رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سوريا ليست بلدًا قاحلًا، أو منزويًا في الخريطة الإقليمية والدولية، بل هي بلد عريق تاريخيًا، ويتمتع بموقع جغرافي وإستراتيجي كبير وَمُهم في الشرق الأوسط. وتمتاز سوريا بتشكيلتها السكانية المتنوعة والجامعة لجميع القوميات والطوائف من العرب والكرد والتركمان والسريان، والأرمن والشركس والشيشان، وجميعهم يُشكلون الفسيفساء السورية البعيدة عن التمييز الطائفي والعرقي. ويُعرف أهل سوريا بذوقهم الراقي، وقلوبهم الصافية، ولباقتهم المتجذّرة، وعقولهم التجارية والاجتماعية المتفتحة، وتمتاز بلادهم بطبيعتها الخلابة، وأريافها الفاتنة الجمال والعمران وخضرتها السالبة للعقول، وهذه من علامات حبّهم للحياة والعمران والخير. ومنذ التغيير الشعبي الذي حصل في البلد الشقيق يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 ونهاية نظام بشار الأسد وغالبية الشعب السوري، داخل سوريا وخارجها، يعملون، كل من موقعه، لترميم الدمار، وعلاج الجراحات، وتجاوز المحن وصولًا لبناء دولتهم السورية الجديدة. ولا أريد هنا أن أتحدث عن المعارك الأخيرة في بعض المدن السورية العزيزة، ولكن يهمني أن أُركز على قضية الحفاظ على سوريا الخضراء، الأميرة الجميلة المميزة، وخصوصًا مع عدم رضوخ بعض أطراف المعادلة لمنطق العقل والتعايش السلمي! وخلال الأيام الماضية تابعنا المواجهات العسكرية بين قوات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ببعض مناطق حلب وغرب نهر الفرات، وتحديدًا بمدينة الطبقة وريف دير الزور الغربي والحسكة وغيرها من المناطق الملتهبة التي تقود عملياتها لمزيد من القتل والخراب والدمار، بعيدًا عن دعوات العقل والمنطق التي تطلقها الدولة السورية! وغالبية هذه التطورات حدثت بعد اللقاء الحيوي والكبير الذي عُقِد، يوم السبت 17 كانون الثاني/ يناير الحالي بمدينة أربيل، عاصمة كردستان العراق، بين الزعيم الكردي الرئيس مسعود البرزاني والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون سوريا وتوماس باراك، وقائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي حيث جرى التأكيد على «أهمية الحوار والاستقرار والتعايش» في سوريا الجديدة. وقد تمخض عن اجتماع أربيل اتفاقية جديدة لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل وهي مستوحاة، كما قال الرئيس الشرع، من اتفاق العاشر من آذار/ مارس 2025 بين الشرع ومظلوم. وحقيقة لو أن اتفاق آذار تُرْجم إلى واقع عملي وبقلوب صافية لقَلَبَ المعادلة السورية ولجعل الحياة هي الأصل، والأمل هو الرابط، والتعايش هو الأرض الصلبة لجميع السوريين، ولكن، مع الأسف، لم يُنفذ هذا الاتفاق من قبل «قسد». ومَن يطلع على نص اتفاق آذار، وكذلك الاتفاق الجديد، الذي وقعه الرئيس الشرع وقائد تنظيم «قسد» يوم 18 كانون الثاني/ يناير الحالي، ولكنه، مع الأسف، لم يُتَرجم إلى واقع عملي، يتأكد بأنه الضمانة الأكيدة لحقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية. وتلتزم الحكومة السورية، بموجب الاتفاق، بأن المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة، مع ضمانها لحقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية، وتشديدها على وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية، ودمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في المحافظات الشرقية، والشمالية الشرقية ضمن إدارة الدولة. وَكَفَل الاتفاق عودة جميع المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، ورفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة السوريين! والحكومة السورية تدعو بجدية لتطبيق الاتفاقات، وقالت الخارجية السورية، السبت الماضي، «هنالك جهود مستمرة لإقناع قادة قسد بالالتزام بالاتفاق»، ومن هنا جاء الاتفاق الجديد، الذي نأمل تطبيقه وبحزم على أرض الواقع. وبهذا يُفترض الركون إلى المصلحة الوطنية السورية ونبذ كافة المشاريع الهادفة لضرب الحوار الوطني الشامل والضامن لحقوق جميع المواطنين! العمل السوري الحقيقي ينبغي أن يتجه لتخليص سوريا من مظاهر التناحر الداخلي، والسعي لخلاصها من القتل والدمار والتهجير والظلم، وزرع الحياة والبناء والاستقرار والعدل في ربوعها الزاهية! مَن يحبّ سوريا وأهلها عليه أن يُثبت حُبّه بالدعوة للسلام والأمن والاستقرار والبناء وليس بنشر الحروب والخوف والفوضى والخراب.
411
| 23 يناير 2026
يَتصدّر الحديث عن جزيرة (غرينلاند) الدنماركية حاليًا نشرات الأخبار العالمية بالتزامن مع إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ضمّها إلى الولايات المتحدة. والجزيرة جزء من مملكة الدنمارك وتخضع لسيادتها، ولكن الجزيرة تُدير شؤونها الداخلية، وبصلاحيات واسعة، بموجب الحكم الذاتي الذي تتمتع به منذ العام 1979، ولكنها تخضع لمملكة الدنمارك في ملفات الدفاع والخارجية. والسؤال هنا لماذا تُصرّ واشنطن على ضمّ غرينلاند، علمًا أن أقصر مسافة بين شمال غرب غرينلاند وولاية ألاسكا الأمريكية نحو 1,000 كيلومتر تقريبًا؟ وجواب هذا اللغز بحاجة لتدقيق تاريخي وقراءة دقيقة، حيث إنه وخلال الحرب الكونية الثانية في العام 1941 حصلت الولايات المتحدة على تفويض من مملكة الدنمارك، حينما كانت تحت الاحتلال النازي، لتولّي الدفاع عن غرينلاند، وبموجب ذلك التفويض شَيّدت واشنطن 15 قاعدة عسكرية لحماية القارة الأمريكية خلال الصراع العالمي، ولم يتبق منها اليوم إلا قاعدة بيتوفيك الجوية! ولاحقًا، وتحديدًا في العام 1946 عرضت واشنطن على الدنمارك 100 مليون دولار ذهبًا لشراء الجزيرة، ولكنها رفضت العرض! وَمَن ينظر لخريطة العالم يرى غرينلاند وكأنها بُرج مراقبة أعلى أوروبا والصين وروسيا وبقية الدول، وحينها يفهم لماذا هذا الإصرار الأمريكي للاستحواذ عليها! وخلال ولايته الأولى أعلن الرئيس ترامب بالعام 2019 رغبته في شراء الجزيرة، ولكن الدنمارك رَدّت بأنها «ليست عقارًا للبيع»! واليوم عاد الرئيس ترامب وجدّد دعوته لشراء الجزيرة، وتسعى واشنطن لقطع الطريق على الصين وروسيا وعدم السماح لهما بالاقتراب من الجزيرة العملاقة لموقعها الإستراتيجي وثرواتها الطبيعية، وكذلك لجعلها منطقة إنذار مُبكّر من أي تهديدات صينية، ويوم الأحد الماضي قال ترامب: «إذا لم نسيطر على غرينلاند، فستفعل ذلك روسيا أو الصين»، وبهذا فإن واشنطن تعتبر السيطرة على الجزيرة من متطلبات الأمن القومي الأمريكي، وليس لغايات اقتصادية بحتة! ومقابل الشهوة الأمريكية تحاول الصين عبر طريق الحرير القطبي أن تحقق بعض أهدافها الإستراتيجية لأنها ترى نفسها «دولة قريبة من القطب»، فهل ستشتعل الحرب، وهل ستقف أوروبا مع الدنمارك ضد حليفتهم الولايات المتحدة؟ وهل ستستسلم أوروبا والصين وروسيا للتوسع الأمريكي، وتكتفي بالتصريحات كما حصل بعد العملية الأمريكية في فينزويلا؟ وما مستقبل «حلف الناتو» فيما لو قررت واشنطن السيطرة على غرينلاند؟ هذه التحديات العملاقة قد تفجر صدامًا عالميًا واسعًا، وينذر بدفع أمريكا إلى مواجهات مباشرة مع أوروبا والصين وروسيا معًا وهو سيناريو يحمل تبعات دولية خطيرة!
