رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عند تناول الآثار الإستراتيجية المترتبة على عملية عاصفة الحزم فإن جملة من الحقائق والوقائع على الأرض لابد من التطرق إليها باعتبارها نقطة ارتكاز لدى المفكر الاستراتيجي العربي الذي يتعامل معها كمعطيات أولية لتحديد مساراته وبالنتيجة تمكينه من اتخاذ القرار الإستراتيجي الذي يخدم المصالح القومية..
الحقيقة الأولى/ لقد عجز النظام السياسي والدبلوماسي الدولي وما يرتبط به من معادلات ومصالح ونزعات اقتصادية عن التعاطي مع مستحدثات الربيع العربي وبالمقابل وقف النظام العربي عاجزا عن خلق أو تأطير أي مشروع نهضوي يوظف حالة الربيع لصالحه.
الحقيقة الثانية/ أن ما ترتب على الربيع العربي من فراغ في السلطة في بعض الدول عملت نظرية المصالح الدولية ومشاريع الهيمنة الإقليمية ومشروع الإرهاب الدوغمائي على ملئه بطريقة لا تقبل التجزئة لارتباط هذه المكونات بعضها ببعض سلبا أو إيجابا.
الحقيقة الثالثة/ أن الحالة العربية بقيت مرتكزة على نظرية الدولة الوطنية والدفاع عنها وفقا لعقلية القلعة لعدم وجود أي بديل جمعي للأمة في نظريات الدفاع فباتت تنتظر دورها في عملية وصول المشاريع الإقليمية أو الإرهابية إليها.
الحقيقة الرابعة/ أن نظام العدالة وفض النزاعات وحماية الإنسان في القانوني الدولي وقف عاجزا عن تقديم الحلول للتعاطي مع حالة الإقليم لأنه يميل في أصله للقواعد الاستعمارية.
الحقيقة الخامسة/ وعطفا على ما ورد أعلاه فلقد أضحت فكرة السيادة الوطنية عبارة عن فكرة قديمة لا تفي بالغرض مما جعل منها محض نظريات خيالية مهدرة ضمن إطار القانون الدولي الذي أفرغت قواعده من مضمونها وجرى إهدار جوهرها.
الحقيقة السادسة/ أن المشاريع الدولية والإقليمية والإرهابية تستند إلى عمليات توظيف واصطفاف طائفي أو عرقي تحرق الأخضر واليابس في عمليات إعادة توزيع مناطق النفوذ والهيمنة لا وبل تشكيل خريطة جديدة تزول بموجبها دول وتنشأ أخرى أو يتم تغيير خريطتها زيادة أو نقصانا.
الحقيقة السابعة/ لقد فشلت جميع مساعي الحل السلمي لجميع قضايا المنطقة قديمها وحديثها..
إزاء هذه الحقائق وقفت الأمة العربية أمام خيارين لا ثالث لهما فإما استمرار حالة الرضوخ فالانهيار للدول تباعا بعد فرض المشاريع المذكورة هيمنتها أو وصايتها عليها، أو نفض الأمة العربية ركام الغبار عن حالتها الوجودية لفرض قواعد عمل جديدة في الإقليم وفي نظريات إدارة الصراع فإما أن تقوم بعملية تنفيس واحتواء للصراع أو أن تعمد إلى تضخيم وتفجير الصراع وحيث أن خيار الاحتواء بات متعذرا وفقا لتسلسل الأحداث وجملة المعطيات والحقائق أعلاه وتبلور مشاريع الهيمنة على الأمة وعلى مقدراتها وتهديد هويتها لا بل ووجودها كله كانت النتيجة الطبيعية هي (عاصفة الحزم)..
بصراحة متناهية ووضوح ومباشرة نقول إنه لا حاجة لنا ولا عبرة ولا إنتاجية لتبرير هذا العمل العسكري المبارك ضمن نطاق قواعد القانون الدولي لعجزها عن حماية شعبنا في سوريا ومن قبله في فلسطين أو حتى محاولة شرعنته ضمن نطاق ميثاق الجامعة العربية باعتباره الوجه الآخر لنفس العملة الدولية التي عجزت عن حماية الحقوق العربية على مدار تاريخنا المؤلم لا بل ووضعت قيودا على مدى إمكانية حماية شعوبنا المضطهدة، فهذه العملية هي إفراز طبيعي وردة فعل على الحالة الشاذة في الإقليم كانت حتميتها العسكرية عبارة عن مسألة وقت ويكفي فيها مبررها الأخلاقي الذي ينهض بذاته سببا كافيا للشرعية عند عجز أو عدم كفاية قواعد القانون الدولي وباختصار نقول إن الأمة العربية لم تعد معنية كثيرا بقواعد دولية لا تحقق الحد الأدنى المتيقن من العدالة في المنطقة..
