رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كسرت ثورة يناير في مصر حاجز الخوف وعرف الشعب طريق التمرد وحقق به إزاحة رأس النظام، وتجاوز احتمالات إخضاعه، ولكن نتيجة أخرى تلح أمام أعيننا أن حالة من الخرف أصابت اللغة والعقل، فرضت على المجتمع قضايا لم تكن في حسبانه أو من صميم معاناته التي دفعت به إلى الانفجار في مواجهة النظام القائم، وصار ضجيج هذه القضايا المستحدثة يعمي الأبصار عن حقائق ما يدور من حوله، وأثارت من الشقاق والانقسام والإحباط أكثر من تثبيت لحظة امتلاك الإرادة والسعي لتحقيق أن تكون إرادة الشعب هي مصدر السلطات.
انشغل المصريون بفتاوى تحريم أكل الفسيخ والبيض الملون والبصل في مناسبة يوم شم النسيم، وفتاوى تحريم تهنئة المسيحيين المصريين بعيد القيامة المجيد، وبلغت قعقعة الفتاوى مداها، وكانت ستارة الدخان تخفي حقائق ما يجري فوق الأرض، ومن حولهم، ويهدد وجودهم ذاته.
وقبل أن ينتهي حديث الفسيخ والبيض الملون في مصر، كانت إسرائيل تقصف مواقع عسكرية ومدنية على مسافة 12 كيلومترا من دمشق، ويقول أوباما كما نتنياهو "بحق إسرائيل في الدفاع عن أمنها القومي"، ويتحدث مصدر إسرائيلي أن الهجوم الثاني خلال ثلاثة أيام يستهدف منع وصول صواريخ إيرانية إلى حزب الله، وغير هذا مازال الحديث عن خطر تسرب مخزون الأسلحة الكيميائية إلى أيد "إرهابية"، أي أن كل الاحتمالات مفتوحة وبنك الأهداف والتبريرات يتسع وبلا أفق، وأيضا بلا رادع.
ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، لا يعني علي الإطلاق أن حركة الشعوب ضد الاستبداد لم تكن تحمل شرف الوطنية، وأنها صناعة خارجية، وأن الشعوب كانت محل الخداع، وانساقت تؤدي دورها في مؤامرة علي المنطقة العربية مسلوبة الإرادة. ولكن حركة الشعوب وما حملته من مفاجآت والأهداف التي أعلنتها، استدعت التحول في المواجهة بإطلاق تحالف "أمريكا ـ الناتو ـ إسرائيل"، كل خططه وترتيباته وليستخدم كامل أسلحته.
كما أشار العديد من المحللين أن خطط الناتو كانت توزع المهام على أعضائه، التدخل في ليبيا يكون مسؤولية فرنسا وإنجلترا وإيطاليا، والتدخل في سوريا يكون مسؤولية تركيا، ولم نلحظ في الأحاديث من يتولى أمر مصر إن لزم الأمر التدخل، ولم يذكر أحد أن الشريك الأساس في كل ذلك هي إسرائيل. ولم يتكشف دور أجهزة المخابرات و "تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية".
تفكيك الدولة في مصر لم يلبث أن وجد له ظهيرا في مقالة عميقة نشرها البروفيسور مايكل شوسودوفسكي علي موقع جلوبال ريسيرش بتاريخ 24 يناير 2013 تحت عنوان "محو الدول عن الخارطة": من ذا يُفشِل "الدول الفاشلة"؟
ينقل عن البروفيسور إريك واندل: "لقد هاجمت الولايات المتحدة، على نحو مباشر أو غير مباشر، نحو 44 بلداً في العالم منذ عام 1945، بل إنها هاجمت بعضها على نحو متكرر. وكان الهدف المعلن لتلك التدخلات العسكرية إحداث "تغيير في نظام الحكم". وفي كل الحالات كانت تستخدم ذرائع "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" لتبرير تلك الأعمال الأحادية غير القانونية.
وينقل عن الجنرال ويسلي كلارك "هذه مذكرة "للبنتاغون" تصف كيف سنقوم باجتياح سبعة بلدان خلال خمس سنوات، بدءاً بالعراق ثم سورية، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وانتهاء بإيران. قلت هل هي سرية للغاية؟ قال "نعم يا سيدي"، فقلت إذن لا ترني إياها".
