رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ألح عليَّ وهو يسأل مراراً ما هذه الثورة في بلاد ليبيا وماذا تعني في اللغة والعرف وما ضرورة هذا التغيير الثوري وهل يقتصر حراكه على السلم أم للقوة والحرب فيه نصيب.. فقلت يا صاحبي: لعلي أختصر لك ذلك مما ذكره ابن منظور في لسان العرب "2/148" في مادة ثور حيث تحتمل عدة معان عند العرب أهمها اثنان ينسحب أولهما على معنى جميل ومفيد، ويرد الآخر على معنى يحمل القلق والتوتر والغضب، فإذا ما جرينا على الأول وجدنا أن المراد بالثور السيد وبه كني عمرو بن معدي كرب أبا ثور، وكني به الفقيه المعروف أبوثور صاحب الرأي المذهبي الذي اجتهد فيه ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه لأنه كان سيدا وأبيض لانتشار الشيب في رأسه. كما أنه يقال: بنو ثور وهم الذين ينتسب إليهم سفيان الثوري إمام الدنيا في زمانه من قبيلة مضر رحمه الله وفي التنزيل: أثاروا الأرض أي حرثوها وزرعوها واستخرجوا منها بركاتها، ويقال: ثوّر القرآن أي: بحث عن معانيه وعلمه، وفي حديث عبدالله: أثيروا القرآن فإن فيه خير الأولين والآخرين وتثوير القرآن: المفاتشة في تفسيره وهكذا فإننا نرى أن تلك المعاني جملة تعبر عن السيادة والوصف الحسن سواء في إثارة عمل مادي وحركة محسوسة مفيدة أو في استخلاص كنز معنوي يتمثل في فهم القرآن والعلم واستنباطهما وإفادة الناس بهما ولعلي يا صاحبي أستأنس بهذا التأويل فأقول لك: إن مثاورة الشعب الليبي الأصيل مع العقيد معمر القذافي كانت تنطلق من هذا المسار، فالشعب في نفسه منذ دخل الإسلام أرضه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مثال الالتزام الأخوي في جميع قبائله التي تميزت بالتماسك الاجتماعي والتضامن وأنهم كانوا يعيشون كجسم واحد مهما اختلفوا ومن هذه القبائل الورفلة والزوية والتبو والترهونة وقبائل الطوارق ومر الدهر على ليبيا بآماله وآلامه فتأقلموا في الزمكان والأحوال من حيث السراء والضراء وتعاملوا مع الخلافة العثمانية واستطاعوا بحركاتهم السلمية والجهادية أن يزيحوا الطغيان الإيطالي ولم تزل هتافاتهم الوطنية والإسلامية تردد كلمات عمر المختار رحمه الله: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت، من كافأ الناس بالمكر كافأوه بالغدر وعلى هذه القواعد بنوا صروحهم العتيدة وبدأوا ثوراتهم بالسلم حتى إن عمر المختار لما بدأ القتال لم يكن يملك أي سلاح، وهكذا فإن بدايات الثورات غالبا ما تكون بيضاء تضرب السيوف بالورود ولكن عندما كان يطفح الكيل ويبلغ السيل الزبى ما كان نشيدهم إلا هكذا:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا
فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وعند ذلك تثور القبائل وتنتصر ويقتل الباغي بسيفه كما أشار عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لأن المحقين عندها يثأرون من قاتل الأمل ووائد الحرية والكرامة ويعلمون البشرية أن حياة الشجعان إنما تكون في موتهم فالجبن هو العبودية، كما قال فرجيل.. وهكذا عرفنا تاريخ ليبيا والليبيين شجاعة لا تعرف المستحيل وأبطالا يقضون واقفين دوما ولأن الطموح لا يشيخ كما في المثل التشيكي فإنهم يعتزون حين يخرون شهداء لأنهم يوقنون أن سقوط الجواهر على الأرض لا يفقدها قيمتها بل قد يرفعها أكثر وأكثر، وإذا أردت أن أوجز لك الأمر يا صاحبي عن شعب ليبيا فإنني أقول لك هم أهل الإباء والعزة والتعاون والاتحاد والتسامح والإحسان والإخلاص والصدق والإنصاف والعدل والكرم والتواضع والتفاؤل والتفاني والحب والوعي والفكر والحق والصبر والعلم والحلم والرحمة والشدة والسياسة والحرب والصلاح والنجاح والغنى والشكر والقناعة والعمل وإن مثل هذه الأوصاف لتؤهل أصحابها بعون الله أن يكونوا من أرباب الوفاء بالعهود والفوز بنصره الموعود وأن غدا لناظره قريب.
