رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

123

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مضيق باب المندب

09 أغسطس 2026 , 01:00ص

منذ قديم الأزمان، وحكايات الأساطير والخوف الدفين تنتاب البحارة عند قدومهم قديماً للندب من هذا الباب البحري؛ إذ تُرجع الروايات التاريخية والشعبية سبب تسميته إلى أهوال الأمواج العاتية لبحر العرب المشترك مع المحيط الهندي والتي لطالما ابتلعت السفن، محولةً عبوره إلى مغامرة محفوفة بالموت، أو نسبةً إلى «الدمع» حيث السفن التي تقطعت بها السبل، أو القصص التاريخية لزلزال عظيم شق قارتي آسيا وأفريقيا. لم يكن هذا الممر المائي مجرد مسار بحري عادي، بل كان عبر العصور شرياناً حضارياً؛ فقد استُخدم المضيق فيما قبل التاريخ كجسر ضحل لعبور الهجرات البشرية الأولى من إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية وبقية آسيا، وتنافست عليه الإمبراطوريات القديمة والحديثة، من الفراعنة والرومان إلى القوى الاحتلالية الكبرى، حيث سعى البرتغاليون للسيطرة على مداخل البحر الأحمر وباب المندب للتحكم بطرق التجارة الآسيوية ومنع التجارة الإسلامية. كما احتلت بريطانيا مدينة عدن عام ١٨٣٩، ثم سيطرت على جزيرة ميون (بريم) الاستراتيجية في قلب المضيق عام ١٨٥٧ لتأمين طريق مستعمراتها في الهند بعد افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩.

لا تقتصر أهمية المضيق على إرثه فحسب، بل تمتد لتتجسد في واقعه المعاصر الذي ارتبط طويلاً بتحديات أمن البحار؛ فقد برزت أزمة القراصنة قبالة السواحل الصومالية واليمنية كواحدة من أبرز التهديدات التي استهدفت هذا الممر الحيوي، مما دفع المجتمع الدولي إلى حشد أساطيله العسكرية تحت مظلة التحالفات الدولية لحماية خطوط الملاحة. ومن رحم تلك الأزمات الأمنية يعيد التاريخ نفسه، ليتحول المضيق والضفة المقابلة له -التي تضم اليمن، جيبوتي، إريتريا، وإقليم أرض الصومال - (شمال الصومال) إلى مسرح استراتيجي للتنافس الدولي والإقليمي على إنشاء القواعد العسكرية وتأمين موطئ قدم دائم.

وفي هذا السياق الجيوسياسي المحتدم، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ رسمياً الاعتراف بإقليم أرض الصومال (صومالي لاند) دولة مستقلة ذات سيادة، ليصبح الكيان الإسرائيلي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة منذ إعلان الإقليم انفصاله ذاتياً عام ١٩٩١. وقد أدت هذه التشابكات الدولية إلى إعادة صياغة التحالفات السياسية؛ إذ تحول المضيق إلى ساحة صراع نفوذ وأوراق ضغط تستخدمها القوى الكبرى لحماية أمنها المائي وقنوات إمدادها. أما على الصعيد الاقتصادي العالمي، فيشكل المضيق الشريان النابض الذي تترابط عبره التجارة وناقلات الطاقة بين الشرق والغرب. بيد أن تعارض المصالح الدولية، وتصاعد التوترات الأمنية والعسكرية الحديثة، بات يهدد حرية الملاحة ويدفع حركة الشحن العالمية نحو مسارات بديلة باهظة التكلفة، ليبقى باب المندب الحلقة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط لصراع النفوذ الدولي بعد أزمة مضيق هرمز التي لم تحل حتى الآن؛ فهذان المضيقان يشكلان معاً حلقة الوصل الحساسة التي تعتمد عليها موازين القوة الاقتصادية للعالم بأسره.

وخلف هذا الصراع الجيوسياسي المعقد وصراع النفوذ الإقليمي، يدفع الشعب اليمني وحده الفاتورة الأثقل من أزمات معيشية خانقة، وتدهور مأساوي للبنية التحتية، وانقسام مجتمعي عميق. فهذا التشظي الداخلي واستمرار توظيف الورقة اليمنية في الصراعات الخارجية لا يؤديان فقط إلى إطالة أمد معاناة الملايين، بل يحولان الممر الاستراتيجي لورقة مساومة دولية، مما يجعل أي استقرار مستدام مرهوناً برفع الغطاء الخارجي عن أطراف الصراع، وإعلاء مصلحة الدولة الوطنية الجامعة فوق أي اعتبار حزبي أو طائفي أو مناطقي. 

ورغم قتامة المشهد اليمني وعمق الانقسامات، لم تتوقف الجهود الإقليمية والدولية- وخصوصاً دولتي الحبيبة قطر التي لم تدخر جهداً في رأب الصدع وإيجاد نافذة أمل تنهي مأساة الاقتتال- إذ تكللت تلك المحاولات الحثيثة، ولا سيما الوساطات الإقليمية والمبادرات الدبلوماسية المستمرة التي قادتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، بفتح قنوات حوار، وتثبيت هدن إنسانية، وتبادل للأسرى والمعتقلين، وتخفيف حدة التوتر العسكري على بعض الجبهات. 

وحين نتأمل حدث الوحدة اليمنية في ٢٢ مايو ١٩٩٠، ندرك أن إنجازها التاريخي لم يكن وليد صدفة سياسية عابرة، بل نتاجاً خالصاً لأصل الحكمة اليمانية التي تجلت حين أدرك أبناء الوطن مصلحتهم العليا من خلال لغة الحوار والتنازل المتبادل لأطراف النزاع، شريطة الاتفاق على منع التدخل الخارجي من أي طرف كان إلا بما يخدم مصلحة الوطن وسيادته.

مساحة إعلانية