين في سفح الجبل الغاطس إراتوستنيس بالتداخل مع المنطقة البحرية الاقتصادية المصرية التي تمثل جزءا من امتياز شركة شمال شرق المتوسط المصري (نيميد) وقد منح لشركة شل عام 1999 وانسحبت منه الشركة بعد ذلك.
< إن الاتصالات الدبلوماسية والتحكيم الدولي خياران متاحان لمصر لكي تحصل على حقوقها أو لكي تثبتها عند الحد الأدنى.
< إن بوسع مصر أن توسع دائرة التحرك بالتعاون مع تركيا لإقامة محور يضم لبنان وغزة وقبرص التركية للحفاظ على حقوق تلك الدول والأطراف في الثروات الاقتصادية الموجودة في باطن شرق البحر المتوسط. وإنشاء ذلك المحور ضروري لمواجهة محور إسرائيل ــ قبرص اليونانية.
< أثبتت التجربة أن ثمة ضرورة عاجلة لأن تسعى مصر لامتلاك القدرة على تصوير أراضيها ومياهها عن طريق قمر صناعي خاص من تصميمها، وهو مشروع يستحق اكتتابا شعبيا يؤسس لنواة وكالة الفضاء المصرية.
أن النخبة المصرية مشغولة بمعاركها وحساباتها وحصصها، ولا أعرف إن كان بينها من هو مستعد لأن يفكر في مستقبل الوطن وما يحيط به، لكنني أزعم أن هناك ضرورة لتقصي حقائق هذه القضية، لأننا إذا لم نعرف بعد إلى أين نحن ذاهبون، فينبغي ألا يستكثر أحد علينا أن نفهم ما يجري حولنا وفي محيطنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3300
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1269
| 28 سبتمبر 2026