444
| 16 يناير 2026
تقع جمهورية فنزويلا، وعاصمتها كاراكاس، شمال أمريكا الجنوبية على ساحل البحر الكاريبي، وتحدّها كولومبيا غربًا، والبرازيل جنوبًا، وغويانا شرقًا. وهي إحدى دول أمريكا اللاتينية ثقافيًا، وعدد سكانها أكثر من 28 مليون نسمة، وهي من الدول الغنية بالموارد الطبيعية، وتمتلك أكبر احتياطي نفطي عالمي مُؤكّد. ورغم المحاولات الجادة للإصلاح الاقتصادي وثرواتها الطبيعية تعاني فنزويلا من جملة مشاكل اقتصادية، وأبرزها ارتفاع التضخم، وهجرة كبيرة للشباب بحثًا عن حياة أفضل، ونقص الغذاء والدواء أحيانًا!. وتعاني فنزويلا من علاقات مُتشنجة مع الولايات المتحدة لعدة أسباب، وقد يكون مَيْل فنزويلا، ومنذ عهد رئيسها «هوغو شافيز» (1999‑2013)، نحو السياسات الاشتراكية واحدة من المشاكل الأيديولوجية بينهما. دخلت حكومة كاراكاس، حينها، في مواجهات مع الشركات الكبرى، وهذه السياسات اعتبرتها واشنطن معادية لمصالحها بالمنطقة، وبالذات بعد أن وَصَف «شافيز» أمريكا بأنها «إمبراطورية»! ومع مجيء الرئيس «نيكولاس مادورو» إلى الحكم بعام 2013 تنامت الأزمات، وخصوصًا بعد رفض واشنطن لنتائج الانتخابات، واعتبرت حكومته غير شرعية. ويبدو أن السياسات الفنزويلية، ومنها تأميم النفط، والتجارة من الدول التي تصنفها واشنطن بأنها معادية لها، ومنها روسيا والصين وإيران وغيرها زادت من حِدّة التوتر بين البلدين. وفرضت واشنطن عقوبات اقتصادية على فنزويلا منذ عام 2014، وحظرت التعامل مع شركاتها النفطية الحكومية، وجمّدت أصول الحكومة والقيادات الفنزويلية بالخارج، للضغط على «مادورو» لتغيير سياساته، وترتيب انتخابات نزيهة، وجميع هذه الضغوط الأمريكية واجهتها فنزويلا بالرفض والتحدي. والخلافات المتنامية وصلت لذروتها فجر السبت 3 كانون الثاني/ يناير الحالي حينما اعتقلت القوات الأمريكية الخاصة الرئيس «مادورو» من داخل «حصن» شديد الحراسة، بحسب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف عملية الاعتقال: «شاهدتها حرفيًا، كما لو أنني كنت أشاهد برنامجًا تلفزيونيًا». والعملية الأمريكية فتحت الباب لجملة تحديات، ومنها: - هل ستكون نهاية حكومة «مادورو» المدعومة من روسيا والصين بداية لتناحرات وخلافات مرتقبة بين واشنطن وموسكو وبكين، وبالذات بعد مطالبة روسيا «بالإفراج الفوري عن الرئيس مادورو وإعادته لمنصبه كرئيس للدولة»؟ - وهل ستتخلى الصين عن صديقها «مادورو»، وعن مكانتها بأمريكا اللاتينية، مع وصف خارجيتها الهجوم الأمريكي بأنه «انتهاك صارخ للقانون الدولي»؟ - وهل الهجوم سيُشجع الصين على افتراس تايوان، ويُبرّر لروسيا تعزيز دورها الجيوسياسي خارج حدودها؟ - وهل المخدرات ذريعة كافية لتسمح لواشنطن باجتياح الدول، أم أنها مُجرّد حجة للتحكم بالنفط والثروات الفنزويلية؟ - وما الموقف الأمريكي أمام العالم بعد أن نفذت عمليتها التي أُدينت من عدة دول، ومنها فرنسا وإسبانيا، وجنوب أفريقيا، وإيران، والبرازيل، والمكسيك، وكولومبيا، وكوبا، والاتحاد الأوروبي وغيرها، وكذلك كانت هنالك دعوات من عشرات الدول تُطالب بضبط النفس، وهي دعوات فيها «رفض خفي» للهجوم الأمريكي؟ - وهل نحن بمواجهة مرحلة ضرب للقوانين الدولية، وضياع لسيادة دول بعينها بميزان بعض القوى العظمى، وما مستقبل مجلس الأمن، وبالذات بعد أن أقرّ المجلس، الاثنين الماضي، بأن «الهجوم الأمريكي يتعارض مع القانون الدولي»؟ - وما موقف واشنطن بعد تنصيب «ديلسي رودريجيز»، نائبة مادورو، كرئيسة بالإنابة للبلاد، وتأكيدها أن» مادورو هو الرئيس الوحيد لفنزويلا»، وبالذات بعد أن قال الرئيس «ترامب» إن «بلاده ستُدير شؤون فنزويلا»؟ - وأخيرًا هل حكومة الرئيسة «رودريجيز»، بعد تنصيبها، سلّمت البلاد لواشنطن وبدليل تأكيد الرئيس ترامب، الأربعاء الماضي، أن فنزويلا ستشتري «منتجات أمريكية الصنع فقط» من عائدات صفقة النفط بين البلدين، وأنها «ستُسلّم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط إلى واشنطن؛ لبيعها بسعر السوق وبسيطرة الولايات المتحدة على العائدات»، وكيف يُفْهَم هذا الاتفاق؟ وهكذا، يبدو أن المشهد غامض جدًا، والأحداث تتنامى، والعالم يعيش موجة انعكاسات سياسية وعسكرية نادرة يَصْعُب تحديد تداعياتها، ولا ندري هل الحكاية الفنزويلية «المُبهمة» ستُولّد حكايات عالمية مُشابهة؟ التداعيات مرشحة للتفاقم، والمرحلة المقبلة تتطلب تعاملاً أكثر تَحفظًا، وترقبًا دقيقًا للمشهد العالمي الغامض.