نشير هنا إلى مسألة غاية في الأهمية ونلفت انتباه الإعلام العربي تحديدا إليها وهي أن ولادة نظرية جديدة للقوة العربية فيما بات بالإمكان تسميته (بمبدأ سلمان - الحزم) قد جرى فيه نقل الأمة بكاملها من المفعول به للفاعل ونحن نتحدث هنا عن إعادة تموضع قومي يتجاوز حدود ومفاهيم الدولة الوطنية لذا كان من الخطأ الجسيم بمكان أن يتم اختزال هذا الحدث (التاريخي) بالسعودية (الأم) بوصفه حربا في اليمن لأننا بتنا اليوم نتحدث عن ولادة نظام عربي جديد تكون فيه (الأم) عمود الخيمة والرافعة المتينة الراسخة للخيمة العربية التي لا يمكن أن تكتمل صورتها دون أوتاد وخيوط تشكل النسيج العربي ككل وعليه فلابد للإعلام العربي من إعادة صياغة مفرداته بهذا الاتجاه الأوسع لكي لا يتم تقزيم الآثار الإستراتيجية الكبرى المترتبة على تشكل هذا النظام الجديد وما أستحدثه على المنطقة والتي يمكن بيان أهمها بما يلي: -
أولا/ ولادة القوة بمواجهة الهيمنة والإرهاب
إن أي تغيير لا يمكن أن ينشأ إلا عن حالة قوة تفرض هذا التغيير كواقع على الأرض وتحمي وجوده وتعطيه شرعية الاستمرار القادر على ملء الفراغ الناشئ عن تفكك الدولة الوطنية للتصدي لعمليات الإحلال الحضاري الطارئ - غير العربي - على هوية المنطقة أو التفكيك الخشن لعمليات الإسقاط بالبراشوت للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود والتي حاولت فرض مفاهيم وأدوات وحدود جديدة في المنطقة.
ثانيا/ إزاء الفشل الأخلاقي والقانوني والسياسي والدبلوماسي لقواعد العمل الدولي ومنظماته ومؤسساته وأشخاصه في حل مشاكل الإقليم فإن حالة القوة العربية الوليدة تستمد شرعيتها من ذاتها وواقعها باعتبارها البديل الأخلاقي الواقعي لإنهاء مشاكل الإقليم فتعمل على إخماد الصراع غير الأخلاقي في البؤر المتوترة أو المشتعلة مثل سوريا والعراق..
ثالثا/ أن القوة تخلق قواعدها بنفسها فتفرض معادلات جديدة في المنطقة والعالم وهي تتجاوز حدود فكرة السيادة التي باتت وهمية وتشرع للتدخل ضمن النطاق الحيوي لنظريات الأمن القومي العربي والذي يتجاوز فيها هذا النطاق فكرة (من المحيط للخليج) لتصبح متعدية لتطال الإرهاب بضربه وتفكيكه في العالم كله أو التأثير الدولي على مصالح الغير فيما إذا حاول العبث بالداخل العربي وهنا فعلى الغير اتباع ما ينشأ عن أفعال القوة بمفهومها الواسع وأثر استخدامها لأن القبول بنتائجها من عدمه سيان بالنسبة لمن يملكها ولديه القدرة على استخدامها باعتبار كل ما ينشأ عنها وتفرضه على أرض الواقع يمثل حالة الشرعية وعلى الغير التكيف مع الواقع الجديد..
رابعا/ أن القوة كحالة عربية هي الوحيدة القادرة على إعادة التوازن للمنطقة والأخذ بزمام المبادرة والانتقال من حالة المفعول به للفاعل مما يعني إجبار المجتمع الدولي على القبول بقواعد جديدة في العمل الدولي يفضي إلى تطوير قواعد القانون الدولي وأدواته لأنه قد ثبت أن هذه القواعد وما ينشأ عنها من أداوت كانت ولا تزال عاجزة أمام إنصاف الأمة العربية في قضاياها وكذلك وقفت عاجزة عن التعاطي مع ما نشأ من واقع على الأرض بعد الربيع العربي لاسيَّما فيما يتعلق بقضية الإرهاب الذي أخذ شكلا وحجما وتأثيرا أكبر من بعض دول المنطقة..
