رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق لنا وأن بينا، في مقال سابق، بأن الأزمات في الغالب هي أزمات فردية، تلم بفرد أو مؤسسة أو شركة دون سواها، ولا تتسم بصبغة جماعية وشاملة. إلا أنها في حالات نادرة، قد تصيب وتهدد وطناً بأكمله، وتصبح أزمة كونية شاملة وعابرة للقارات والحدود، وأعمق أثراً. وقد تقضي على كيانات ودول، إذا لم تكن مؤسسات قيادة تلك الدول ومجتمعها قادرين على إدارة الأزمة. وتقدم الحرب على إيران، وعدوانها الغاشم، ومحاولتها لاستدراج دول الإقليم، مثالاً لتك الأزمات.
كما أوجدت هذه الأزمة نمطاً جديداً من الأزمات، وهو الأزمة الشاملة المركبة. التي امتدت لجميع أنحاء العالم، وتوسع طيف تأثيرها أفقياً وعمودياً، وهددت النظام العام والمصالح العامة والخاصة في جميع الدول على حد سواء.
لا يوجد في الأدبيات أو المراجع المتخصصة، تعريفاً للأزمة الكونية الشاملة، نظراً لندرتها. وقد استخدمنا مصطلحا كونيا كمرادف لتعبير عالمي للتعبير عن الشمولية. لذلك نعرف الأزمة الشاملة المركبة بشكل عام، على أنها «بروز تهديدات، ومخاطر مفاجئة وضاغطة وداهمة ومستمرة، في جميع الدول والكيانات والأقاليم. بحيث تهدد تلك الأزمة النظام العام (الأمن العام، السكينة العامة، والصحة العامة) وتهدد المصالح والقيم إنما بمقاييس عالمية.
تعتبر إدارة الأزمات اختباراً صعباً للقيادة والمجتمع، وتظهر المهارات القيادية الحقيقية، والقدرة على التصرف بسرعة وجدارة، وحكمة والقدرة على تدوير الزوايا الحادة للأزمة، لإيجاد حلول جذرية للمشاكل الناجمة عن تلك الأزمات.
وعلى أرض الواقع، فقد اختبرت القيادة القطرية سابقا. في هذا المجال، وذلك أبان الأزمة الأخيرة الناجمة عن فرض الحصار الاقتصادي على دولة قطر. الذي قدمت فيه دولة قطر، وسكانها نموذجاً يقتدى به للادارة الرشيدة، وإدارة الأزمات الوطنية، حيث أظهرت حكومة دولة قطر، مستوى غير مسبوق من الحكمة والتعقل والانضباط والصبر والإيمان، وعدم التعامل برد الفعل أو بالمثل.
هذا مما يؤهل القيادة القطرية للنجاح في مواجهة الأزمة الحالية متقدمة بذلك على الآخرين في الإقليم. وقد تجلى ذلك بعدم التعامل برد الفعل أو بالمثل، والحكمة في ردع العدوان وعدم السماح بانتهاك السيادة الوطنية.
حيث تم تشكيل هيئة عليا وفعالة لإدارة الأزمات، وذلك لضمان التزام جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات بالالتزام التام.
تلك الهيئة التي باشرت بوضع وتنفيذ خطط وإجراءات احترازية وقائية وعلاجية في ان واحد. وذلك بالتزامن مع اعتماد الحكومة رزم انعاش طارئ للشركات والمؤسسات المالية، والاقتصادية، والإنتاجية، والخدمية. منها على سبيل المثال قرار المصرف المركزي بتخفيض نسبة الاحتياطي القانوني للبنوك من 4،5% إلى 3% بهدف توفير السيولة اللازمة لإنعاش الاقتصاد ولدعم القطاع الخاص. هذا بالإضافة إلى تسهيلات أخرى دون رسوم إضافية.
كما نجحت قطر بإعادة إنتاج وتصدير الغاز المسال، من مشروع جولدن باس، وهو مشروع مشترك مع إكسون موبيل على الساحل الأمريكي، تمتلك قطر ما نسبته 70%.
برأينا انه قد نجحت القيادة والمجتمع في إدارة الأزمة الراهنة وذلك من خلال تنسيق جهودهما ضمن خطط محكمة وعقلانية انسجمت مع تلك الخطط. حيث تمكنت القيادة من السيطرة على الأزمة، وذلك بجهد علاجي وعمل تنظيمي قيادي وتنسيقي لتبادل المعلومات والاتصالات بين وحدات القيادة وأجهزة الأمن الوطني، والأمن الغذائي، والجيش والشرطة وجهاز الصحة العامة، وطواقم الإسعاف والدفاع المدني ومؤسسات المجتمع المدني التطوعية والإعلام.
المسؤولية المجتمعية:
غنى عن القول، ان أزمة كونية شاملة تتطلب حشد جميع موارد المجتمع وتسخيرها لإنجاز المهمة الصعبة لضمان حماية النظام العام. لذلك ودون تردد تجسدت المسؤولية المجتمعية بأبهى صورها حيث قام غالبية أفراد المجتمع مواطنين ومقيمين كل من موقعه لحماية مصالح المجتمع وممتلكاته وقيمه، والحفاظ على النظام العام بعناصره الأمن والسكينة العامة والصحة العامة».
وقد كانت هذه الأزمة، اختباراً للمسؤولية المجتمعية، ومدى التزام أفراد المجتمع بالعقد الاجتماعي العرفي. وقد شكلت هذه الأزمة منصة لانطلاق المسؤولية المجتمعية، كما اندمجت المسؤولية المجتمعية في منظومة الأمن الوطني. كما أود أن أشيد أيضاً بالانضباط العام الذي أظهره سكان دولة قطر من مواطنين ومقيمين، بمبادراتهم المتعددة والمتممة لخطط مواجهة الأزمة. على سبيل المثال مشاركة رسائل تدعو إلى ترشيد استهلاك الماء والكهرباء.
على الرغم من قساوة الأزمات، إلا أنها تحصن الكيان أو الدولة التي تضربها، إذا ما كانت هيئة إدارة الأزمة مؤهلة، وترفع من مناعتها تجاه أزمات جديدة. وهذا واقع الحال في دولة قطر.
و»إِنَّ خَيرَ مَنِ استَئْجَرْت الْقَوِى الأَمِينُ» (القصص 26).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4488
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4221
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2445
| 07 مايو 2026