435
| 09 يناير 2026
المشاريع الحضارية المثالية هي التي تلتزمها الدول الناجحة وتُخطّط لها بحيادية وموضوعية علمية دقيقة، وجميع هذه المواصفات تَرَسّخت بمعجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة. وشهدت العاصمة القطرية، الدوحة المعمورة، يوم 22 كانون الأول/ ديسمبر 2025 حفل اكتمال «معجم الدوحة» الذي أُقيم بحضور سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهذا يُدلّل على أن القضية مركزية وتحت الرعاية الرسمية حفاظًا على لغة القرآن والعرب واعتزازًا بالماضي والحاضر والمستقبل. وانطلق مشروع المعجم يوم 25 أيار/ مايو 2013 من قبل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وكانت المدّة التقديرية لإعلان اكتماله حوالي 13 عامًا، وشارك في ترتيبه المئات من الخبراء والعلماء العرب. وهذا المشروع المعجمي التاريخي تتبع التطور العامّ لألفاظ اللغة العربية لنحو عشرين قرنًا، وهو من المشاريع النادرة والفريدة المهتمة بتاريخ لغة العرب وألفاظها ومعانيها. ويُعدّ «معجم الدوحة» أول معجم عربي شامل، وقد أُلّف انطلاقًا من مدوّنة نصيّة مُمثّلة للّغة العربيّة في مراحلها المختلفة. واعتمد المعجم على جملة من المراجع الأصيلة، ومنها القرآن الكريم والحديث النّبويّ الشّريف، ودواوين الشعر العربي والموسوعات والأعمال الشعرية القديمة والحديثة، وكتب النثر، والأدب، والنقد والمقامات وبقية العلوم الشرعية والإنسانية والعلمية والفلسفية وغيرها. وَيتضمّن المعجم حوالي 10,000 جذر لغوي، وفي مجال الببليوغرافيا والمصادر يضمّ المشروع مكتبة تحتوي على أكثر من 10,000 مصدر نصي موثق من النقوش والكتب التاريخية، وما طرأ عليها من «تغيّرات في مبانيها ومعانيها داخل سياقاتها النصيّة، ويحتوي المعجم زهاء 300 ألف مدخل معجميّ، ومدوّنة نصيّة تتألّف من نحو مليار كلمة، مُهيكلة ومُؤرّخة ومُوثّقة». ورغم ضخامة العمل إلا أنه امتاز بالدقة في نسبة النصوص لقائليها، وتحديد الرواية الأدق والأبرز في حال وجود روايات وحوادث مختلفة، وامتاز كذلك بالتوثيق العلمي، والتّفاعليّة عبر البوابة الإلكترونية التي تتيح التفاعل بين الجمهور والمختصين، واستعمال أحدث التقنيات الحاسوبية، والانفتاح على المستدركات والتّصحيحات بجميع أنواعها. وحقق معجم الدوحة التاريخي جملة أهداف أصيلة، ومنها: - توثيق اللغة العربية ودعمها، وحماية ألفاظها والعناية بها، وتوضيح معانيها وأهميتها. - ربط الألفاظ العربية بالعلوم المختلفة، وتسهيل معانيها، وتاريخها، ودورها في مسيرة العلوم الشرعية واللغوية والعلمية والإنسانية وغيرها. - رعاية المفردة العربية واشتقاقاتها ومصادرها وتطورها بحسب التسلسل الزمني. - تأكيد حيوية اللغة العربية وفاعليتها في المسار الحضاري العالمي والإنساني والتاريخي، ومنح الكلمات بُعدًا تاريخيًا وجغرافيًا وإنسانيًا وعصريًا، وبالمحصلة صيانة أصول الكلمات وتاريخها، وتحديثها ضمن الأصول العلمية والفكرية الإنسانية. - تساعد البوّابة الإلكترونيّة للمعجم في عرض موادّ المعجم، وتٌتيح البحث بالمدوّنة النصيّة، كما تُقدّم «الخدمات اللغوية والنصية والإحصائية، والبحث في ملايين النصوص». - حماية الإرث الحضاري ورعايته في الجوانب اللغوية والتاريخية وبالذات في عصر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والسباق مع الزمن، والاعتماد «العرفي، وربما، الوظيفي» على اللغات الأجنبية وخصوصا اللغة الإنجليزية ولهذا فإن قضية حماية اللغة جزء من المسؤولية الإنسانية والتاريخية والأخلاقية. - بيان سعة اللغة العربية، وقدرتها على التطور، والتعايش مع كافة العصور، وهذا الأمر ينبغي أن يكون من دوافع الافتخار باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم واللغة الأوسع في الأرض، حيث إن عدد جذور كلماتها يقرب من 15 ألف جذر، ويمكن للكلمات المشتقات منها أن تصل إلى أكثر من 10 ملايين كلمة. وهذا التميز للعربية بكونها لغة اشتقاقية جعلها من اللغات الأضخم في الأرض مقارنة باللغات العالمية الأخرى، ومنها اللغة الإنجليزية التي تحتوي 600,000 كلمة، والألمانية التي تضم 200 ألف كلمة، والفرنسية 150 ألف كلمة. وبهذا يتضح أهمية المشروع لحماية اللغة العربية العملاقة من الضياع، وربما الإهمال والتخريب وسط الأمواج المتلاطمة للتقليد والتغريب الثقافي، وبالذات في عصر السرعة ومواقع التواصل الاجتماعي. وهكذا تبلور معجم الدوحة ليكون الثمرة الطيبة للجهود الرسمية والمؤسساتية والعلمية الساعية لحماية تراث الأمة، وخدمة الإنسانية والعلم والعلماء.
255
| 02 يناير 2026
اللحظات الجميلة في حياة الإنسان نادرة ولطيفة وسريعة، ولهذا فهي تُنقش في الذاكرة الإنسانية كونها مُتميّزة، وتُداعب الروح والفكر والعقل. ويرتبط الإنسان الطبيعي بوطنه كما ترتبط الأشجار بعروقها، والأوراق بغصونها، والإنسان بالأمل والعمل، ولهذا فإن أروع المناسبات تلك المرتبطة بالوطن، لأنها تُثبت ترابط الدولة مع الشعب، وهي بذات الوقت دليل على نجاح القيادة في حيازة حبّ الناس وتمسّكهم بها. ودولة قطر الشقيقة واحدة من الدول المثالية ليس على مستوى المنطقة فحسب بل على الصعيد الدولي. وبما أن العيد في اللغة هو «كل يوم يُحتفَلُ فيه بذكرى حادثة عزيزة، أو دينيَّة»، فقد عاشت دولة قطر يوم 18 ديسمبر 2025 ثلاثة أعياد في يوم واحد، وهي: - العيد (اليوم) الوطني: اليوم الوطني القطري، وبحسب اللجنة المنظمة للاحتفالات، هو يوم التأسيس والبناء والتلاحم بامتياز، ويحتفل فيه القطريون بالذكرى السنوية لتأسيس دولتهم الأنيقة على يد الشيخ المؤسّس «جاسم بن محمد بن ثاني» يوم 18 ديسمبر من العام 1878. وهو مناسبة للتعريف «بأعمال مؤسّسي دولة قطر الذين تحمّلوا الصعاب، ودفعوا ثمنًا غاليًا لتحقيق وحدة أمّتهم والاحتفاء بذكراهم، ويؤكد على هوية الدولة وتاريخها، كما يُجسد المُثل والآمال التي أقيمت عليها الدولة». ودولة قطر، اليوم، بقيادة سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واحدة من الدول الحكيمة في السياسات الإقليمية والعالمية، وقد لعبت العديد من الأدوار بالأحداث الإقليمية والدولية، وخصوصا في ملفّات أفغانستان، ومفاوضات وقف حرب غزة، وحماية حقوق الفلسطينيين، ودورهم الواضح لحماية المدنيين في السودان وغيرها من الأراضي التي تعاني من ويلات الحروب العبثية والهمجية. ويشهد اليوم الوطني القطري جملة فعاليات تؤكد ارتباط المواطن بالوطن، وتُظهر للزائرين أصالة التراث القطري وضخامة النهضة الحالية، وتُعيد الحياة للعادات والتقاليد الأصيلة النابعة من الأصالة العربية والانتماء المتين للقيم الإنسانية الصافية. وَتُعدّ احتفالات (المسير الوطني)، المرافقة للاحتفال باليوم الوطني من أكبر المهرجانات المتجدّدة التي تُثبت قوة الدولة القطرية وارتباطها بالتراث والتطور العلمي والفكري. ومن بين فعاليات (المسير)عرض مرئي استعرضت خلاله قدرات أسطول القوات البحرية الأميرية القطرية، وأحدث تقنيات الصناعات البحرية الدفاعية، وبطاريّة الدفاع الساحلي المجهزّة بأحدث المنظومات الدفاعية والهجومية، وبقية صنوف القوات المسلحة القطرية البرية والجوية وقوات الشرطة العسكرية. وساهمت في احتفال (المسير) بعض الفرق الموسيقية الدولية من أمريكا وسلطنة عمان، والأردن، وتركيا، وكازاخستان، والمملكة المتحدة، وأشبال الحرس الأميري. - عيد «كأس العرب»: تزامن الاحتفال باليوم الوطني القطري مع اختتام مونديال العرب، «كأس العرب 2025 «، وهي النسخة الحادية عشرة من البطولة، والثانية بتنظيم الاتحاد الدولي لكرة القدم استضافتها قطر، وجرت مبارياتها على ملاعب كأس العالم 2022، بين 1 -18 ديسمبر 2025. وقد امتازت نسخة العام 2025 بالتنظيم الدقيق واللعب الكروي المتطور، والحضور الجماهيري الضخم، والمتنوع لمتابعة البطولة، التي ظَفَرَ بها المنتخب المغربي الشقيق. - عيد «أمطار الخير» العزيزة: في اليوم الأخير لبطولة «كأس العرب» كانت قطر على موعد بهي وماتع رسمته وطرزته الأمطار الغزيرة الهاطلة بعموم المدن، ورغم أن الأمطار تسببت بإلغاء مباراة السعودية والإمارات، وتأجيل إعلان الفائز بالمركز الثالث للبطولة، إلا أن الفرحة كانت تملأ الزمان والمكان، وهي حادثة زاهية ونادرة تحدث لأول مرة في تاريخ البطولة. وهكذا فإن أمطار الخير المباركة نشرت الخير والسعادة في القلوب والوجوه، والحاضر والمستقبل بالتزامن مع العيد الوطني القطري وختام بطولة العرب. مكانة الدولة القطرية، الإقليمية والدولية، بالميادين السياسية والاقتصادية والإنسانية والرياضية لم تأت من فراغ وإنما هي ثمرة السياسات الحكيمة والأصيلة والمؤمنة بحبّ الناس وضرورة التعايش السلمي في الأرض. وهكذا تتوالى الأعياد القطرية القائمة على القيادة الرصينة، والشعب المؤمن بقيادته ووطنه، والمتلاحم مع قضايا الوطن والإنسانية. حفظ الله دولة قطر الشقيقة وأهلها، وجعل أيامهم كلها مليئة بالأفراح والأمل والاستقرار والسلام والتقدم.
