رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كسرت ثورة يناير في مصر حاجز الخوف وعرف الشعب طريق التمرد وحقق به إزاحة رأس النظام، وتجاوز احتمالات إخضاعه، ولكن نتيجة أخرى تلح أمام أعيننا أن حالة من الخرف أصابت اللغة والعقل، فرضت على المجتمع قضايا لم تكن في حسبانه أو من صميم معاناته التي دفعت به إلى الانفجار في مواجهة النظام القائم، وصار ضجيج هذه القضايا المستحدثة يعمي الأبصار عن حقائق ما يدور من حوله، وأثارت من الشقاق والانقسام والإحباط أكثر من تثبيت لحظة امتلاك الإرادة والسعي لتحقيق أن تكون إرادة الشعب هي مصدر السلطات.
انشغل المصريون بفتاوى تحريم أكل الفسيخ والبيض الملون والبصل في مناسبة يوم شم النسيم، وفتاوى تحريم تهنئة المسيحيين المصريين بعيد القيامة المجيد، وبلغت قعقعة الفتاوى مداها، وكانت ستارة الدخان تخفي حقائق ما يجري فوق الأرض، ومن حولهم، ويهدد وجودهم ذاته.
وقبل أن ينتهي حديث الفسيخ والبيض الملون في مصر، كانت إسرائيل تقصف مواقع عسكرية ومدنية على مسافة 12 كيلومترا من دمشق، ويقول أوباما كما نتنياهو "بحق إسرائيل في الدفاع عن أمنها القومي"، ويتحدث مصدر إسرائيلي أن الهجوم الثاني خلال ثلاثة أيام يستهدف منع وصول صواريخ إيرانية إلى حزب الله، وغير هذا مازال الحديث عن خطر تسرب مخزون الأسلحة الكيميائية إلى أيد "إرهابية"، أي أن كل الاحتمالات مفتوحة وبنك الأهداف والتبريرات يتسع وبلا أفق، وأيضا بلا رادع.
ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، لا يعني علي الإطلاق أن حركة الشعوب ضد الاستبداد لم تكن تحمل شرف الوطنية، وأنها صناعة خارجية، وأن الشعوب كانت محل الخداع، وانساقت تؤدي دورها في مؤامرة علي المنطقة العربية مسلوبة الإرادة. ولكن حركة الشعوب وما حملته من مفاجآت والأهداف التي أعلنتها، استدعت التحول في المواجهة بإطلاق تحالف "أمريكا ـ الناتو ـ إسرائيل"، كل خططه وترتيباته وليستخدم كامل أسلحته.
كما أشار العديد من المحللين أن خطط الناتو كانت توزع المهام على أعضائه، التدخل في ليبيا يكون مسؤولية فرنسا وإنجلترا وإيطاليا، والتدخل في سوريا يكون مسؤولية تركيا، ولم نلحظ في الأحاديث من يتولى أمر مصر إن لزم الأمر التدخل، ولم يذكر أحد أن الشريك الأساس في كل ذلك هي إسرائيل. ولم يتكشف دور أجهزة المخابرات و "تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية".
تفكيك الدولة في مصر لم يلبث أن وجد له ظهيرا في مقالة عميقة نشرها البروفيسور مايكل شوسودوفسكي علي موقع جلوبال ريسيرش بتاريخ 24 يناير 2013 تحت عنوان "محو الدول عن الخارطة": من ذا يُفشِل "الدول الفاشلة"؟
ينقل عن البروفيسور إريك واندل: "لقد هاجمت الولايات المتحدة، على نحو مباشر أو غير مباشر، نحو 44 بلداً في العالم منذ عام 1945، بل إنها هاجمت بعضها على نحو متكرر. وكان الهدف المعلن لتلك التدخلات العسكرية إحداث "تغيير في نظام الحكم". وفي كل الحالات كانت تستخدم ذرائع "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" لتبرير تلك الأعمال الأحادية غير القانونية.
وينقل عن الجنرال ويسلي كلارك "هذه مذكرة "للبنتاغون" تصف كيف سنقوم باجتياح سبعة بلدان خلال خمس سنوات، بدءاً بالعراق ثم سورية، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وانتهاء بإيران. قلت هل هي سرية للغاية؟ قال "نعم يا سيدي"، فقلت إذن لا ترني إياها".
ويضيف حول مصطلح "الدول الفاشلة"، "يتوقع" تقرير التوجهات العالمية (ديسمبر 2012) الصادر عن مجلس الاستخبارات القومي في واشنطن، أن تتحول 15 دولة في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط إلى "دول فاشلة" بحلول العام 2030 كنتيجة للمنازعات المحتملة والمعضلات البيئية.
