رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشر جهاز الإحصاء في الأول من يوليو تقديراته الأولية للناتج المحلي الإجمالي القطري لفترة الربع الأول من العام 2012 بكل من الأسعار الجارية والثابتة، أو ما يُعرف بالناتج الاسمي والحقيقي، فما هي هذه البيانات، وما أهميتها وماذا يمكن أن يُستخلص منها؟
بداية أشير إلى أن هذه البيانات هي بمثابة مؤشر على مدى حجم الاقتصاد القطري في فترة زمنية محددة، وما طرأ عليه من تغير مقارنة بالفترة السابقة التي قد تكون الربع السابق، أو الربع المناظر من السنة السابقة(أي في سنة). ومن هذه المقارنة نعرف ما إذا كان الاقتصاد قد نما أو انكمش عن الفترات المناظرة، وبالتالي تكون البيانات منطلقاً للإبقاء على السياسات المالية والنقدية، أو إجراء تعديلات عليها بما يناسب الظروف. والناتج المحلي الإجمالي هو مجموع نواتج جميع الوحدات السلعية والخدمية، وناتج جميع الأشخاص المقيمين في البلد للفترة محل الدراسة. ولأن الناتج هو عبارة عن حاصل ضرب كمية السلع أو الخدمات المنتجة في سعر الوحدة منها، لذا فإن الرقم الإجمالي يتغير بتغير الكمية أو السعر أو كليهما، فإذا تغيرت الكميات فقط دل ذلك على وجود نمو حقيقي في الناتج (أو انكماش إذا كان التغير سلبياً)، أما إذا تغيرت الأسعار فقط، فإن ذلك يدل على وجود تغير تضخمي في الناتج، في حالة ارتفاع الأسعار،(أو انكماشي إذا انخفضت الأسعار).
وقد تبين من تقرير جهاز الإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي القطري(الاسمي) قد بلغ 176.1 مليار ريال بالأسعار الجارية بزيادة سنوية بنسبة 24.8% عن الربع الأول من العام 2011، وبزيادة بنسبة 4% عن الربع الرابع(السابق) من العام 2012. وعند قياس الناتج بأسعار عام 2004(لاستبعاد أثر التغير في الأسعار) فإن الناتج قد بلغ في الربع الأول هذا العام 82.1 مليار ريال، بزيادة سنوية بنسبة 6.9%، وبنسبة 3% عن الربع السابق. وتُعطي البيانات التفصيلية عن ناتج كل قطاع على حدة صورة أدق عن وضع الاقتصاد القطري من حيث النمو الحقيقي أو التضخمي في كل منها، وهو ما سنسلط الضوء عليه على النحو التالي:
1- في قطاع النفط والغاز نما الناتج بنسبة %30 في سنة ما بين الربع الأول 2011 والربع الأول 2012 بالأسعار الجارية، بينما كان النمو بنسبة 4.6% فقط بالأسعار الثابتة، وهذا يعني أن النمو في ناتج هذا القطاع قد تحقق في معظمه من زيادة أسعار النفط، في حين أن النمو في الكميات كان محدوداً. ولأن ناتج هذا القطاع يشكل %60 من الناتج المحلي الإجمالي في قطر، لذا فإن الزيادة في ناتج هذا القطاع هي المسؤولة عن نمو الناتج الإجمالي بنسبة 24.8%. وبالمقارنة بالربع السابق فإن معدل النمو لهذا القطاع قد بلغ 9.7% بالأسعار الجارية، و0.6% فقط بالأسعار الثابتة.
2- حدث شيء مماثل في قطاع الصناعة التحويلية التي تأتي في مقدمتها البتروكيماويات والأسمدة الكيماوية، فأسعار هذه المنتجات ترتفع وتنخفض غالباً بالتوازي مع أسعار النفط، ولهذا نما ناتج هذا القطاع في سنة بنسبة 21% بالأسعار الجارية، وبنسبة 4.3% بالأسعار الثابتة. كما أنه نما في ربع سنة بنسبة 11.2% بالأسعار الجارية، و4% بالأسعار الثابتة، مما يدل على أن ارتفاع الأسعار قد بلغ ذروته في الربع الأول من هذه السنة.
