رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشكيل الحكومة المصرية الجديدة يثير أكثر من سؤال حول وجهتها ومشروعها، الأمر الذي يحتاج إلى مناقشة ومراجعة، ذلك أن البدايات مهمة لا ريب، إلا أن المآلات أهم.
(1)
لقد رحبت بتشكيل الحكومة باعتبارها مولودا جديدا. رغم أننا لم نسمه ولم نعرف له ملامح بعد. وتمنيت أن تكون الخطوة قرينة على نقل السلطة من المجلس العسكري إلى المدنيين. كما اعتبرتها بمثابة حكومة الحد الأدنى التي كانت الخبرة العنصر الأهم في تشكيلها وليس الهوية السياسية. وإذ قدرت واحترمت تحفظات الإخوان والسلفيين وبعض ممثلي الجماعات السياسية على ما قلت، إلا أن أكثر ما أثار انتباهي في أصداء تشكيل الحكومة أن أغلب المعلقين اهتموا بلونها بأكثر من اهتمامهم بدورها. أعني أنهم شغلوا بحصة الإخوان والملتزمين دينيا ومن غاب ومن حضر فيها بأكثر مما شغلوا بمهمتها ومشروعها. الأمر الذي يعد كاشفا عن أحد أمراض البيئة السياسية الراهنة في مصر، حيث القوى السياسية مشغولة بحضورها وأنصبتها بأكثر من انشغالها بهموم المجتمع وتحدياته الحقيقية. تشهد بذلك العناوين التي ما برحت تثير الصخب واللغط طوال الأشهر الماضية، والتي ظلت تجسد مشكلات المثقفين وصراعاتهم المنفصلة عن مشكلات الناس. أعني المعارك التي أثيرت حول التعديلات الدستورية، والدستور أولا أم الانتخابات أولا، وحدود التوافق وشروطه، والدولة الدينية والمدنية، ونسب التمثيل في تأسيسية وضع الدستور. كما يشهد به سيل الطعون القانونية التي لم تسلم منها أية خطوة أو إجراء اتخذ.
لقد قلت لمن سألني إن تشكيل الحكومة يمثل نجاحا بدرجة «مقبول» في اختبار تأسيس النظام الجديد، لكننا لن نستطيع أن نرفع من تقديرنا لها إلا إذا عرفنا إلى أين هي ذاهبة وماذا ستفعل. أضفت أن التشكيل الراهن إذا كان قد تجنب بصورة نسبية إغضاب الكتل السياسية، فأتى بوزراء أغلبهم من خارج السياسة، فإن الحكومة ينبغي أن تسعى من خلال أدائها إلى استرضاء الناس وتهدئة خواطرهم، لأن تلك مسؤوليتها الحقيقية، فضلا عن أن مصيرها والحكم النهائي عليها مرهون بمدى وفائها باستحقاقات تلك المسؤولية.
(2)
لو أن مبارك أراد أن ينقذ نظامه بعدما أدرك أنه آيل للسقوط، فربما فكر بدوره في تشكيل حكومة كتلك التي أطلت علينا في مصر أخيرا. أعني أن يأتي بفريق من خارج السياسة أغلبه من الخبراء، ويطعمهم بعناصر من الإخوان، فيهدئ الشارع ويدغدغ مشاعر الأخيرين. وقد فعل اللواء عمر سليمان شيئا من ذلك، بعد تعيينه نائبا للرئيس. حين نظم جهاز أمن الدولة اجتماعا له مع بعض السياسيين وكان بينهم عدد من الإسلاميين والإخوان الذين يكن لهم الرجل بغضا شديدا. الاحتمال بعيد لأن الرجل كان غارقا في عالمه الخاص وواثقا من سيطرة الأجهزة الأمنية على كل شيء في البلد، لكنني أطرحه من باب الجدل لكي أصل إلى سؤال آخر هو، ما الفرق في هذه الحالة بين حكومة الخبراء المعدلة والمحسنة التي كان يمكن أن يأتي بها مبارك وبين الحكومة الجديدة التي أفرزتها الثورة؟ ــ ردي على السؤال أن الحكومة قد تتطابق حتما حيث الخبراء جاهزون للقيام بالواجب في الحالتين، لكن الفرق الأساسي يتمثل في مشروع كل من الحكومتين. إذ لابد أن يكون الفرق شاسعا بين حكومة خبراء في نظام تابع ومستبد وفاسد، وحكومة مماثلة في نظام يسعى للاستقلال ويقوم على أساس ديمقراطي فضلا عن أنه رافض للفساد ومتطهر منه. ثم إن هناك فرقا مهما بين نظام مهجوس بالاستمرار في السلطة ونظام آخر يتولى الرئاسة فيه عضو سابق في جماعة الإخوان التي تمثل مع إسلاميين آخرين أغلبية في برلمانه المنتخب، حيث يفترض أن له رسالة تستند إلى مرجعيته الدينية.