396
| 26 ديسمبر 2025
هنالك قادة ورموز عاشوا على الأرض لا يُمكن مَحْو تأثيرهم الواضح على الأجيال الإنسانية حتى بعد قرون من وفاتهم. ويمكن أن نُشير، وبعجالة، لبعض هؤلاء القادة العرب في العصر الحديث، وقد يكون الأمير «عبد القادر الجزائري» الأول بينهم، الذي قاد مقاومة شعبية لخمسة عشر عامًا ضد الاحتلال الفرنسي، وتوفي يوم 26 أيار/مايو 1883 بمدينة دمشق التي استقر فيها بعد الإفراج عنه من الأَسْر الفرنسي. ثم الشهيد «عمر المختار» الذي تزعم المقاومة الشعبية الليبية ضد الاستعمار الإيطالي، وأعدم عام 1931. والقائد السوري الفلسطيني «عز الدين القسّام»، والذي اشترك بثورة «الساحل السوري» ضد الاحتلال الفرنسي بين عامي 1919 - 1920، ثم استقر بمدينة حيفا الفلسطينية، وشارك بمقاومة الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني، واستشهد قرب مدينة جنين يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1935. والشهيد «عبد القادر الحسيني»، الذي استُشهد يوم 8 نيسان/أبريل 1948 أثناء القتال بمعركة «قرية» القسطل، وغيرهم من الشهداء الرموز، وأبرزهم الشهيد أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي وبقية الشهداء الذين رَوَوْا أرض فلسطين وغيرها بدمائهم الزكية الطاهرة. والموت هو النهاية الطبيعية لجميع البشر، وتَبْقى مواقفهم، النبيلة والمشينة، هي الماثلة أمام التاريخ والأجيال، ولكن الغريب هو كراهية الأعداء للأموات بقدر كراهيتهم للأحياء في مواقف فيها الكثير من المعاني المريبة والغامضة!. والمدهش أن الاحتلال «الإسرائيلي» وبعد أن أرعبه صمود رجال المقاومة، وبعد أن أوقف الحرب، وحصل على أسراه من الأحياء والأموات عاد للعبث مع الجميع والتلاعب باتفاق وقف إطلاق النار، ومواصلة هجماته الإرهابية ضد أهالي غزة، وآخرها استهدافهم، يوم 13/12/2025، القيادي بكتائب القسّام «رائد سعد»!. ونشر بن غفير، يوم 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، على منصة «تلغرام» مقطع فيديو كرر فيه التهديد بهدم قبر الشهيد «القسّام» لدى إشرافه على إزالة خيمة نصبتها لجنة الوقف الإسلامي قرب الضريح. وهذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها «بن غفير» لهدم قبر الشيخ «القسّام»، وهذه الدعوات ضَرْب لحُرمات الأموات، وانتهاك للمقدسات، واستخفاف بالقوانين الأرضية والسماوية. - تحاول «إسرائيل» هدم كل ما يَمُت بالقسّام من صلة كنوع من الانتقام، وربما، الإقرار بالهزيمة، بعد أن فشلت، بقوتها الأبرز في الشرق الأوسط، في هزيمة كتائب القسّام وأخواتها بعد عامين من القصف العشوائي ومئات الأطنان من الأسلحة القاتلة والمدمّرة!. - تناسى قادة الاحتلال أن «القسّام» فكرة وليس شخصًا قُبِر في مكان ما، ولهذا فَهُم واهمون بأنهم سيتمكنون من هزيمة فكرة التمسك بالأرض، وطرد الغرباء.
642
| 19 ديسمبر 2025
تمتاز المراحل الإنسانية الضبابية والغامضة، سواء على مستوى الدول أو الأفراد، بظهور بعض الشخصيات والحركات، المدنية والمسلحة، التي تحاول القيام بأدوار إيجابية أو سلبية، وخصوصا في مراحل بناء الدول وتأسيسها. ومنطقيا ينبغي على مَن يُصَدّر نفسه للقيام بأدوار عامة أن يمتاز ببعض الصفات الشخصية والإنسانية والعملية والعلمية الفريدة لإقناع غالبية الناس بدوره المرتقب. ومن أخطر الشخصيات والكيانات تلك التي تتعاون مع الغرباء ضد أبناء جلدتهم، وهذا ما حدث في غزة خلال «طوفان الأقصى» على يَد «ياسر أبو شباب» وأتباعه!. و»أبو شباب» فلسطيني، مواليد 1990، من مدينة رفح بغزة، وَمَسيرته، وفقا لمصادر فلسطينية، لا تُؤهّله للقيام بدور قيادي ما!. ومَن يقرأ بعض صفحات تاريخ «أبو شباب»، الذي ينتمي لعائلة «الترابية» المستقرة في النقب وسيناء وجنوبي غزة، يجد أنه اعتُقِل في عام 2015، في غزة، حينما كان بعمر 25 سنة، بتهمة الاتّجار بالمخدّرات وترويجها، وحكم عليه بالسجن 25 سنة. وخلال مواجهات «الطوفان» القاسية والهجمات الصهيونية العشوائية على غزة هَرَب «أبو شباب» من سجنه بغزة، بعدما أمضى فيه أكثر من ثماني سنوات، وشكّل، لاحقا، «القوات الشعبية» بتنسيق مع الشاباك «الإسرائيلي»، ولم يلتفت إليها أحد بشكل ملحوظ بسبب ظروف الحرب والقتل والدمار والفوضى المنتشرة بالقطاع!. وبمرور الأيام بَرَزَ الدور التخريبي لهذه الجماعة، الذي لم يتوقف عند اعترافها بالتعاون مع أجهزة الأمن «الإسرائيلية» بل بنشر التخريب الأمني، والفتن المجتمعية، وقطع الطرق واعتراض قوافل المساعدات الإنسانية ونهبها!. وأبو شباب أكد مرارًا أن جماعته تَتَلقّى الدعم «دعماً من الجيش الإسرائيلي»، وأنهم عازمون على «مواصلة قتال حماس حتى في فترات التهدئة»!. وهذا يعني أنهم مجموعة من الأدوات الصهيونية والجواسيس الذين صورتهم بعض وسائل الإعلام العبرية كأدوات بديلة لتخفيف «خسائر الجيش الإسرائيلي باستخدامهم في مهام حسّاسة بدل الاعتماد المباشر على القوات النظامية»!. ويوم 4 كانون الأول/ ديسمبر 2025 أُعلن عن مقتل «أبو شباب» على يد عائلة «أبو سنيمة»، التي أعلنت مسؤوليتها عن الحادث: وأنهم «واجهوا فئة خارجة عن قيم المجتمع الفلسطيني». وبحيادية، يمكن النظر لهذا الكيان السرطاني، الذي أسندت قيادته بعد مقتل «أبو شباب» إلى رفيقه «غسان الدهيني» من عِدّة زوايا، ومنها: - الخيانة نهايتها مأساوية لأصحابها، وماذا يَتوقّع أن تكون نهايته مَن يَتفاخر بعلاقته مع الاحتلال «الإسرائيلي»؟ - دور جماعة «أبو شباب» التخريبي على المستويين الأمني والإغاثي دفنهم وهم أحياء، مِمّا جعل مقتل «أبو شباب» مناسبة قُوْبِلت بالترحيب من أكثرية الفلسطينيين وغيرهم. - مقتل «أبو شباب» يؤكد فشل الخطة «الإسرائيلية» بجعل مجموعته المُتَحكِّم بمدينة «رفح» وجعلها منطقة «حكم ذاتي» خارج سيطرة المقاومة، وبهذا فهي ضربة أمنية كبيرة «لإسرائيل» التي كانت تُعوّل عليهم بعمليات التجسّس والتخريب. - قد تكون «إسرائيل» تَخلّصت منه، قبل إرغامها، بضغوط أمريكية، على المضي بالمرحلة الثانية من اتّفاق وقف إطلاق النار وذلك بتركه ليواجه مصيره كونه قُتِل بمنطقة سيطرة جيشها!. - الحادثة كانت مناسبة لدعم دور المقاومة على أرض غزة، ونقلت هيئة البثّ «الإسرائيلية»، الأحد الماضي، عن مصادر فلسطينية أن «مسلحين ينتمون لمليشيات عشائرية معارضة لحماس سَلّموا أنفسهم طواعية لأجهزة (حماس) الأمنية في غزة». منطقيًا، لو كانت جماعة «أبو شباب» جماعة فلسطينية خالصة ومنافسة بعملها، السياسي والعسكري، للآخرين بشفافية وصدق لأمكن قبول تشكيلها، والتعاطي معه على أنه جزء من المشاريع الهادفة لخدمة القطاع، ولكن حينما تَبرز خيوط مؤكدة، وباعترافات واضحة، بارتباط هذا الكيان وشخوصه بالاحتلال «الإسرائيلي» فهنا تكون المعضلة والقشّة التي تَقصم ظهر الكيان لأن التعاون مع المحتل جريمة لا يُمكن تبريرها بأيّ عذر من الأعذار. مقتل «أبو شباب» كان متوقعا، وهي النهاية الحتمية والسوداء للخونة والعملاء الذين لا يَجدون مَن يُرحب بهم من مواطنيهم، ولا مَن يَحْتَرِمهم من الأعداء، ولهذا هُم أموات بداية، وإن كانوا يمشون على الأرض، لأنهم فقدوا ارتباطهم بأهلهم وقضيتهم وإنسانيتهم.
768
| 12 ديسمبر 2025
الهِجْرة والانتقال من أرض إلى أرض، ومن دولة إلى دولة، وحتى من دار إلى دار، وربما في ذات المدينة، واحدة من القرارات الصعبة والمعقدة في حياة الإنسان! والهِجْرة قد تكون لأسباب إنسانية واقتصادية واجتماعية وغيرها، وأخطرها الهِجْرات السياسية، ولقد طالعتنا كتب التاريخ بالعديد من الهِجْرات «السياسية التخريبية»، ومنها الهِجْرات اليهودية إلى فلسطين! وتذكر موسوعة المصطلحات بالمركز «الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، (مدار)» خمس هِجْرات يهودية ضخمة لفلسطين. وكانت الهِجْرة الأولى بين عامي (1882 - 1903)، ونظمتها جمعيات (محبي صهيون) وحركة (بيلو)، وأبرز دوافعها «خيبة أمل المثقفين اليهود جَرّاء المضايقات بأوروبا». وحصلت الهِجْرة اليهودية الثانية بين عامي (1904 - 1914)، حيث هاجر إلى فلسطين 35 ألف مهاجر، وأبرز دوافعها قرار المؤتمر الصهيوني السابع بالعام 1905 الذي أعلن الغاء مشروع الهِجْرة لأوغندا، وإطلاق بعض المنظرين والزعماء اليهود الصهاينة نداءات لتشجيع الهِجْرة لفلسطين بديلًا عنها. وحدثت الهِجْرة الثالثة بين عامي (1919 - 1923)، وكان معظم المهاجرين من شرق أوروبا ووسطها، وأبرز أسبابها ازدياد الآمال اليهودية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين إثر إعلان وعد بلفور يوم 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، وكذلك استغلال فرصة انهيار الامبراطورية العثمانية بالحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني لفلسطين. ونُظمت الهِجْرة اليهودية الرابعة بين عامي (1924 - 1928)، حيث هاجر إلى فلسطين أكثر من سبعين ألف يهودي من بولندا وروسيا ورومانيا والعراق واليمن بعد تَحسُّن الظروف الاقتصادية في فلسطين. وتمّت الهِجْرة اليهودية الخامسة بين عامي (1929 - 1939)، حيث وصل إلى فلسطين 280 ألف مهاجر، وغالبيتهم من يهود لاحقتهم النازية. واستمرّت لاحقًا الهِجْرات اليهودية، الجماعية والفردية، إلى فلسطين بتشجيع من الجمعيات الصهيونية حول العالم! ورغم ذلك، ووفقًا للإحصاءات التي نشرها مكتب «الإحصاء المركزي الإسرائيلي»، حدثت هِجْرات عكسية، وخرج 720 ألف مهاجر يهودي من فلسطين المحتلة بين عامي (1948 – 2015)! وخلال الأيام الأولى لمعركة «طوفان الأقصى»، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ازدادت وتيرة الهِجْرات العكسية خارج «إسرائيل» هربًا من الجحيم الداخلي وَرُعب العمليات العسكرية! وذكر موقع «زمان إسرائيل» أنه، ووفقا لبيانات سلطة السكان والهِجْرة، فإن «نحو 370 ألف غادروا إسرائيل منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية ذات الشهر»! وكشف تقرير للإحصاء «الإسرائيلي»، يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بأن عدد الذين غادروا «إسرائيل» لأمد طويل، بالمعدل السنوي بين عامي (2010 – 2022) كان حوالي 40 ألفا سنويا! وقفز العدد، بعد «الطوفان»، بالعام 2023 إلى 60 ألفا، وخلال العام 2024 تجاوز 86 ألفا، وحسب التقديرات الأولية، فإن عددهم بالعام 2025 سيكون حوالي 80 ألفا! وهكذا تَسْتَمر الهِجْرات اليهودية العكسية، وبوتيرة مُتسارعة وواضحة، ويمكن تحديد بعض دلالاتها، ومنها: - ضعف التصاق هؤلاء اليهود بفلسطين لأنها ليست أرضهم أصلا! - عدم استعدادهم للتضحية والذود عنها لأن ارتباطهم بها ارتباط مصالح آنية ومادية وليس ارتباط جذور ومبادئ، كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين. - إيمان غالبية المهاجرين المُتجذِّر بأنهم لا يملكون الحق في الأرض، وأن الحقيقة الثابتة هي أن فلسطين أرض عربية أصيلة. - الخوف والرعب وعدم وجود أمان حقيقي للمستوطنين في الأراضي المحتلة خصوصا وأن العمليات التي تستهدف المستوطنين تتمّ بغالبية المدن المحتلة والمستوطنات، وبالذات تلك المستوطنات الواقعة خارج نطاق الجدار الفاصل. - الهِجْرات العكسية تأكيد واضح لفشل سياسات الإغراء الحكومية «الإسرائيلية» واليهودية العالمية في استقطاب اليهود حول العالم للاستقرار بالأراضي الفلسطينية المحتلة. وغيرها من الدلالات السياسية والاقتصادية والدينية والفكرية والنفسية! حرب العامين بغزة بَرْهَنت أن الحقائق ثابتة، وأن الحقوق لا تُهضم، وأن المحتل يَعرف جيدًا في قرارة نفسه، مَنْ المالك الحقيقي للأرض، وهذه الحقائق الموثّقة قادت، وستقود حتمًا، لهِجْرات عكسية صهيونية جديدة نحو أوروبا وغيرها! الهِجْرات العكسية جزء من بشائر النصر الفلسطيني المرتقب، ودليل قاطع على أن الشعوب المتمسكة بحقوقها ستنتصر عاجلًا أو آجلًا!
