رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ألح عليَّ وهو يسأل مراراً ما هذه الثورة في بلاد ليبيا وماذا تعني في اللغة والعرف وما ضرورة هذا التغيير الثوري وهل يقتصر حراكه على السلم أم للقوة والحرب فيه نصيب.. فقلت يا صاحبي: لعلي أختصر لك ذلك مما ذكره ابن منظور في لسان العرب "2/148" في مادة ثور حيث تحتمل عدة معان عند العرب أهمها اثنان ينسحب أولهما على معنى جميل ومفيد، ويرد الآخر على معنى يحمل القلق والتوتر والغضب، فإذا ما جرينا على الأول وجدنا أن المراد بالثور السيد وبه كني عمرو بن معدي كرب أبا ثور، وكني به الفقيه المعروف أبوثور صاحب الرأي المذهبي الذي اجتهد فيه ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه لأنه كان سيدا وأبيض لانتشار الشيب في رأسه. كما أنه يقال: بنو ثور وهم الذين ينتسب إليهم سفيان الثوري إمام الدنيا في زمانه من قبيلة مضر رحمه الله وفي التنزيل: أثاروا الأرض أي حرثوها وزرعوها واستخرجوا منها بركاتها، ويقال: ثوّر القرآن أي: بحث عن معانيه وعلمه، وفي حديث عبدالله: أثيروا القرآن فإن فيه خير الأولين والآخرين وتثوير القرآن: المفاتشة في تفسيره وهكذا فإننا نرى أن تلك المعاني جملة تعبر عن السيادة والوصف الحسن سواء في إثارة عمل مادي وحركة محسوسة مفيدة أو في استخلاص كنز معنوي يتمثل في فهم القرآن والعلم واستنباطهما وإفادة الناس بهما ولعلي يا صاحبي أستأنس بهذا التأويل فأقول لك: إن مثاورة الشعب الليبي الأصيل مع العقيد معمر القذافي كانت تنطلق من هذا المسار، فالشعب في نفسه منذ دخل الإسلام أرضه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مثال الالتزام الأخوي في جميع قبائله التي تميزت بالتماسك الاجتماعي والتضامن وأنهم كانوا يعيشون كجسم واحد مهما اختلفوا ومن هذه القبائل الورفلة والزوية والتبو والترهونة وقبائل الطوارق ومر الدهر على ليبيا بآماله وآلامه فتأقلموا في الزمكان والأحوال من حيث السراء والضراء وتعاملوا مع الخلافة العثمانية واستطاعوا بحركاتهم السلمية والجهادية أن يزيحوا الطغيان الإيطالي ولم تزل هتافاتهم الوطنية والإسلامية تردد كلمات عمر المختار رحمه الله: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت، من كافأ الناس بالمكر كافأوه بالغدر وعلى هذه القواعد بنوا صروحهم العتيدة وبدأوا ثوراتهم بالسلم حتى إن عمر المختار لما بدأ القتال لم يكن يملك أي سلاح، وهكذا فإن بدايات الثورات غالبا ما تكون بيضاء تضرب السيوف بالورود ولكن عندما كان يطفح الكيل ويبلغ السيل الزبى ما كان نشيدهم إلا هكذا:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا
فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وعند ذلك تثور القبائل وتنتصر ويقتل الباغي بسيفه كما أشار عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لأن المحقين عندها يثأرون من قاتل الأمل ووائد الحرية والكرامة ويعلمون البشرية أن حياة الشجعان إنما تكون في موتهم فالجبن هو العبودية، كما قال فرجيل.. وهكذا عرفنا تاريخ ليبيا والليبيين شجاعة لا تعرف المستحيل وأبطالا يقضون واقفين دوما ولأن الطموح لا يشيخ كما في المثل التشيكي فإنهم يعتزون حين يخرون شهداء لأنهم يوقنون أن سقوط الجواهر على الأرض لا يفقدها قيمتها بل قد يرفعها أكثر وأكثر، وإذا أردت أن أوجز لك الأمر يا صاحبي عن شعب ليبيا فإنني أقول لك هم أهل الإباء والعزة والتعاون والاتحاد والتسامح والإحسان والإخلاص والصدق والإنصاف والعدل والكرم والتواضع والتفاؤل والتفاني والحب والوعي والفكر والحق والصبر والعلم والحلم والرحمة والشدة والسياسة والحرب والصلاح والنجاح والغنى والشكر والقناعة والعمل وإن مثل هذه الأوصاف لتؤهل أصحابها بعون الله أن يكونوا من أرباب الوفاء بالعهود والفوز بنصره الموعود وأن غدا لناظره قريب.
