رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

39

د. عبدالله بندر العتيبي

الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها

04 أغسطس 2026 , 12:48ص

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي تعليق الهجوم الواسع الذي كان يجري الإعداد له ضد إيران تراجعاً عن التهديد، بقدر ما كان انتقالاً مؤقتاً من القوة إلى الدبلوماسية. فالرئيس لم يعلن انتهاء الخيار العسكري، بل منح المفاوضات فرصة للوصول إلى تفاهم سريع بشأن مضيق هرمز والملف النووي. ولذلك، فإن أخطر قراءة للمشهد هي التعامل مع وقف الضربة باعتباره انتصاراً إيرانياً، أو دليلاً على أن واشنطن لم تكن جادة.

جدية التهديد لا تُقاس بحدة التصريحات وحدها، بل بما يجري خلفها. فقد واصلت الولايات المتحدة تعزيز بنيتها العملياتية، بما في ذلك نقل طائرات إضافية للتزود بالوقود لدعم عملياتها في الشرق الأوسط. وهذه الطائرات ليست تفصيلاً لوجستياً عابراً؛ فهي من أهم مؤشرات الاستعداد لعمليات جوية بعيدة وممتدة، لأنها تمنح المقاتلات والقاذفات قدرة أكبر على الوصول والبقاء وتكرار الضربات. بمعنى آخر، كانت الدبلوماسية تتحرك بينما بقيت الآلة العسكرية جاهزة.

وهناك أيضاً ساعة سياسية تتحرك بسرعة في واشنطن. فمجلس الشيوخ يدخل فترة عمل خارج العاصمة من العاشر من أغسطس حتى الحادي عشر من سبتمبر. صحيح أن غياب المجلس لا يسلب الرئيس قدرته التنفيذية على استخدام القوة، لكنه يضيق نافذة الترتيبات التشريعية والتمويل والرقابة السياسية المنظمة. وبعد ذلك تقترب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وسط احتمال أن يخسر الحزب الجمهوري أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما. وعندها قد يواجه الرئيس رقابة أشد، وتحقيقات أوسع، ومعارك أكثر تعقيداً حول تمويل الحرب وحدود صلاحياته. ولهذا، فإن هامش الحركة المتاح له اليوم قد لا يبقى متاحاً بالشكل نفسه بعد الانتخابات.

هذه المعطيات تجعل الدور الذي قامت به دول المنطقة أكثر أهمية. فالدول التي تعرضت منذ اليوم الأول للصواريخ والهجمات الإيرانية لم تدفع نحو تدمير إيران، بل تحركت لمنع ضربة واسعة عليها. لقد ضغطت من أجل منح التفاوض فرصة، ليس دفاعاً عن السلوك الإيراني، وإنما دفاع عن استقرار المنطقة، وأمن الطاقة والملاحة الدولية، ومنع انهيار دولة كبيرة قد تنتج عن فوضاها أخطار تفوق أخطار المواجهة الحالية. وقد جاء تعليق الهجوم بعد اتصالات وضغوط إقليمية حذرت من نتائجه الأمنية والاقتصادية، وأكدت أن فرصة الحل لم تنته بعد.

هنا تظهر عقلانية دول المنطقة في مقابل قصر النظر الإيراني. فقد حاولت طهران رفع كلفة الضغط الأمريكي عبر استهداف جيرانها وتهديد منشآتهم وسفنهم، معتقدة أن تحويل الخليج إلى ساحة خطر سيجبر دوله على حماية إيران. لكن دول المنطقة لم تتحرك تحت الابتزاز، بل انطلاقاً من حسابات استراتيجية تدرك أن خطر حرب واسعة في المنطقة يهدد استقرار الإقليم بشكل كبير، رغم السلوكيات الإيرانية العدائية تجاه دول المنطقة.

ومع ذلك، لا ينبغي لطهران أن تسيء تفسير ضبط النفس. فالمنطقة لم تُسقط الخيار العسكري، بل أوقفت ساعته مؤقتاً. والتحركات العسكرية الأمريكية لم تتوقف، والنافذة السياسية أمام الرئيس تضيق كلما اقتربت انتخابات نوفمبر. لذلك، فإن المهلة الحالية ليست انتصاراً لإيران، وإنما اختبار لقدرتها على التمييز بين الفرصة والنجاة المؤقتة.

لقد قامت المنطقة بما عليها: دافعت عن أمنها، وعن استقرار العالم، وحتى عن بقاء إيران بعيداً عن ضربة قد تغير شكلها لعقود. والآن تقع المسؤولية على طهران؛ فإما أن تستخدم الوقت الذي وفره جيرانها للعودة إلى العقلانية، أو تكتشف أن الدبلوماسية تستطيع تأجيل الحرب، لكنها لا تستطيع إلغاءها إلى الأبد.

مساحة إعلانية