540
| 06 ديسمبر 2025
أكدت اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، في المادّة (4) أن «أسير الحرب» هو أيّ شخص «ينتمي إلى القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، ويقع في قبضة الطرف الآخر، سواء كان مقاتلاً نظامياً أو متطوعا»! والتجارب المدفونة في بطون كتب التاريخ والواقع عَلّمتنا أن الحروب تنتهي، ولكن تبقى آثارها لسنوات وسنوات، ومنها معاناة المصابين بعاهات دائمة، والأسرى، والأرامل والأيتام وغيرهم من الضحايا! ورغم التوصل لاتفاق وقف القتال بغزة بين المقاومة الفلسطينية و»إسرائيل»، قبل بضعة أسابيع، إلا أن معاناة الأسرى داخل السجون «الإسرائيلية» لم تتوقف. وخلال الاتفاق الأخير أفرجت «إسرائيل» عن أكثر من (3985) أسيرًا، بينهم (486) أسيرًا محكوما عليهم بالمؤبد، و319 من ذوي الأحكام العالية، و114 امرأة، و297 طفلا! وتحتفظ «إسرائيل»، حاليا، بآلاف الأسرى، مع استمرارها باعتقالاتها العشوائية اليومية بعموم المدن المحتلة. وذكرت «جمعية نادي الأسير الفلسطيني» بموقعها الرسمي على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) بخصوص أعداد الأسرى الفلسطينيين الحاليين لدى «إسرائيل»، حتى ساعة كتابة المقال، بأنهم أكثر من (9250) أسيرًا، بينهم (49) أسيرة! ووثّقت وجود (3368) معتقلًا إداريًا، ونحو (113) أسيرًا من أصحاب الأحكام المؤبّدة، وما لا يقل عن (350) طفلاً وقاصراً، ومئات الأسرى المرضى داخل السجون «الإسرائيلية»! والأحكام «القضائية» في سجون الاحتلال «الإسرائيلي» قاسية لدرجة مذهلة، وهنالك مئات الأسرى حُكِم عليهم بعشرات الأحكام المؤبدة وبمئات السنين، وعلى رأسهم الأسير «عبد الله البرغوثي» المحكوم بالسجن (67) مؤبّدا، و5200 عام، وهو أطول حُكْم في التاريخ! وبعيداً عن «الظلم القانوني» التي يتعرّض له أكثرية المقاومين والأبرياء الذين اعتقلوا من منازلهم في المحاكم «الإسرائيلية»، فإن القانون الدولي يُشدّد على لزوم معاملة الأسرى معاملة حسنة تضمن حمايتهم وحقوقهم! وبيّنت اتّفاقيات جنيف الأربع المتعلّقة بحماية حقوق الإنسان الأساسية، وخصوصا الاتّفاقية الثالثة، جملة من حقوق الأسرى، ومنها الحق في المعاملة الإنسانية والحماية من التعذيب، الجسدي والنفسي، والتهديد والتمييز والإكراه أثناء التحقيق، والحق في الغذاء والرعاية الصحية، والتواصل مع الأهل والتمتع بالزيارات، والحق في الحماية من العقوبات الجماعية وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ولقد حاولت «إسرائيل» محاربة الأسرى الفلسطينيين بالعديد من الأسلحة المادية والمعنوية والنفسية ومنها حروب التجويع والأمعاء الفارغة، والتلاعب بنوعية الغذاء الضروري لدوام حياتهم، وذلك بعد أن تأكدت بأن وسائل تعذيبها الجسدي والفكري لم تُحقّق أهدافها في كسر إرادة الأسرى وعزيمتهم! وقد ركّز تقرير لصحيفة «هآرتس» العبرية، نُشِر يوم 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وعَنْوَنته: «يَموتون من الجوع ويحلمون بالطعام» على موضوع «الجوع داخل السجون الإسرائيلية»! وقالت الصحيفة: إنه، وبعد ثلاثة أشهر على قرار «المحكمة العليا الإسرائيلية» بتزويد الأسرى الفلسطينيين بكمية طعام مناسبة وكافية، يتّضح «من شهادات لأسرى داخل السجون عدم حدوث أي تغيير في توزيع الطعام»! وكشف التقرير أن كمّية الطعام التي يحصلون عليها، وفقا لمحام زار 53 أسيرًا في سجون متفرقة، قليلة ورديئة الجودة، وقد اشتكى بعضهم من «شعور دائم بالجوع»، وأنهم «تلقّوا طعامًا منتهي الصلاحية»! والغذاء ليس حاجة كمالية في حياة الإنسان بل ضرورة من ضروريات الحياة، ولا يُمكن أن تستمر حياة الإنسان بيسر وسهولة دون طعام كافٍ لأنه كما يُقال «بغير الطعام لا يحيا الإنسان»، وبهذا مَن يُحارب الإنسان بطعامه هو بالمحصلة يُحاربه في صحته، وفكره، ونفسيته، واستمرارية حياته! سياسة التجويع المتبعة في السجون «الإسرائيلية» واحدة من أدوات التعذيب القاتلة للأسرى، ووسيلة من وسائل الإيذاء الجسدي والنفسي والفكري للمعتقلين، وهي، أيضا، جريمة تُخالف القوانين الدولية والإنسانية المتعلقة بمعاملة الأسرى! محاولات «إسرائيل» تنفيذ إعداماتها «السرّية» للأسرى الفلسطينيين وبأدوات خفية وماكرة، ومنها التجويع، واحدة من أخبث الجرائم السوداء والضاربة للقوانين، والمؤكدة لأحقادها الدفينة ضد الإنسان! وهكذا تواصل «إسرائيل» حربها الشاملة المهلكة للفلسطينيين، ولا ندري متى سَتَكُفّ عن أساليبها الوحشية وهمجيّتها في معاملة الفلسطينيين في السجون والمعتقلات والمستشفيات والأسواق والمنازل والمعابر وفي عموم المدن المحتلة؟
537
| 28 نوفمبر 2025
تتنوع مُسمّيات (المطر) في لغة العرب تبعا لشدته وغزارته، ومنها الرشّ: وهو أول المطر، والطّلّ: المطر الضعيف، والرذاذ: المطر صغير القطر، والديمة: المطر يَطول زمانه في سكون، والغيث: المطر الغزير الذي يجلب الخير، والوابل: الغزير الكبير القطر، والطوفان: المطر الذي يُغرق الأرض، والمُحتَطِب: القالع لأصول الشجر، لقوته وشدة وقعه وسيلانه، والهَطِف: هو المطر الغزير ذو الصوت العالي، وغيرها من المسمّيات. والمدهش أن هذا المطر اللطيف المُنعش الذي يَسقط على شكل قطرات عندما تتشبع السحب بقطرات الماء والذي لا حياة للكائنات الحيّة من دونه يُمكن أن ينقلب من نعمة إلى بلاء كما في الطوفان، والظروف غير الجاهزة لاستقبال المطر الشديد كما في الخيام وبيوت الطين وغيرها من الظروف الإنسانية الصعبة والحرجة! وبعد اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية و»إسرائيل» تستمر تبعات الحرب، وربما، العقوبات «الإسرائيلية» ضد أهالي غزة وخصوصا في منعها توفير الضروريات الحياتية ومنها البيوت الجاهزة والخيام، وبالذات ونحن في بداية فصل الشتاء الذي يمتاز بقسوته وبرودته الشديدة في فلسطين! وبعد هطول الأمطار بغزة لبضع ساعات، الجمعة الماضية، انقلبت حياة مليون ونصف المليون إنسان رأسا على عقب! وشاهدنا عبر النقل التلفزيوني المباشر مئات الصور المليئة بالألم والأسى، وكيف أن مئات العوائل تعيش في الفلاة، وأطفالهم ينامون وسط خيام مُمَزّقة وبالية تُحيط بها مياه الأمطار، وحياتهم تفتقر لأبسط وسائل التدفئة، ولم يبق أي شيء داخل خيامهم بسبب غزارة الأمطار: لا غذاء، ولا فُرُش، وما يملكونه أُغرق بمياه الأمطار! ويبدو أن المساعدات التي أُدْخِلت لغزة اقتصرت، غالبا، على الخبز والماء وبعض المواد الغذائية، ولم تتضمن البيوت الجاهزة والخيام، وغالبية العوائل لا تمتلك المال المطلوب لشراء الخيام التي تُباع بالأسواق السوداء! مئات آلاف الناس يعيشون في أحياء غالبيتها غارقة بالمياه، وفي خيام