رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دَعت القوانين السماوية والأرضية لحماية الإنسان، أيّ إنسان، في الظروف الطبيعية البعيدة عن الحروب، وكذلك حماية "الخصوم" من العسكريين والمساندين لهم في مرحلة الوقوع في الأسر أثناء الحروب!
ويكفل القانون الإنساني الدولي حماية الأشخاص الذين يقعون في الأسر أثناء النزاعات المسلّحة، وقد نظّمت اتّفاقيّة جنيف الثالثة لعام 1949 معاملة أسرى الحرب!
وهذه المعاملة تشمل عدم استعمال الأسر والاحتجاز حجّة للانتقام وسوء المعاملة، أو التعذيب للحصول على معلومات من الأسرى، وأيضا ضرورة حصولهم على الرعاية الطّبّيّة والطعام والسكن وغيرها من الضروريات!
وبعد حرب غزّة، وانطلاق المرحلة الأولى من اتّفاق وقف إطلاق النار وبداية عمليات تبادل الأسرى لاحظ العالم الفرق الهائل بين أوضاع الأسرى الصهاينة لدى المقاومة الفلسطينية والأسرى الفلسطينيين لدى "إسرائيل" من حيث القدرات البدنية والعقلية والنفسية!
ومع ذلك حاولت حكومة بنيامين نتنياهو قلب الحقائق والادعاء بأن أوضاع الأسرى الصهاينة سَيّئة جدا!
وخلافا للافتراءات الصهيونية أعلن طبيب بمستشفى شيبا "الإسرائيلي" الذي نُقِلَت اليه الأسيرات الثلاث بعد الإفراج عنهنّ من غزة، يوم 20 كانون الثاني/يناير 2025: "أنا سعيد بإبلاغكم بأنّهنّ في حالة مستقرّة!"
وبالمقابل فإن شهادات عشرات الأسرى الفلسطينيين المُفْرَج عنهم أكّدت بأن الاحتلال تعمّد حرمانهم من الرعاية الصحّيّة والطعام والنوم، تماما مثلما تعامل مع المدنيين العزّل في غزة، ونشر بينهم الموت والاعاقة والدمار والخراب فضلا عن حرمانهم من الغذاء الماء والدواء والخيام!
وهنالك عشرات الأسرى المُفْرَج عنهم، وفقا للهلال الأحمر الفلسطيني، نقلوا إلى المستشفيات "المتهالكة" داخل غزّة بسبب "وضعهم الصّحّيّ الصعب"!
وتفاوتت أوضاع الأسرى الفلسطينيين السيّئة بين الهزال الكبير، وفقدان الذاكرة، والصعوبة في المشي والتحرّك، والأمراض الجلدية، وخصوصا الجرب، وغيرها من الأمراض الجسدية والنفسية!
وأظهرت تقارير المستشفيات الفلسطينية أن بعض الأسرى من مرضى السّكّرّيّ، عانوا من الإهمال التامّ ممّا تسبّب ببتر قدم أحدهم، ويد الآخر!
ولم يتوقّف الأمر عند الإهمال الصّحّيّ والغذائي بل أكّد العديد من الأسرى الفلسطينيين بأنهم كانوا يتعرّضون إلى التعذيب والتنكيل في سجون حكومة نتنياهو!
ويمكن اختصار الحقد الصهيوني بالإبقاء على الأسير، المُفْرَج عنه، "كاظم زواهرة" في الأسر رغم أنّه في حالة غيبوبة، وفقا للهلال الأحمر الفلسطيني!
وتعمّدت "إسرائيل" معاملة الأسرى بوحشية وهمجية عند تسليمهم للصليب الأحمر الدولي، الذي أعرب عن غضبه بسبب "اقتياد الأسرى الفلسطينيين بعد رفع أيديهم المكبّلة بالأصفاد خلف رؤوسهم وهو وضع مؤلم"!
لقد أثبتت المرحلة الأولى من عمليّات تبادل الأسرى بأن إنسانية المقاومة الفلسطينية مُتقدّمة بدرجات كبيرة على همجيّة قوّات الاحتلال في التعامل الإنساني رغم أن الظروف في غزّة كانت مليئة بالموت والقتل الجماعي والإرهاب العشوائي الذي استخدمه قوّات الاحتلال والمتمثّل بتدميرها لأكثر من ٨٠% من القطاع، ومع ذلك كانت الظروف الإنسانية "الجيدة" للأسرى الصهاينة لا تُقارن بالحالات المؤلمة التي ظهر فيها غالبيّة الأسرى الفلسطينيين!
منطقيّا لا يمكن توقّع أن الظروف الإنسانية التي يَتواجد فيها الأسرى الصهاينة في غزة صحّيّة وآمنة، ورغم ذلك أظهرت الصور المنقولة لأرجاء العالم، الأسرى الصهاينة، المُفْرَج عنه، وهم يرتدون ملابس جديدة ونظيفة ويتمتّعون بصحّة تامّة!
فكيف حافظت المقاومة على حياتهم، فضلا عن صحّتهم، وطعامهم وبقيّة احتياجاتهم الضرورية؟
قوّات المقاومة، أيّ مقاومة، التي تُقاتل لاسترجاع الحقوق الأصيلة، الإنسانية والتاريخية، دائما تُحْسِن معاملة الأسرى، والقوّات المحتلّة والمليشيات دائما تُسْيء معاملة الأسرى!
النضال الفلسطيني الأصيل، ورغم التحدّيات، مُتمسّك بالقيم والمبادئ الإنسانية النبيلة، وهذا دليل على الترابط التاريخي الجامع بين المقاومة والحقوق الأصيلة التي تقود في نهاية المطاف إلى تحقيق النصر والخلاص التامّ من الاحتلال ومشاريعه التوسعية التخريبية!
@dr_jasemj67
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2772
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2046
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
726
| 25 يناير 2026