3- في قطاع البناء والتشييد، حقق القطاع في سنة نمواً بنسبة 6.8% بالأسعار الجارية و6.1% بالأسعار الثابتة. وهذا التقارب في النسبتين يدل على وجود زيادة طفيفة في أسعار القطاع، مع نمو فعلي في إنتاجه بمعدل جيد، وفي المقابل فإن الأرقام الربعية تشير إلى نمو بنسبة 12.9% بالأسعار الجارية و21.9% بالأسعار الحقيقية عن الربع السابق، ويعكس ذلك أن هذا القطاع نشط في بداية هذا العام، وأن أسعاره قد انخفضت بشكل ملحوظ عن الربع السابق، ربما لوجود منافسة قوية.
4- في قطاع الكهرباء والماء لم تتغير الأسعار منذ عام 2004، ولذلك تطابقت الأرقام الاسمية والحقيقة، ونما ناتج القطاع بنسبة 8.9% على أساس سنوي و1.7% عن الربع السابق.
5- في الخدمات الحكومية نما الناتج على أساس سنوي بنسبة 45% بالأسعار الجارية، وبنسبة 13.9% بالأسعار الثابتة، ويُفهم من ذلك أن هناك توسعاً في الخدمات الحكومية في سنة بنسبة 13.9%، ولكن هناك زيادة في الأسعار نتيجة ما طرأ على رواتب القطريين من زيادات منذ سبتمبر الماضي. وعن الربع السابق نما القطاع بنسبة 5.5% بالأسعار الجارية و1.2% بالأسعار الثابتة.
6- في قطاع المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، نما الناتج على أساس سنوي بنسبة 5% بالأسعار الجارية، وبنسبة 7.2% بالأسعار الثابتة، أي أن هناك نموا حقيقيا في خدمات ومنتجات هذا القطاع بنسبة 7.2%، ولكن لأن أسعار هذا القطاع قد تراجعت-وأهمها معدلات الفائدة والمرابحة- فإن نمو الناتج بالأسعار الجارية كان أقل وبنسبة 5% فقط. أما بالمقارنة بالربع السابق فإن ناتج هذا القطاع قد انكمش بنسبة 25.8% بالأسعار الجارية ونما بنسبة 4% بالأسعار الثابتة. وهذا التطور يبدو غريباً وبحاجة إلى تفسير مقنع بخلاف ما أشار إليه جهاز الإحصاء في تقريره. وقد يكون الأمر راجعا إلى إتمام صفقات خاصة على أسهم شركة واحدة هي أزدان في شهر ديسمبر 2011 بعدة مليارات من الريالات، وهو حدث استثنائي، عاد بعده حجم ناتج القطاع إلى مستواه السابق، مما شكل تراجعاً كبيراً.
7- في قطاع التجارة والمطاعم والفنادق، نما ناتج هذا القطاع في سنة بنسبة 12.5% بالأسعار الجارية، و11.4% بالأسعار الثابتة، مما يعكس أن معظم النمو كان حقيقياً، وأن الأسعار زادت فقط بنحو 1% فقط. وبالمقارنة مع الربع السابق كان هناك انكماش في ناتج هذا القطاع بنسبة 1.3% بالأسعار الثابتة، وبنسبة 3.7% بالأسعار الجارية مما يدل على تراجع أسعار هذا القطاع بأكثر من 2%.