بالية وعائمة وسط البِرَك، وشاهدنا بعض الأمهات يبكين ويصرخن حزنا وألما على أطفالهن وأحولهن، حيث الأطفال، والمرضى وكبار السن، ينامون على فُرُش بسيطة وبثياب خفيفة وبطانية واحدة والأمطار تهطل على خيامهم الممزقة، والرجال والشباب، الأقوياء والأصحاء، خلال ساعات هطول المطر يحاولون، عبثا، نزح مياه الأمطار! فأيّ حياة هذه! وكشف «محمود بصل» المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة بأن «نصف مليون عائلة بلا خيام»، وأنهم بحاجة للبيوت الجاهزة والخيام! وذكرت وكالة «الأونروا» أن الأمطار تزيد من صعوبة أوضاع غزة وأنها «بحاجة ماسة وعاجلة لمستلزمات الإيواء مع دخول الشتاء»! وقد غمرت المياه، كذلك، العديد من المستشفيات والمراكز الصحية وبينها مستشفيات أصدقاء المريض للأطفال، والرنتيسي والشفاء وغيرها من المستشفيات والمفاصل العامة والخاصة! وأكد المكتب الإعلامي لحكومة غزة أن 93 بالمائة هي نسبة الخيام غير الصالحة للسكن في القطاع، وبواقع 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفا! ودَمّر الاحتلال خلال طوفان الأقصى 90 بالمائة من البنية التحتية للقطاع، الذي يحتاج إلى 70 مليار دولار لإعادة إعماره، ودَمّر أيضا 268 ألف وحدة سكنية بالكامل، و148 ألفا بشكل بليغ وغير صالحة للسكن، و153 ألفا بشكل جزئي! وهذه الظروف القاسية دَفَعت المئات للتوجه إلى المباني التي لم تُهدم بشكل كامل، دون التفكير والاهتمام باحتمالية وقوعها عليهم في أي لحظة! وربما وصل الحال بهم، رغم إيمانهم النقي والرفيع، أنهم يدعون الله سبحانه وتعالى لإيقاف الرياح البحرية والأمطار التي تقتحم حياتهم وتهددها ليعيشوا بلا برد أو مطر! وسبق للاحتلال أن رفض 23 طلبا فلسطينيا وأمميا لإدخال المساعدات العاجلة للقطاع بما فيها الخيام، وكأن «إسرائيل» تحاول قتل المدنيين بالبرد مثلما قتلت أحبابهم بطائراتها المسيرة والصواريخ والدبابات! حرب غزة لم تتوقف، و»إسرائيل» بدأت صفحة جديدة من الحرب تتمثل في بقاء القطاع تحت رحمة المعابر والموافقات «الإسرائيلية» لفتحها! ينبغي على المجتمع الدولي ووسائل الإعلام المختلفة العمل لإنقاذ أهالي غزة قبل أن يقتلهم البرد والشتاء القارس عبر سياسة «إسرائيلية» مدبرة بعناية!
627
| 21 نوفمبر 2025
يعيش الإنسان حياته بين الأمل والقنوط، والقوة والضعف، والنجاح والفشل، والحب والكراهية، والسعادة والتعاسة، والسلام والحرب، والانتصار والهزيمة، والمقاومة والاستسلام! وأصعب المواقف الحياتية قد تكون في الظروف الصعبة، ومنها الحروب، حيث يستند الإنسان، رغم قساوة الواقع، على الأمل والقوة والنجاح والحبّ والسعادة والسلام والانتصار والمقاومة، ويصارع القنوط والضعف والفشل والكراهية والتعاسة والخراب والهزيمة والاستسلام! والمقاومة هي لغة عالمية تشبه الابتسامة التي تفهمها جميع الشعوب، وهي لغة جامعة بين الشعوب المحبّة للحرّية، والكفاح، والنضال، والتحدي، والرافضة للعبودية والذل والخنوع، والضعف والمهانة. وهذه المعاني الكريمة والنبيلة جمعت في العديد من المقاومات الحديثة في التاريخ الإنساني الحديث، ولكن يبقى للمقاومة الفلسطينية قدم السبْق على بقية المقاومات لعدة أسباب، وربما، من أهمها: - الثبات على المواقف، السياسية والدبلوماسية والميدانية والحياتية، والتحدي للظلم المتنوع الواقع على الإنسان والجماد دون استسلام رغم طول سنوات النضال ضد العصابات الصهيونية التي تحاول قلب الحقائق التاريخية. - اشْتِهار القضية الفلسطينية كأرض للأبطال، ومدرسة للرجولة، وكأن قَدَر هذه الأرض أن تكون مرجعية الصمود لجميع أحرار العالم. - مرابطة الشعب الفلسطيني في باحات الأقصى وعموم الأرض الفلسطينية وكأنهم يتجاهلون تلك الجيوش الصهيونية المدجّجة بأحدث الأسلحة حولهم! - الالتصاق بالأمل بروحية نادرة بحيث يرون النصر وسط الركام والحطام وجثث الشهداء وأنين الجرحى، ويقينهم بأن كل ذرّة من أرضهم، التي شهدت ما وقع على ذرّاتها من دماء وصرخات وبطولة، تروي حكاية من حكايات البطولة والرجولة! هذه القيم وغيرها مَيّزت المقاومة الفلسطينية عن بقية المقاومات في الوطن العربي والعالم. واليوم، وبعد ملحمة طوفان الأقصى، تبرز أمامنا ملحمة جديدة تتمثل في الصراع بين الحياة والموت، والثبات والاهتزاز، والصلابة واللين، والشجاعة والجبن، وهذه المعاني الرفيعة، الحياة والثبات والصلابة والشجاعة، جميعها ماثلة برجال الأنفاق المقاومين بمدينة رفح! وبعد وقف إطلاق النار بقي غالبية هؤلاء الرجال في المناطق التي انسحب إليها جيش الاحتلال «الإسرائيلي» وفقا للمرحلة الأولى من اتّفاق وقف إطلاق النار، والمعروفة باسم الخطّ الأصفر، وهنا بدأت المعضلة، حيث يتواجد العشرات من مقاتلي حماس داخل شبكات الأنفاق بعموم غزة، وهذه القضية تسببت بحالة من الربكة الاستخبارية والأمنية الصهيونية! ويرفض الجيش «الإسرائيلي» خروج هؤلاء الرجال بسلاحهم ويطالب باستسلامهم، وهذا ما ترفضه المقاومة بشكل قاطع، وهنا تكمن النقطة الحرجة التي يمكن أن تَتَسبّب بانهيار عموم اتفاق غزة لوقف إطلاق النار، والعودة إلى المربّع الأول! والأمر العجيب ليس بالموقف المحرج الحالي فقط، بل بالقدرة المذهلة لمقاتلي المقاومة على الصمود والاختباء داخل هذه المواقع لأكثر من عام ونصف العام، ومع ذلك لم يتمكن الجيش «الإسرائيلي» من العثور عليهم، والوصول لتلك الأنفاق رغم أنهم نبشوا الأرض شبرا شبرا، وما تركوا حجرا على حجر، فكيف تمكّن عناصر المقاومة من الاختفاء، والبقاء على قيد الحياة لأكثر من 500 يوم؟ هذه التطورات أدخلت قادة «إسرائيل» في حالة إنذار وربكة، وقد نقلت القناة الـ12 العبرية عن رئيس أركان الجيش «إيال زامير» تأكيده بأن «الأزمة يجب أن تنتهي إما بقتلهم أو باستسلامهم، واعتقالهم»! وأفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية بأن «زامير» مستعد للنظر في «إخراج المسلحين في رفح فقط مقابل استعادة رفات الضابط هدار غولدين المحتجز منذ 2014 بغزة». ولكن، ومع تسليم جثة «غولدين»، استمرّت التهديدات «الإسرائيلية» ضد رجال الأنفاق! وأعلن الجيش «الإسرائيلي»، الأربعاء الماضي، قتله 3 مسلحين برفح، وقالت القناة 15 العبرية «يُرجح أنهم من عناصر حماس العالقين بالأنفاق» وبعيدا عن كافة السيناريوهات المحتملة لمعركة الأنفاق أكد «محمد نزال» القيادي في حماس، 9 نوفمبر 2025، لفضائية «الجزيرة مباشر» بأن كتائب القسام حسمت موقفها بشأن مقاتليها بالأنفاق: «لن يَستسلموا، وسيُقاتلون حتى النهاية» وهكذا فقد علّمتنا فلسطين أن الحرية سلعة غالية، وأن الأمل يُزرع في قلوب الناس كما تُزرع الحبوب في الأرض حتى مرحلة جني الثمار والنصر النهائي.