أما ما وعدتك ببيانه يا صاحبي عن المعنى الثاني فإنه لا يفوتك أن الثور هو الذكر من البقر وغالبا ما يوصف بالهيجان والشدة المفرطة مع بني فصيلته حتى رأينا مباراة الثيران بالمناطحة المستمرة المستعرة بقرونها ويضرب هذا مثلا للحدة وقد استعير هذا المعنى للإنسان العنيد الذي يثور ويهيج لغير مبرر معقول ولذا يقال: هو ثائر فائر هائج مائج وقد ثور الغضب حدته والثورة هنا هي: الهيج وقد قام صاحبها ثائرا فريصته أي منتفخ الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف أي عصب الرقبة وعروقها وهكذا يثور به الدم حتى يثور على الناس شرا بالمقال أو الفعال فإذا ما عرفت حقيقة هذا المعنى يا صاحبي أدركت مدى صحة نزوله على مثل القذافي الهائج بثورته الدموية الحمراء وهي التي تعتبر امتدادا لما بدأه منذ أربعة عقود حتى تأكد الجميع أن هذا عادة سيئة له باستعمال الأذى ماديا ومعنويا وكما قالوا: حب الأذية من طباع العقرب أو كما قال الشاعر:
إذا كان الطباع طباع سوء
فلا لبن يفيد ولا حليب
أو كما قال توماس فولر: التجعيدة القديمة لا تمحى أبدا، وبهذا نشر الرعب في كل نفس بريئة حتى حسبت نفسها متهمة وقد قال الإمام محمد عبده: شر الرعية من خافه البرئ وكم فات القذافي ومن حذا حذوه ويحذو أن الغضب مفتاح كل شر كما قال سقراط وقبل كل ذلك أكدت نصوصنا القرآنية والحديثية هذه المعاني باستفاضات وفيرة، لقد قام مخرب القذافي بالاعتداءات المعنوية والحسية فشنق عشرات العلماء وشباب الفكر والنهضة وسجن الآلاف المؤلفة في الصراع الممتد إلى هذه الأوقات ثم أطلق بعضا منهم ليعمل على فتح صفحة جديدة للتصالح الماكر وأدخل ابن سيف الجاهلية الذي لا يتمتع أصلا بأي منصب وذلك لاتقان سيناريو التوريث له في شأن حكم ليبيا كما نعلم، كما آذى من سماهم بالقاعدة والجماعات المقاتلة ضد ظلمه وكان وما يزال مثالا قذرا للكبرياء والغطرسة والغرور والطغيان والديكتاتورية والعمالة التي كشفت من قبل ومن بعد وصار كما يقال في المثل الفرنسي من يشتريه الشيطان يبيعه الشيطان كما فعل بمن قبله زين العابدين بن علي وحسني مبارك وكما سيفعل بأمثالهم من الفراعنة المتألهين المستبدين، إن عامنا هذا الذي نمر فيه إنما هو عام سقوط هذه الديكتاتوريات ونهايات الظالمين، ألم تر يا صاحبي كيف هب الشعب الليبي هبة الثورة البيضاء ليكون حجة على حكامه ولم يستعمل أي سلاح غير الاحتجاج العفوي النظيف لا العنيف، فماذا وجد من هذا الثور الأحمر الهائج، لعلك والبشر في العالم على قول واحد: إنه لم يجد إلا الدم للمواجهة حتى ودعنا من نحسب أنهم يرتعون في جنان الخلد من آلاف الثوار وحتى لم تفارق عيوننا بل قلوبنا آلاف آلاف الجرحى الذين قضى كثير منهم حيث لم يكن الاسعاف له كافيا أو حيث كانت الجراحات في المقاتل، جرى هذا ويجري كالنهر الدموي دون انقطاع في طرابلس وبنغازي والزاوية ومصراتة في الشرق والغرب وكل مكان ولكن لأن الحق مؤيد ومسدد من الله ونواميس الكون بإذنه تعالى فقد انقلب السحر على الساحر وكانت هذه الدماء هي الشرارات المتوقدة للتخلص من الليل البهيم الذي دام أكثر من أربعين عاما، فالمدن والحمد لله تتساقط وتضم قلوب الثوار وينفض أصحاب القذافي السياسيون والدبلوماسيون في الداخل والخارج من حوله ويصطفون مع شعبهم وقبائلهم إلا القليل القليل بعذر أو بآخر وهكذا يتعرى ملك ملوك الأفارقة والزعيم الوحيد ويحاول كما يقول تحرير ليبيا من شعبها في كل مكان فيخسأ غالبا ويتقدم الثوار وعما قريب إن شاء الله يصلون مدينة سرت مسقط رأسه ثم طرابلس حيث الحسم بإذن الله وسيظهر للجميع يا صاحبي أنه لم يعد إلا فقاعة أو طحلبا فوق الماء كما قال اللغويون في معنى آخر للثور وإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، فهل من معتبر؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17544
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8043
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4410
| 15 يونيو 2026