مثل هذه الفروق ينبغي أن تكون واضحة ومحسومة في برنامج وأداء الحكومة الجديدة. وقبل ذلك ينبغي أن تتحقق بذات الدرجة من الوضوح والحسم في خطاب الرئيس محمد مرسي. فنحن لا نريد حكومة همها الاستمرار وموصوفة فقط بجودة الأداء ونظافة اليد، وملتحية كما قال البعض، ولكننا نريد حكومة تتمتع برؤية واعية لكرامة الوطن والمواطنين ومنحازة بوجه أخص إلى عافية الوطن وفقراء المواطنين.
في الأول من شهر أغسطس الحالي نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا لمندوبها إلى القاهرة رود فوردلاند قال فيه إن حكومة الإخوان لم تتخذ أي خطوة إسلامية واحدة. إذ «لا يزال بيع واستهلاك الكحول مباحا، الأمر الذي كان يقلق المشتغلين بالسياحة. ولم يدع أحد من أركان الدوائر الحاكمة إلى فرض الحجاب أو حظر موسيقى البوب أو إعادة النظر في اتفاقية السلام مع إسرائيل».
صاحبنا هذا لم ير في الأداء الإسلامي سوى مجموعة من القيود والمحظورات في الداخل، إلى جانب خوض مختلف المعارك في الخارج، وهي ذات النظرة الاستشرافية التي يتبناها بعض المثقفين والسياسيين المصريين والعرب. الذين لم يروا في خطاب الإسلاميين سوى أتفه وأتعس ما فيه. ومنهم من لا يريد أن يرى فضيلة أو بادرة نُضج في ذلك الخطاب توحي بأن ثمة شيئا إيجابيا يمكن المراهنة عليه في مجمل مشروعهم.
لست ألوم حسني النية من هؤلاء، لكني أزعم أن اللوم ينبغي أن يوجه إلى الذين لم يحسنوا تقديم مشروعهم. وأساءوا إليه حين اختزلوه أو ابتذلوه في السعي لتغيير أشكال الناس وأزيائهم أو تطبيق الحدود ومراقبة سلوكيات الخلق، أو النضال لإحلال لافتة الخلافة محل عنوان الجمهورية أو الملكية...الخ.
(3)
انتقدني أيضا بعض الإخوان حين قلت أخيرا إنهم ليسوا جاهزين لتولي مسؤولية الحكم، وهو رأي ليس جديدا عبرت عنه أكثر من مرة. وعاتبني بعض السلفيين لأنني قلت إنهم غير مقبولين من شرائح واسعة في المجتمع، لأنهم لم يحسنوا تقديم أنفسهم. وهم بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من أفكارهم التي تصوغ علاقتهم بغيرهم. وحين شرحت وجهة نظري فيما قلت، دعوت إلى الكف عن تبادل النقد ومحاولة الالتقاء حول أرضية مشتركة تجمع ولا تفرق، وتصل ما انقطع بين عناصر الجماعة الوطنية. وأزعم أن ذلك المشترك لم يتوفر بعد، وأذهب في ذلك إلى أن مشروع «النهضة» الذي بذل فيه الإخوان الكثير من الجهد لا يلبي تلك الحاجة الملحة.
