رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

210

د. أحمد المحمدي

أواسيك في الحفاء

23 أغسطس 2026 , 01:00ص

جاء في «مكارم الأخلاق» لابن أبي الدنيا أن محمد بن المنكدر قال: «كنت أمشي مع الخليل، فانقطع نعلي، فمشيت حافيا، فخلع نعله ومشى، فقلت له: ما تصنع يرحمك الله؟ فقال: أواسيك في الحفاء»!

لم يخلع نعله ليزيل عن صاحبه خشونة الطريق، فقد بقيت الحجارة حجارة، وظل الحفاء حفاء؛ وإنما خلعه ليزيل وحشة الألم، ويهدم تلك المسافة الخفية التي تنشأ بين المبتلى ومن ينظر إليه من شاطئ العافية. فالمصيبة لا توجع بما تسلبه منا فحسب، بل بما تكشفه من تفاوت بين أقدامنا العارية وأقدام الآخرين الآمنة، وبين قلب يغالب ألمه وقلوب تمضي من حوله كأن شيئا لم يكن.

المواساة في حقيقتها ليست معرفة الوجع، بل الاقتراب منه؛ لأن العقل قد يفهم ما يعانيه الإنسان، ولكن القلب لا يبلغه حتى يتنازل عن شيء من راحته. ولهذا لم يقل الخليل لصاحبه: اصبر، ولم يحدثه عن قصر الطريق ولا عن نعمة القدمين، بل خلع نعله؛ وكأن بعض المعاني أرفع من أن تحملها الكلمات، فلا يصدقها إلا فعل يدفع صاحبه ثمنه.

لم يصبح الطريق بعد ذلك ألين، ولكن الحفاء حين اقتسماه فقد بعض قسوته؛ لأن الألم لا يشتد بمقداره وحده، بل بانفراد صاحبه بحمله. وربما عجزنا عن إخراج إنسان من محنته، ولكننا نستطيع أن ندخل إليه فيها، فنحمل معه وحشتها، حتى لا يبقى الألم وطنا مغلقا لا يسكنه سواه.

وهنا تبلغ المواساة معناها الأخلاقي العميق: أن يرفض الإنسان امتياز العافية حين يصير حاجزا بينه وبين أخيه. فليس المقصود أن نتكلف كل ألم أصاب غيرنا، وإنما ألا نجعل سلامتنا سببا للغفلة عن جراحهم، وألا تكون النعمة التي تستر أقدامنا غطاء يحجب قلوبنا عن الذين أدمتهم الطريق.

تلك هي المودة في أعلى مراتبها: ألا ترى جرح أخيك من موضع النجاة فحسب، بل تنزل إليه بقدر استطاعتك؛ تخفف عنه بالخدمة، أو بالصمت الرحيم، أو بالحضور الصادق، أو بالتنازل عن شيء من وقتك وراحتك. فليس الوفاء أن تمنحه نعلا دائما، فقد تعجز عن ذلك، وإنما أن تشعره بأن حفاءه لم يسقطه من القلوب، وأن الطريق، وإن بقي خشنا، لم يعد موحشا؛ لأن قدما أخرى اختارت أن تتألم إلى جواره.

مساحة إعلانية