خامسا/ أن فكرة القوة العربية لا تتوقف عند حالة الدفاع بل هي متعدية وهجومية عند اللزوم قادرة على ملء أي فراغ ينشأ عن غياب سلطة الدولة الوطنية أو انهيارها لحماية سقوط أي دولة في حالة الفوضى أو استعادتها من الفوضى ومنع توظيف حالة انهيارها لتصبح ورقة تفاوض لدى الغير وبهذا المعنى تصبح الدولة الوطنية جزء من معادلة التفاوض مع الغير كطرف يضع شروطه على الطاولة وهنا يبرز اتجاهان الأول متعلق بتراجع فكرة السيادة الوطنية متى ما كانت على حساب الأمن القومي لتنصاع لمتطلباته والثاني أن الأمن القومي العربي هي فكرة موضوعية مجردة وبالتالي لا يمكن أن تنحاز لحالة أو تركيبة أو فكرة طائفية أو عرقية بل تواجهه ومن هنا فعلى الجميع الاستعداد لفكرة التدخل في سوريا والعراق لتفكيك الاصطفاف الطائفي ووقف التطهير العرقي الحاصل كضرورة وكنتيجة حتمية لولادة القوة الجديدة..
سادسا/ تعريب منطق القوة في المنطقة بعد أن كان حكرا على التدويل بإحياء التضامن العربي الذي تفكك وانهار عام 1990 بعد احتلال صدام حسين للكويت وهو يأخذ شكلا جديدا يتجاوز فكرة التضامن التقليدية وصولا للتحالف الفعلي على الأرض المنشئ لقوة إقليمية ومنظومة دفاع وردع وهجوم افتقدتها الأمة العربية عبر العقود الماضية منذ العام (1973) تمهد لحل المشاكل العربية ضمن النطاق العربي بعيدا عن التدخل الدولي الذي أنهك المنطقة وترك فراغا أو صراعا بعد انسحابه وانقضاء مصالحه وسيساهم ذلك في تشكيل أدوات جديدة كتعبير عن حالة القوة مثل محكمة العدل العربية ومجلس الأمن العربي وتفعيل أدوات سابقة مثل الجامعة العربية مما سيؤدي إلى تغيير نوعي في خريطة السيادة والنفوذ في المنطقة والعالم في حال أدير ملف القوة بما يليق به..
سابعا/ لعل من أبرز وأهم النتائج والآثار الاستراتيجية المترتبة على ولادة القوة العربية هي استعادة رجل الشارع العادي ثقته بالعسكرية العربية وشعوره بالطمأنينة من وجود قوة تحمي وجوده ومكتسباته بعد العبث الذي حصل في الإقليم
قبل الختام نشير إلى ثلاث نقاط غاية في الأهمية لن يكتمل من دونها مشهد ومنطق وتحولات القوة العربية وحيث أن عدم مراعاتها سيكون لها عواقب وخيمة جدا على مستقبل الأمة العربية وهي: -
النقطة الأولى/ لا يمكن السماح بتعطيل أو تأجيل أو فشل ولادة القوة العربية فوضع مقررات القمة موضع التنفيذ واستكمال المشهد اليمني وعاصفة الحزم حتى تحقيق كامل أهدافها على الأرض وفرض الولاية العربية على التراب العربي هو استحقاق وليس خيار ولابد لذلك من نجاح أول تجربة حقيقية في هذا الاتجاه ووضع اليد على كامل التراب اليمني بأيد عربية فالإخفاق في اليمن يعني أمرا واحدا هو فشل منظومة القوة العربية التي ستقود لنهاية النظام العربي بشكله الحالي واستفراد قوى إقليمية أخرى بالمشهد لذلك فأن التدخل البري أمر لا مفر منه وهو مسألة وقت..
النقطة الثانية/ لابد من نزع فتيل الأزمات المتوقعة وأسباب الخلاف الحالية في الشأن المصري ولا يمكن بقاء الوضع المصري محل تناقض أخلاقي وسياسي لذلك فعلى جميع الأطراف المعنية بنجاح منظومة القوة العربية والمؤثرة في المشهد المصري أن تسعى لإجراء مصالحة وطنية تاريخية يصار فيها إلى إعادة تنظيم الأخوان للانخراط في العملية السياسية المصرية بشكل سلمي تعددي ديمقراطي وعندما نتحدث بمنطق المصالحة فنحن نتحدث عن تنازلات من جميع أطراف المعادلة المصرية الوطنية..
النقطة الثالثة/ الأردن.. عليكم بالأردن فعضوا عليه بالنواجذ وأدركوه قبل أن يدركه ما يخشى عليه من تشيع سياسي فهو يعيش ضمن معادلات صعبة ومعقدة .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026