وتشمل قائمة البلدان في تقرير المجلس لعام 2012 كلاً من أفغانستان، النيجر، مالي، كينيا، بوروندي، إثيوبيا، رواندا، الصومال، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ملاوي، هايتي، اليمن.
وفي تقريرها للعام 2005 والذي نشر عشية التجديد للولاية الثانية للرئيس بوش، توقع مجلس الاستخبارات القومي أن تصبح الباكستان دولة فاشلة بحلول العام 2015 تحت تأثير الحرب الأهلية والطلبنة والصراع من أجل السيطرة على الأسلحة النووية.
وقورنت الحالة الباكستانية وقتها بيوغسلافيا التي تشظت إلى سبع دول تابعة بعد عقد من "الحروب الأهلية" التي رعاها وأدارها الناتو والولايات المتحدة.
وفيما يشير إلى أن الدول الفاشلة تصبح ملاذاً آمناً للمتطرفين دينياً وسياسياً، فإن التقرير لا يعترف بحقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد دأبت منذ السبعينات من القرن الماضي على تقديم الدعم السري لقوى التطرف الديني كوسيلة لزعزعة استقرار دول وطنية علمانية.
الدول الفاشلة من الطراز اليوغسلافي أو الصومالي ليست نتيجة للانقسامات الاجتماعية الداخلية، بل هي هدف استراتيجي تم تحقيقه عبر العمليات السرية بما في ذلك العسكرية.
يقوم صندوق السلام Fund for Peace في واشنطن المتخصص في "الأبحاث من أجل الأمن المستدام" سنوياً بنشر مؤشر الدول الفاشلة Failed States Index بالاستناد إلى تقييم المخاطر. ثمة 33 دولة جرى تصنيفها كدول فاشلة (ضمن فئتي الإنذار Alert أو التنبيه Warn). وأن "الدول الفاشلة" هي أهداف للإرهابيين المرتبطين بالقاعدة.
ويأتي التصنيف التراتبي السنوي لصندوق السلام ومجلة فورين بوليسي للدول الفاشلة والهشة بمؤشرات عالمية مثيرة للقلق في وقت تتصاعد فيه المخاوف الدولية من إقامة المتطرفين المرتبطين بالقاعدة دويلة حاضنة في شمال مالي لتوسيع نشاطاتهم الجهادية.
وبطبيعة الحال، لم يشر التقرير إلى تاريخ القاعدة بوصفها أداة استخبارية أمريكية أو إلى دورها في نشر الانقسامات والاضطرابات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا، حيث تشكل نشاطاتها في معظم هذه المناطق جزءاً من الأجندات الاستخبارية السرية الشيطانية.
من هذا التقرير الدراسة، الأمر لم يعد مجرد مصالح بالمنطقة العربية، ولكنها لعبة أمريكا في إفريقيا وآسيا، للوصول إلى الخصم المباشر في الصين عبر شبه القارة الهندية، ولإقرار أن القرن الواحد والعشرين هو القرن الأمريكي.
العالم الثالث ارض صراع، والكل أدوات، والقطب الذي يحقق النتائج هو أمريكا، وتكشف الدراسة الثانية الوجه القبيح للأدوات الأمريكية، بعيدا عن أمريكا مراكز البحث والتخطيط والظاهر من سلوكيات الإدارة وحتى العلم والشعب، ويكتب البروفيسور شوسودوفسكي دراسته الثانية تحت عنوان "فرق الموت الأمريكية"، ويحدد فيها.
يعتبر توظيف فرق الموت جزءاً من الخطة الاستخبارية - العسكرية المحكمة للولايات المتحدة الأمريكية. فتاريخ الولايات المتحدة الطويل والرهيب في التمويل السري ودعم كتائب الموت والاغتيالات المستهدفة تعود إلى الحرب الفيتنامية.
وقد صممت عمليات تشكيل وتدريب كتائب الإرهاب في البداية بالعراق على غرار "الخيار السلفادوري"، وهو "نموذج إرهابي" لعمليات قتل جماعية تنفذها فرق للموت كانت ترعاها الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى. وقد طبقت بداية في السلفادور، في أوج المقاومة ضد الديكتاتورية العسكرية هناك، بدء تأسيس فرق الموت في العراق خلال الأعوام 2004 – 2005 بمبادرة قادها السفير الأمريكي جون نيغروبونتي. وهو "الرجل المناسب للمهمة". فبصفته سفيراً للولايات المتحدة في هندوراس ما بين 1981 – 1985، لعب الرجل دوراً رئيساً في دعم وتوجيه عصابات الكونترا النيكاراغوية المقيمة في هندوراس، وكذلك الإشراف على فرق الموت الهندوراسية.