738
| 14 نوفمبر 2025
الحديث عن المآسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بحاجة لمجلدات ضخمة، ولفرق توثيق وطنية وأجنبية، ولمؤتمرات ودراسات في الجامعات ومراكز البحوث والدراسات بسبب ضخامة الجرائم «الإسرائيلية» وبشاعتها وانتهاكها المستمر لحقوق الإنسانية!. ومنذ عقود تَدّعي «إسرائيل» بأنها «دولة ديمقراطية»، وهذا يعني أنها تحترم الإنسان، أي إنسان، وحقوقه، أما الواقع فإن المستوطن «الإسرائيلي» يحصل على الحقوق والمعاملة الإنسانية، أما الإنسان الفلسطيني، صاحب الأرض، فتُسلب حقوقه ويُعامل بوحشية مذهلة، وهذا قمّة النفاق السياسي. والإنسانية الحقيقية الصافية تَظهر في المواقف التي يكون فيها الإنسان بلا حول، ولا قوة، ولا ملجأ، ولا حيلة، وهذه جميعها تجتمع في ظروف الأسير، وخصوصاً الفلسطيني، الذي يُسحق ويهلك في ظلمات ودهاليز السجون والمعتقلات «الإسرائيلية»!. وتوجد عشرات السجون ومراكز التوقيف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها سجون بئر السبع المركزي، والنقب، ومجدو، وشطة، عوفر، وهداريم، والسجن السرّي رقم 1391، وغيرها من السجون العلنية والسرّية. وسبق لمنظمة «بتسيلم» الحقوقية «الإسرائيلية» أن كشفت بتقريرها الصادر في آب/ أغسطس 2024، الظروف اللا إنسانية التي يخضع لها أكثر من 10 آلاف فلسطيني داخل المعتقلات «الإسرائيلية»، وسَجّلت معاناتهم مع العنف والتعذيب والإذلال، وعنونته بعبارة: «مرحبا بكم في الجحيم»!. ويَتعرّض آلاف الأسرى الفلسطينيين بالسجون «الإسرائيلية» لمختلف أنواع جرائم التعذيب الممنهجة والمتنوعة والمتعمدة!. وشهدت «إسرائيل»، خلال الأسبوع الماضي، هَزّة أمنية وسياسية واستخبارية ضخمة على خلفية التحقيقات الجنائية مع كبار المسؤولين بالنيابة العسكرية، ومنهم المدعية العسكرية الأولى، اللواء «يفعات تومر يروشالمي» بعد اعترافها بالمسؤولية عن تسريب شريط فيديو يوثق قيام خمسة جنود بتعذيب مروع ومُرْعِب لأسير فلسطيني في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية، العام الماضي. وأعلنت اللواء «يروشالمي»، استقالتها من الجيش «الإسرائيلي»، في الأول من كانون الثاني/ نوفمبر الحالي، على خلفية التسريب الفيديوي، ولاحقا، وبعد أخبار عن فقدان الاتصال باللواء «يروشالمي»، وتوقعات بانتحارها، أعلنت الشرطة «الإسرائيلية» اعتقالها، الاثنين الماضي!. وقالت «يروشالمي» إنها «صادقت على إخراج مواد للإعلام لصَدّ دعاية كاذبة ضد جهات إنفاذ القانون في الجيش». وأكدت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» قيام الجنود بضرب السجين الفلسطيني ضرباً مبرحاً والاعتداء عليه بطريقة مقززة بعد إحضاره إلى مرفق الاحتجاز يوم 5 تموز/ يوليو 2024، مما «تسبب بكسور في الأضلاع وجروح متنوعة»!. واستنكر رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو نشر الفيديو، ووصفه بأنه «ربما، يكون أخطر هجوم دعائي تَعرّضت له إسرائيل منذ تأسيسها»، وأعلن إجراء تحقيق مستقل بالقضية، ولم يستنكر «نتنياهو» بشاعة محتوى الشريط. وكتب جندي «إسرائيلي» خدم في «سدي تيمان» مقالاً بصحيفة «هآرتس» العبرية في أيار/ مايو 2025، قال فيه: «سدي تيمان، معسكر تعذيب سادي، دخل إليه المعتقلون أحياء وغادروه في أكياس»!. وحسب تقرير المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، بخصوص السجناء: «أُجريت تحقيقات محدودة جداً حول ظروف الاعتقال الصعبة في السجون الإسرائيلية»، وبحسب أقوال الفلسطينيين فقد توفي 80 معتقلاً في السجون «الإسرائيلية» منذ بداية حرب غزة!. وقال عبد الناصر فروانة مدير الإحصاء بوزارة الأسرى الفلسطينية يوم 22 حزيران/ يونيو 2008م إن إحصائيات الوزارة تُفيد بأن 96 بالمائة من الأسرى تَعرّضوا للضرب، و94 بالمائة تَعرّضوا للوقوف فترة طويلة، و89 بالمائة تَعرّضوا للحرمان من النوم والطعام والشـراب. وبالمقابل اتّهمت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية إدارة سجن جلبوع «الإسرائيلي»، يوم ٨/٨/٢٠٢٥، بتكثيف «أساليب التعذيب بحق الأسرى الفلسطينيين». ووصف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، بداية شباط/ فبراير 2025 الظروف القاسية للأسرى الفلسطينيين بأنها «قبور للأحياء»!. وهذه الحقائق ليست مفاجئة لمَن يعرف التاريخ الصهيوني؛ لأن «إسرائيل» التي تقتل الأطفال والنساء الحوامل والشيوخ والمرضى والعاملين بالقطاعات الصحية والإغاثية أمام أنظار العالم لا يُسْتَغْرب منها أن تُنفّذ مثل تلك الجرائم البشعة بالغرف المظلمة. وهناك مقولة رائعة للناشط السياسي الأمريكي «مارتن لوثر كينج»، (1929 – 1968):(ليست المشكلة في قسوة العالم، بل في صمت الإنسانية). وهكذا فالمشكلة ليس في قسوة «إسرائيل»، بل في صمت الإنسانية.
552
| 07 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
702
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...
687
| 25 يناير 2026
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني...
672
| 28 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
633
| 22 يناير 2026
ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...
588
| 26 يناير 2026
بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت...
570
| 25 يناير 2026
لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...
543
| 22 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
459
| 21 يناير 2026
لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت...
453
| 25 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل...
435
| 28 يناير 2026
لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...
432
| 27 يناير 2026
سوريا ليست بلدًا قاحلًا، أو منزويًا في الخريطة...
411
| 23 يناير 2026
مساحة إعلانية