إذا جاز لي أن ألخص رأيي في ذلك المشروع فإنني أوجزه في أمرين جوهريين، الأول أنه يفتقد إلى الخيال والإبداع، بمعنى أنه في أفضل أحواله يسعى إلى تحسين ما هو موجود واقتباس خبرات الآخرين، دون أن يبلور جديدا نابعا من بيئة المجتمع وعمقه، ومستلهما قيم المرجعية الإسلامية التي يستند إليها. إن شئت فقل إنه يعتمد على الاقتباس والاستنساخ بأكثر مما يجتهد في إبداع الأفكار والتجارب (كما هو الحاصل مثلا بالنسبة للخصخصة وتحرير التجارة وتشجيع الاستثمار الأجنبي). وذلك لا يعني بأي حال القطيعة مع الآخرين، ولكنه يعني الإفادة من الآخرين في استنباط خبرات تنسجم مع الواقع وتعبر عنه.
تجسد المعنى الذي أتحدث عنه فكرة بنك الفقراء، التي نفذت في بنجلاديش واستفادت من مشروع النظام المصرفي الذي هو خبرة غربية بامتياز، ولكنه وظفها لصالح إقراض الفقراء وتحفيز طاقاتهم الإنتاجية في بلد فقير، ولم يوجهها لصالح الأثرياء والمستثمرين.
ملاحظتي الثانية على مشروع النهضة أنه لم يوجه عناية كافية لقضية العدل الاجتماعي، التي لها في المرجعية الإسلامية جذور قوية للغاية. فنصوص القرآن تعتبر المال مال الله، وأن الناس مستخلفون فيه لأجل عمارة الكون، ثم إن للفقراء فيه حقا يتعين أداؤه، في الوقت الذي يحظر فيه احتكار الأغنياء للثروة أو استئثارهم بها. إلى غير ذلك من المعاني الجليلة، التي لم نرها واضحة في أفكار مشروع النهضة.
(4)
أزعم أن قضية العدالة الاجتماعية يمكن أن تشكل الأرضية المشتركة التي تحقق لنا هدفين كبيرين في آن واحد. من ناحية لأنها محل إجماع وطني من جانب مختلف القوى باختلاف مرجعياتهم الإسلامية والليبرالية واليسارية. من ناحية ثانية، فإن عائدها يصب في صالح الأغلبية الساحقة من أبناء الوطن. والهدف الأول مهم والثاني أهم.
الزكاة مهمة لا ريب وهي تستر ملايين المعوزين، والأوقاف بذات الدرجة من الأهمية لأنها ظلت إحدى الوسائل الفعالة في تحقيق التنمية الاجتماعية في التاريخ الإسلامي. لكن الضرائب التصاعدية فكرة مهمة في الخبرة الغربية لها أسهامها في تقريب الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما أن بنوك الفقراء إبداع جيد يمكن الإفادة منه، والمشروعات التعاونية إبداع آخر حبذا لو جرى تعميمه وإحسان تطبيقه. كما أن الصناعات الصغيرة والصناعات التقليدية، والتصنيع الزراعي. هذه كلها فضاءات تشمل قطاعات عريضة من المجتمع. وتحريكها وتنشيطها من شأنه أن يضفي حيوية على خلايا المجتمع، ومن ثم يحوله إلى ورشة عمل واسعة تحرك ما يعتوره من بطالة وركود وتخلف.
إن القضية التي تستحق دراسة جادة من جانب أهل الخبرة والاختصاص هي كيف يمكن أن تتحول إمكانات المجتمع إلى فرص للتنمية؟ وكيف يمكن أن ننتقل من مجتمع المستهلكين الخاملين، إلى مجتمع المنتجين المثابرين. والتفكير في الموضوع من هذه الزاوية يتطلب وعيا ورؤية وعزيمة مخلصة تسعى للنهوض بالوطن والمواطن. أما الحلول الجاهزة المستوردة ومشروعات تسليم المفتاح، فهي إذا لم تعبر عن الكسل العقلي والفقر في الإبداع، فإنها تخدم مصالح فئات من المنتفعين، الذين لا يشغلهم الوطن أو المواطن في شيء، ومصالحهم فوق كل شيء.
إن تفكيرا بهذه الطريقة هو أحد الفروق الأساسية بين حكومة الخبراء التي يشكلها مبارك وبين حكومة الخبراء التي تشكلت في ظل الثورة.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1018
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5814
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3639
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3111
| 24 سبتمبر 2026