أما ما وعدتك ببيانه يا صاحبي عن المعنى الثاني فإنه لا يفوتك أن الثور هو الذكر من البقر وغالبا ما يوصف بالهيجان والشدة المفرطة مع بني فصيلته حتى رأينا مباراة الثيران بالمناطحة المستمرة المستعرة بقرونها ويضرب هذا مثلا للحدة وقد استعير هذا المعنى للإنسان العنيد الذي يثور ويهيج لغير مبرر معقول ولذا يقال: هو ثائر فائر هائج مائج وقد ثور الغضب حدته والثورة هنا هي: الهيج وقد قام صاحبها ثائرا فريصته أي منتفخ الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف أي عصب الرقبة وعروقها وهكذا يثور به الدم حتى يثور على الناس شرا بالمقال أو الفعال فإذا ما عرفت حقيقة هذا المعنى يا صاحبي أدركت مدى صحة نزوله على مثل القذافي الهائج بثورته الدموية الحمراء وهي التي تعتبر امتدادا لما بدأه منذ أربعة عقود حتى تأكد الجميع أن هذا عادة سيئة له باستعمال الأذى ماديا ومعنويا وكما قالوا: حب الأذية من طباع العقرب أو كما قال الشاعر:
إذا كان الطباع طباع سوء
فلا لبن يفيد ولا حليب
أو كما قال توماس فولر: التجعيدة القديمة لا تمحى أبدا، وبهذا نشر الرعب في كل نفس بريئة حتى حسبت نفسها متهمة وقد قال الإمام محمد عبده: شر الرعية من خافه البرئ وكم فات القذافي ومن حذا حذوه ويحذو أن الغضب مفتاح كل شر كما قال سقراط وقبل كل ذلك أكدت نصوصنا القرآنية والحديثية هذه المعاني باستفاضات وفيرة، لقد قام مخرب القذافي بالاعتداءات المعنوية والحسية فشنق عشرات العلماء وشباب الفكر والنهضة وسجن الآلاف المؤلفة في الصراع الممتد إلى هذه الأوقات ثم أطلق بعضا منهم ليعمل على فتح صفحة جديدة للتصالح الماكر وأدخل ابن سيف الجاهلية الذي لا يتمتع أصلا بأي منصب وذلك لاتقان سيناريو التوريث له في شأن حكم ليبيا كما نعلم، كما آذى من سماهم بالقاعدة والجماعات المقاتلة ضد ظلمه وكان وما يزال مثالا قذرا للكبرياء والغطرسة والغرور والطغيان والديكتاتورية والعمالة التي كشفت من قبل ومن بعد وصار كما يقال في المثل الفرنسي من يشتريه الشيطان يبيعه الشيطان كما فعل بمن قبله زين العابدين بن علي وحسني مبارك وكما سيفعل بأمثالهم من الفراعنة المتألهين المستبدين، إن عامنا هذا الذي نمر فيه إنما هو عام سقوط هذه الديكتاتوريات ونهايات الظالمين، ألم تر يا صاحبي كيف هب الشعب الليبي هبة الثورة البيضاء ليكون حجة على حكامه ولم يستعمل أي سلاح غير الاحتجاج العفوي النظيف لا العنيف، فماذا وجد من هذا الثور الأحمر الهائج، لعلك والبشر في العالم على قول واحد: إنه لم يجد إلا الدم للمواجهة حتى ودعنا من نحسب أنهم يرتعون في جنان الخلد من آلاف الثوار وحتى لم تفارق عيوننا بل قلوبنا آلاف آلاف الجرحى الذين قضى كثير منهم حيث لم يكن الاسعاف له كافيا أو حيث كانت الجراحات في المقاتل، جرى هذا ويجري كالنهر الدموي دون انقطاع في طرابلس وبنغازي والزاوية ومصراتة في الشرق والغرب وكل مكان ولكن لأن الحق مؤيد ومسدد من الله ونواميس الكون بإذنه تعالى فقد انقلب السحر على الساحر وكانت هذه الدماء هي الشرارات المتوقدة للتخلص من الليل البهيم الذي دام أكثر من أربعين عاما، فالمدن والحمد لله تتساقط وتضم قلوب الثوار وينفض أصحاب القذافي السياسيون والدبلوماسيون في الداخل والخارج من حوله ويصطفون مع شعبهم وقبائلهم إلا القليل القليل بعذر أو بآخر وهكذا يتعرى ملك ملوك الأفارقة والزعيم الوحيد ويحاول كما يقول تحرير ليبيا من شعبها في كل مكان فيخسأ غالبا ويتقدم الثوار وعما قريب إن شاء الله يصلون مدينة سرت مسقط رأسه ثم طرابلس حيث الحسم بإذن الله وسيظهر للجميع يا صاحبي أنه لم يعد إلا فقاعة أو طحلبا فوق الماء كما قال اللغويون في معنى آخر للثور وإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، فهل من معتبر؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
15906
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
5016
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3309
| 16 أغسطس 2026