8- في قطاع النقل والاتصالات، نما ناتج القطاع في سنة بنسبة 10.8% بالأسعار الجارية، و12.7% بالأسعار الثابتة، أي أنه كان هناك نمو حقيقي قوي، مع تراجع في أسعار القطاع (ربما بسبب الحوافز التي تقدمها كيوتيل وفودافون). وبالمقارنة بالربع السابق، حقق القطاع نمواً حقيقياً بنسبة 1.5% ولكن بسبب تراجع الأسعار انكمش الناتج بالأسعار الجارية بنسبة 1.5%.
9- في قطاع الخدمات الاجتماعية، انكمش ناتج القطاع في سنة بنسبة 0.7% ولكنه نما بالأسعار الجارية في نفس الفترة بنسبة 9.4% نتيجة زيادة رواتب القطريين. وبالمقارنة بالربع السابق ازداد الانكماش وضوحاً حيث تقلص حجم النشاط بنسبة 1.8%، ولكنه بالأسعار الجارية ارتفع وبنسبة 7.1%.
10- في قطاع الزراعة، رغم محدودية هذا القطاع إلا أن ناتجه الحقيقي نما في سنة بنسبة 3.9% بالأسعار الثابتة، ولكن أسعاره تراجعت ليسجل بالأسعار الجارية نمواً بنسبة 2.8%. وبالمقارنة بالربع السابق، كان تراجع الأسعار أكثر حدة، فقد نما ناتج القطاع بالأسعار الثابتة بنسبة 4.1%، ونما بالأسعار الجارية بسبة 0.7% فقط.
11- في قطاع الخدمات المنزلية نجد أن ناتج هذا القطاع قد نما في سنة بالأسعار الثابتة بنسبة 4%، ولكنه نما بنسبة 8% بالأسعار الجارية مما يدل على وجود زيادة في عدد العاملين بنسبة 4%، مع زيادة في أجور الخدم وتكلفة جذبهم بنسبة 4% أيضاً. وحدث شيء مماثل بالمقارنة بالربع السابق مع اختلاف النسب، حيث النمو الحقيقي للقطاع بنسبة 0.5%، وبالأسعار الجارية بنسبة 2.6%، مما يعني حدوث زيادة في الأسعار عن الربع السابق بنسبة 2%.
12- الخدمات المالية المحتسبة: هذا البند لا يمثل قطاعاً فعلياً في الناتج المحلي الإجمالي، ولكنه قيد دفتري فقط لتخليص الناتج من ازدواج في الحساب. فالمعروف أن المعاملات المالية لها وجهان؛ دائن ومدين، ولهذا فإن كل معاملة مالية يتم تسجيلها مرتين مما يشكل زيادة غير حقيقية في الناتج المحلي الإجمالي، ولذا يتم خصمها مرة واحدة تفادياً للازدواج. وقد نما حجم هذه الخدمات بنسبة 5% في سنة ولكنه انكمش بنسبة 1.7% بالأسعار الجارية، نتيجة تراجع أسعار الفائدة. وكان انخفاض الأسعار أشد عند المقارنة بالربع السابق، حيث انكمشت الخدمات المالية بنسبة 11.9%رغم أنها نمت بنسبة 0.8% بالأسعار الثابتة.
ما هي السيناريوهات المحتملة لأزمة كورونا؟
مضى قرابة الشهر منذ أن انتشر الكورونا في قطر بشكل مؤكد، في منتصف شهر مارس الماضي عندما صدرت... اقرأ المزيد
2840
| 12 أبريل 2020
نظرة على واقع ومستقبل الأوضاع الاقتصادية
المحنة التي نمر بها هذه الأيام سوف تنبثق منها إيجابيات عديدة في الأجل الطويل بعد مرور ثلاثة أسابيع... اقرأ المزيد
1229
| 05 أبريل 2020
كيف قام مصرف قطر المركزي بما يلزم في مواجهة الأزمة؟
لم يتخلف مصرف قطر المركزي عن القيام بواجباته المنوطة به في ظل الأوضاع المستجدة التي فرضها تفشي وباء... اقرأ المزيد
4509
| 29 مارس 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1134
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1098
| 27 سبتمبر 2026