ويضيف حول مصطلح "الدول الفاشلة"، "يتوقع" تقرير التوجهات العالمية (ديسمبر 2012) الصادر عن مجلس الاستخبارات القومي في واشنطن، أن تتحول 15 دولة في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط إلى "دول فاشلة" بحلول العام 2030 كنتيجة للمنازعات المحتملة والمعضلات البيئية.
وتشمل قائمة البلدان في تقرير المجلس لعام 2012 كلاً من أفغانستان، النيجر، مالي، كينيا، بوروندي، إثيوبيا، رواندا، الصومال، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ملاوي، هايتي، اليمن.
وفي تقريرها للعام 2005 والذي نشر عشية التجديد للولاية الثانية للرئيس بوش، توقع مجلس الاستخبارات القومي أن تصبح الباكستان دولة فاشلة بحلول العام 2015 تحت تأثير الحرب الأهلية والطلبنة والصراع من أجل السيطرة على الأسلحة النووية.
وقورنت الحالة الباكستانية وقتها بيوغسلافيا التي تشظت إلى سبع دول تابعة بعد عقد من "الحروب الأهلية" التي رعاها وأدارها الناتو والولايات المتحدة.
وفيما يشير إلى أن الدول الفاشلة تصبح ملاذاً آمناً للمتطرفين دينياً وسياسياً، فإن التقرير لا يعترف بحقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد دأبت منذ السبعينات من القرن الماضي على تقديم الدعم السري لقوى التطرف الديني كوسيلة لزعزعة استقرار دول وطنية علمانية.
الدول الفاشلة من الطراز اليوغسلافي أو الصومالي ليست نتيجة للانقسامات الاجتماعية الداخلية، بل هي هدف استراتيجي تم تحقيقه عبر العمليات السرية بما في ذلك العسكرية.
يقوم صندوق السلام Fund for Peace في واشنطن المتخصص في "الأبحاث من أجل الأمن المستدام" سنوياً بنشر مؤشر الدول الفاشلة Failed States Index بالاستناد إلى تقييم المخاطر. ثمة 33 دولة جرى تصنيفها كدول فاشلة (ضمن فئتي الإنذار Alert أو التنبيه Warn). وأن "الدول الفاشلة" هي أهداف للإرهابيين المرتبطين بالقاعدة.
ويأتي التصنيف التراتبي السنوي لصندوق السلام ومجلة فورين بوليسي للدول الفاشلة والهشة بمؤشرات عالمية مثيرة للقلق في وقت تتصاعد فيه المخاوف الدولية من إقامة المتطرفين المرتبطين بالقاعدة دويلة حاضنة في شمال مالي لتوسيع نشاطاتهم الجهادية.
وبطبيعة الحال، لم يشر التقرير إلى تاريخ القاعدة بوصفها أداة استخبارية أمريكية أو إلى دورها في نشر الانقسامات والاضطرابات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا، حيث تشكل نشاطاتها في معظم هذه المناطق جزءاً من الأجندات الاستخبارية السرية الشيطانية.
من هذا التقرير الدراسة، الأمر لم يعد مجرد مصالح بالمنطقة العربية، ولكنها لعبة أمريكا في إفريقيا وآسيا، للوصول إلى الخصم المباشر في الصين عبر شبه القارة الهندية، ولإقرار أن القرن الواحد والعشرين هو القرن الأمريكي.
العالم الثالث ارض صراع، والكل أدوات، والقطب الذي يحقق النتائج هو أمريكا، وتكشف الدراسة الثانية الوجه القبيح للأدوات الأمريكية، بعيدا عن أمريكا مراكز البحث والتخطيط والظاهر من سلوكيات الإدارة وحتى العلم والشعب، ويكتب البروفيسور شوسودوفسكي دراسته الثانية تحت عنوان "فرق الموت الأمريكية"، ويحدد فيها.
يعتبر توظيف فرق الموت جزءاً من الخطة الاستخبارية - العسكرية المحكمة للولايات المتحدة الأمريكية. فتاريخ الولايات المتحدة الطويل والرهيب في التمويل السري ودعم كتائب الموت والاغتيالات المستهدفة تعود إلى الحرب الفيتنامية.