وبذات المنهج جرى "تشكيل قوات ضاربة من المقاتلين الأكراد والشيعة لاستهداف قادة التمرد "المقاومة" في نقلة نوعية تحاكي جهود مكافحة رجال العصابات اليساريين في أمريكا الوسطى قبل عشرين عاماً".
ففي إطار ما سمي "الخيار السلفادوري"، ستكلف القوات العراقية والأمريكية باختطاف وقتل قادة التمرد، بل وحتى مطاردتهم في سورية، حيث كان بعضهم يقيمون كلاجئين.
ونظراً لما كانت تثيره أعمال فرق الموت تلك من حساسيات، فإن معظمها سيبقى طي الكتمان.
وفيما الهدف المعلن للـ"الخيار السلفادوري في العراق" كان "القضاء على التمرد"، فإن كتائب الإرهاب المدعومة أمريكياً انخرطت في أعمال قتل روتينية للمدنيين بهدف إثارة العنف الطائفي. وبدورهما، فإن جهازي الاستخبارات الأمريكية CIA، والبريطانية MI6 كانا يراقبان عن كثب وحدات "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" المنخرطة في الاغتيالات المستهدفة للشيعة. والأمر اللافت، أن فرق الموت كانت مدمجة وتتلقى التوجيه من القوات الخاصة الأمريكية على نحو سري.
وضم نيغروبونتي إليه روبرت ستيفن فورد، الذي يتقن العربية والتركية، وهو السفير الحالي لأمريكا في سوريا منذ يناير 2011.
كُلف نيغروبونتي وفورد بتجنيد فرق الموت العراقية. وفيما قام نيغروبونتي بإدارة العمليات من مكتبه في السفارة الأمريكية، عُهِدَ إلى روبرت فورد، بمهمة التأسيس لعلاقات إستراتيجية مع مجموعات المليشيا الشيعية والكردية خارج "المنطقة الخضراء".
روبرت فورد واحداً من فريق بالخارجية الأمريكية اضطلع بالإشراف على تجنيد وتدريب الكتائب الإرهابية، إلى جانب كل من دايريك شوليه وفردريك سي. هوف، شريك أعمال سابق مع ريتشارد إرميتاج، والذي عمل كمنسق واشنطن الخاص للشؤون السورية. وعُيَن دايريك شوليه أخيراً في منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي.
وقد عمل هذا الفريق تحت قيادة جيفري فيلتمان. الذي عين مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية (يونيو 2012)، وهو منصب استراتيجي يُعنى عملياً بصياغة جدول أعمال الأمم المتحدة (بالنيابة عن واشنطن) حول قضايا تتعلق بـ"حل النزاعات" في العديد من "النقاط الساخنة سياسياً" حول العالم "بما في ذلك الصومال، لبنان، ليبيا، سورية، اليمن، ومالي". وللسخرية المريرة، فإن البلدان التي تشكل موضوعاً لـ"حل النزاعات" بالنسبة للأمم المتحدة، هي ذاتها التي تستهدفها الولايات المتحدة بالعمليات السرية.
الأسماء والمناصب ومجموعات العمل تؤكد أن خطط أمريكا لا تتغير بتغير الإدارة.
تفكيك الدولة ليس أمرا عارضا في مصر، هو داخل ذات الإستراتيجية، وبذات الأدوات، والحفاظ علي الجيش المصري والأجهزة السيادية يجب أن يكون حاضرا في الوعي، وتقدير الموقف للوقائع من حولنا يجب أن يتسع لها الأفق، حتي لا تأخذ الدعايات بأمننا القومي، ولعل المصريون يتذكرون أن بوابة مصر الشرقية هي الشام، وأن إسرائيل هي المصدر الرئيس للخطر، وأن نميز بين قنابل الدخان وبين صلب الأهداف الوطنية، ووحدة المصير القومي.
الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها
لم يكن قرار الرئيس الأمريكي تعليق الهجوم الواسع الذي كان يجري الإعداد له ضد إيران تراجعاً عن التهديد،... اقرأ المزيد
69
| 04 أغسطس 2026
رحلة القطار
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل “الحياة لا تنتظر المترددين، والزمن لا يعود إلى الوراء، ومن... اقرأ المزيد
57
| 04 أغسطس 2026
نقاء القلب.. جوهرةٌ لا تُقدّر
في زحمة الحياة وضجيجها، وفي خضمّ صراعاتها التي لا تنتهي، يظلّ هناك كنزٌ لا يفنى، وجوهرةٌ لا تُقدّر... اقرأ المزيد
48
| 04 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2046
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2025
| 29 يوليو 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1461
| 30 يوليو 2026