وقد صممت عمليات تشكيل وتدريب كتائب الإرهاب في البداية بالعراق على غرار "الخيار السلفادوري"، وهو "نموذج إرهابي" لعمليات قتل جماعية تنفذها فرق للموت كانت ترعاها الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى. وقد طبقت بداية في السلفادور، في أوج المقاومة ضد الديكتاتورية العسكرية هناك، بدء تأسيس فرق الموت في العراق خلال الأعوام 2004 – 2005 بمبادرة قادها السفير الأمريكي جون نيغروبونتي. وهو "الرجل المناسب للمهمة". فبصفته سفيراً للولايات المتحدة في هندوراس ما بين 1981 – 1985، لعب الرجل دوراً رئيساً في دعم وتوجيه عصابات الكونترا النيكاراغوية المقيمة في هندوراس، وكذلك الإشراف على فرق الموت الهندوراسية.
وبذات المنهج جرى "تشكيل قوات ضاربة من المقاتلين الأكراد والشيعة لاستهداف قادة التمرد "المقاومة" في نقلة نوعية تحاكي جهود مكافحة رجال العصابات اليساريين في أمريكا الوسطى قبل عشرين عاماً".
ففي إطار ما سمي "الخيار السلفادوري"، ستكلف القوات العراقية والأمريكية باختطاف وقتل قادة التمرد، بل وحتى مطاردتهم في سورية، حيث كان بعضهم يقيمون كلاجئين.
ونظراً لما كانت تثيره أعمال فرق الموت تلك من حساسيات، فإن معظمها سيبقى طي الكتمان.
وفيما الهدف المعلن للـ"الخيار السلفادوري في العراق" كان "القضاء على التمرد"، فإن كتائب الإرهاب المدعومة أمريكياً انخرطت في أعمال قتل روتينية للمدنيين بهدف إثارة العنف الطائفي. وبدورهما، فإن جهازي الاستخبارات الأمريكية CIA، والبريطانية MI6 كانا يراقبان عن كثب وحدات "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" المنخرطة في الاغتيالات المستهدفة للشيعة. والأمر اللافت، أن فرق الموت كانت مدمجة وتتلقى التوجيه من القوات الخاصة الأمريكية على نحو سري.
وضم نيغروبونتي إليه روبرت ستيفن فورد، الذي يتقن العربية والتركية، وهو السفير الحالي لأمريكا في سوريا منذ يناير 2011.
كُلف نيغروبونتي وفورد بتجنيد فرق الموت العراقية. وفيما قام نيغروبونتي بإدارة العمليات من مكتبه في السفارة الأمريكية، عُهِدَ إلى روبرت فورد، بمهمة التأسيس لعلاقات إستراتيجية مع مجموعات المليشيا الشيعية والكردية خارج "المنطقة الخضراء".
روبرت فورد واحداً من فريق بالخارجية الأمريكية اضطلع بالإشراف على تجنيد وتدريب الكتائب الإرهابية، إلى جانب كل من دايريك شوليه وفردريك سي. هوف، شريك أعمال سابق مع ريتشارد إرميتاج، والذي عمل كمنسق واشنطن الخاص للشؤون السورية. وعُيَن دايريك شوليه أخيراً في منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي.
وقد عمل هذا الفريق تحت قيادة جيفري فيلتمان. الذي عين مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية (يونيو 2012)، وهو منصب استراتيجي يُعنى عملياً بصياغة جدول أعمال الأمم المتحدة (بالنيابة عن واشنطن) حول قضايا تتعلق بـ"حل النزاعات" في العديد من "النقاط الساخنة سياسياً" حول العالم "بما في ذلك الصومال، لبنان، ليبيا، سورية، اليمن، ومالي". وللسخرية المريرة، فإن البلدان التي تشكل موضوعاً لـ"حل النزاعات" بالنسبة للأمم المتحدة، هي ذاتها التي تستهدفها الولايات المتحدة بالعمليات السرية.
الأسماء والمناصب ومجموعات العمل تؤكد أن خطط أمريكا لا تتغير بتغير الإدارة.
تفكيك الدولة ليس أمرا عارضا في مصر، هو داخل ذات الإستراتيجية، وبذات الأدوات، والحفاظ علي الجيش المصري والأجهزة السيادية يجب أن يكون حاضرا في الوعي، وتقدير الموقف للوقائع من حولنا يجب أن يتسع لها الأفق، حتي لا تأخذ الدعايات بأمننا القومي، ولعل المصريون يتذكرون أن بوابة مصر الشرقية هي الشام، وأن إسرائيل هي المصدر الرئيس للخطر، وأن نميز بين قنابل الدخان وبين صلب الأهداف الوطنية، ووحدة المصير القومي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8385
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4824
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
990
| 02 أغسطس 2026