رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2259
| 16 أغسطس 2026
- أمريكا.. حين تتغير حدود المسموح - 37 % ممن دون الخامسة والأربعين في أمريكا يرون ما فعلته إسرائيل في غزة إبادة جماعية - المال الهائل لم يعد كافيًا لإسكات الخصم بل قد يتحول إلى سلاح ضد صاحبه - لم يعد بمقدور أي مؤسسة مهما بلغ نفوذها أن تتحكم في السردية كما كانت تفعل من قبل - عمدة نيويورك يواجه AIPAC علنًا ومرشح مسلم يفوز رغم ملايين الدولارات لإسقاطه -أمريكا لم تغيّر سياستها تجاه إسرائيل لكن تغيّرت فيها مساحة الكلام عن إسرائيل عملت سفيرًا لبلادي في نيويورك وواشنطن في ثمانينيات القرن الماضي، فتعلمت أن السياسة الأمريكية، على اتساع حريتها، كانت لها مناطق يعرف كل سياسي وإعلامي حدود الاقتراب منها. لم تكن تلك الحدود مكتوبة في دستور أو قانون، بل كانت حاضرة في الثقافة السياسية وحسابات الانتخابات والتمويل والإعلام. وكانت العلاقة مع إسرائيل في مقدمتها. كان بالإمكان أن تختلف مع حكومة إسرائيلية في مسألة جزئية، أو تدعو إلى السلام. لكن نقد العلاقة الخاصة مع إسرائيل، أو نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC، كان له ثمن يعرفه من يقترب منه. في عام 1984 خسر السيناتور الجمهوري تشارلز بيرسي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، مقعده بعد حملة شاركت فيها بقوة أموال وشخصيات مؤيدة لإسرائيل. وفي مطلع التسعينيات، دخل جورج بوش الأب في مواجهة مع حكومة إسحاق شامير حول ضمانات قروض مرتبطة بالاستيطان، حتى وجد رئيس الولايات المتحدة نفسه يشكو علنًا من ضغط واقع على الكونغرس. لا أزعم أن إسرائيل كانت تتحكم في أمريكا؛ هذا تعميم غير منصف. لكن التأييد لها كان جزءًا راسخًا من بنية السياسة الأمريكية، تحرسه مصالح انتخابية وتنظيمية قوية. أستعيد هذه الصورة اليوم، وأسأل: ما الذي تغير؟ فما كان بالغ الصعوبة قبل أربعين عامًا أصبح اليوم يُقال على المنابر، من سياسيين وإعلاميين لا ينتمون إلى اتجاه واحد. في ميشيغان، فاز عبد الرحمن السيد، الأمريكي المسلم ابن مهاجرين مصريين، بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ. لم يخف موقفه من حرب غزة، ودعا إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. وأنفقت جهة مرتبطة بـAIPAC نحو ثلاثين مليون دولار لإسقاطه، رقم قياسي في سباق تمهيدي واحد، ومع ذلك فاز، وإن بفارق ضئيل. لا يعني هذا أن نفوذ AIPAC انتهى؛ فالمنظمة حققت انتصارات أخرى ولا تزال قوية ماليًا وتنظيميًا. لكنه يعني أن المال الهائل لم يعد كافيًا لإسكات خصمه، بل قد يتحول تدخله نفسه إلى سلاح يستخدمه المرشح ضده. وهذه جديدة. وقبله، برز ظهران ممداني في نيويورك بخطاب اقتصادي يضع كلفة السكن والمعيشة في قلب السياسة، وبموقف شديد النقد لحرب غزة ونفوذ AIPAC. ولم يمنعه ذلك من الفوز بعمدة أكبر مدينة أمريكية، التي تضم أكبر تجمع يهودي في العالم خارج إسرائيل. بل طالب بأن تنفذ السلطات الفيدرالية مذكرة الجنائية الدولية إذا زار نتنياهو نيويورك. المسألة عندي ليست الاتفاق مع كل ما يقوله ممداني أو السيد، بل إن مثل هذا الخطاب أصبح ممكنًا انتخابيًا. والأعجب أن الظاهرة تتجاوز اليسار الأمريكي كله. ففي الطرف الآخر يقف تاكر كارلسون، أحد أبرز أصوات تيار MAGA، وقد أصبح من أشد المنتقدين داخل اليمين لما يراه انحراف السياسة الأمريكية عن شعار «أمريكا أولًا» لصالح الحروب الخارجية. وصل خلافه مع ترامب حول إيران وإسرائيل إلى مواجهة علنية، وفي السادس من أغسطس طرح تصورًا من عشر نقاط يرفض فيها الحروب الخارجية غير الضرورية للمصلحة الأمريكية، معتبرًا الداخل الأمريكي نقطة البداية في تحديد أولويات الدولة. فالبعض يصل إلى نقد إسرائيل من باب حقوق الإنسان وعدالة الفلسطينيين. والبعض الآخر يصل إليه من سؤال مختلف تمامًا: لماذا يدفع الأمريكي ثمن حروب لا يراها ضرورية؟ تختلف الدوافع، لكن السؤال الذي كان يصعب طرحه أصبح مطروحًا من جهات متباعدة. وهذا، في نظري، أهم من الأشخاص جميعًا. بل إن التحول وصل إلى داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه. وهنا لا بد من الدقة: ليس صحيحًا أن اليهود الأمريكيين أصبحوا معادين لإسرائيل، ولا يجوز الخلط بين نقد حكومتها ونقد الصهيونية ومعاداة السامية — هذه مسائل مختلفة تمامًا. لكن المجتمع اليهودي الأمريكي لم يعد كتلة واحدة في علاقته بإسرائيل. منظمات مثل Jewish Voice for Peace وIfNotNow جعلت إنهاء الاحتلال محورًا لنشاطها، ولا تمثل كل اليهود الأمريكيين، لكنها أصبحت جزءًا واضحًا من المشهد. وتؤكد الاستطلاعات هذا الانقسام لا شعارات الناشطين وحدهم: ففي يوليو الماضي، قال 37 في المئة ممن هم دون الخامسة والأربعين إن ما فعلته إسرائيل في غزة يرقى إلى إبادة جماعية، مقابل 23 في المئة بين الأكبر سنًا. وحين نوسع الدائرة إلى المجتمع الأمريكي كله، تتضح الصورة أكثر: أظهر استطلاع في أبريل أن 60 في المئة من الأمريكيين أصبحت لديهم نظرة سلبية إلى إسرائيل، ارتفاعًا من 53 في المئة قبل عام فقط. أرقام لم تكن مألوفة في أمريكا التي عرفتها. ما الذي صنع هذا التحول؟ لا سبب واحدًا. جيل جديد لم يعش اسرائيل كما صورها الإعلام المسيطر عليه، بل يراها عبر الصور اليومية من غزة والضفة. وتغير ديموغرافي جعل أبناء المهاجرين جزءًا متزايدًا من السياسة الأمريكية لا هامشًا عليها. ومواطن يقلقه سعر السكن والتأمين الصحي، أصبح أكثر استعدادًا للسؤال عن مليارات تُنفق في الخارج — سؤال يجمع، على نحو لافت، بعض شباب التيارات التقدمية ببعض أنصار «أمريكا أولًا». ولعل العامل الأكثر حسمًا في هذا التحول هو ذلك الذي لم يكن قائمًا حين عملت سفيرًا في واشنطن: عالمٌ تحوّل إلى قرية صغيرة عبر سلطة خامسة لم تكن موجودة. ففي تلك الحقبة، كانت الرواية الرسمية تُصاغ وتُدار من غرف مغلقة، تحتكرها المؤسسات الإعلامية الكبرى وتمررها إلى الجمهور مُهذَّبة ومُنقّحة، بحيث يصل المشهد إلى المواطن الأمريكي بعد أن يمر عبر مصفاة من التحرير والتأويل. أما اليوم، فقد سقط ذلك الاحتكار. لم تعد الصورة تحتاج إلى إذن من غرفة تحرير لتصل إلى ملايين الهواتف في اللحظة نفسها التي تقع فيها الحادثة، ولم يعد بمقدور أي مؤسسة، مهما بلغ نفوذها، أن تتحكم في السردية كما كانت تفعل من قبل. وقد رأينا أثر ذلك بوضوح في غزة: فالمشاهد التي وصلت مباشرة من الميدان، دون وسيط ولا تعديل، هي التي شكّلت وعي جيل بأكمله، وحوّلت التعاطف الإنساني إلى موقف سياسي يصعب تجاهله. وهذا فارق جوهري بين أمريكا التي عرفتها في الثمانينيات، وأمريكا اليوم: لم تعد الرواية الرسمية تملك الكلمة الأخيرة. ثم جاءت غزة. وأقولها كعربي ومسلم لا يستطيع أن يتعامل مع آلام الشعب الفلسطيني كأرقام في تقرير سياسي: كانت المشاهد القادمة منها صادمة للضمير الإنساني. لكن الواجب في التحليل ألا يجعل موقفنا الأخلاقي يستبق النتائج. فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يزال قويًا، والمؤسسات المؤيدة لإسرائيل لا تزال شديدة النفوذ، والكونغرس لا يزال أكثر تأييدًا لها من واسع الرأي العام. وفي المقابل ارتفاع مقلق في معاداة السامية والاعتداءات على اليهود، يجب رفضه بلا تردد، تمامًا كما نرفض الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد العرب والمسلمين. فالنقد المشروع لسياسة دولة أو جماعة ضغط لا يجوز أن يتحول إلى عداء لدين أو شعب. لذلك لا أقول إن أمريكا غيّرت سياستها تجاه إسرائيل. أقول شيئًا أقل من ذلك، لكنه بالغ الأهمية: تغيّرت فيها مساحة الكلام عن إسرائيل. والفرق بين العبارتين كبير. فالسياسة تبقى سنوات بعد أن يتغير المجتمع الذي صنعها؛ المؤسسات أبطأ من الأفكار، والكونغرس أبطأ من الجامعات. لكن السياسات لا تعيش إلى الأبد إذا تغيرت القاعدة التي تحملها. عشت زمنًا في واشنطن كان السياسي يحسب ألف حساب قبل أن ينتقد AIPAC. واليوم أرى مرشحًا مسلمًا يفوز رغم عشرات الملايين التي أُنفقت ضده، وعمدة نيويورك يواجه AIPAC علنًا، وإعلاميًا من قلب التيار المحافظ يعيد تعريف «أمريكا أولًا»، وشبابًا يهودًا يعيدون النظر في علاقة هويتهم بدعم حكومة إسرائيل. أحداث متباعدة الدوافع، ومن الخطأ وضعها في سلة واحدة. لكن اجتماعها في زمن واحد ليس أمرًا عابرًا. هل تتحول هذه الظاهرة إلى سياسة جديدة؟ من المبكر القول. هل يستطيع المال السياسي احتواءها؟ ربما. لكنني بعد أكثر من أربعة عقود من متابعة أمريكا منذ عملت سفيرًا فيها، أستطيع القول: إن شيئًا يستحق التأمل قد تغير. فالتحولات الكبرى لا تبدأ يوم يصدر القرار. تبدأ يوم يصبح السؤال الممنوع سؤالًا مشروعًا. وأمريكا اليوم تسأل عن إسرائيل وفلسطين والمال والنفوذ، بجرأة لم تعرفها في الثمانينيات. أما إلى أين تقود هذه الأسئلة، فذلك فصل لم يُكتب بعد.
576
| 10 أغسطس 2026
هناك رجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، لأنهم يصبحون جزءًا من ذاكرة الوطن ووجدان أهله. وحمد بن خليفة آل ثاني واحد من هؤلاء. نحن، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، جيل حمد بن خليفة. عشنا معه الحلم وهو فكرة، ورأيناه يتحول إلى وطن جديد يراه العالم كله. أما أنا، فقد كان قدري أجمل وأثقل؛ فلم أكن شاهدًا على تلك المسيرة فحسب، بل كنت واحدًا ممن عاشوها معه، يومًا بيوم، وحلمًا بحلم. ولهذا أشعر اليوم أنني لا أودع قائدًا فقط، وإنما أودع مرحلة كاملة من عمري. كان يؤمن بالإنسان قبل كل شيء؛ بكرامته، وحريته، وقدرته على صناعة المستقبل، وكان يحمل رؤية واضحة لوطن يعرف إلى أين يريد أن يصل، وإرادة لا تعرف التردد. وكان صاحب رؤية تسبق زمانها. كم من قرار بدا لنا، ونحن الأقرب إليه، مفاجئًا أو غير مألوف، فيستمع إلى وجهات نظرنا بكل رحابة، ثم يمضي فيما اقتنع به بثقة لا تعرف التردد. وتمضي الأيام، فإذا بما استغربناه بالأمس يصبح شاهدًا جديدًا على بعد نظره وصواب تقديره. وكان إذا اختار رجلًا للعمل معه، منحه ثقته كاملة، ودعمه، وأتاح له فرصة النجاح، وتابع أداءه عن قرب، لكنه لم يتردد يومًا في محاسبته إذا قصّر، لأن الثقة عنده كانت مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. ولم تقتصر رؤيته على بناء الوطن في الداخل، بل امتدت إلى حضوره في العالم. ففي عهده غيّرت الجزيرة وجه الإعلام العربي، وأصبحت الوساطة والحوار سمةً ارتبطت باسم قطر في معالجة أعقد القضايا. ولم يكن ذلك إلا امتدادًا لإيمانه بأن الكلمة الحرة، والحوار، والإنسان، هي الطريق الأصدق لبناء الأوطان وصناعة السلام. لكن ما بقي في القلب أكثر من كل ذلك.. هو الإنسان. ذلك الإنسان الذي لم تغيره المناصب، ولم تحجبه البروتوكولات عن الناس. تراه بينهم كما لو كان واحدًا منهم؛ يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، يجلس معهم ببساطته، وتسبق ضحكته كلماته، فتدخل القلب قبل أن تصل إلى الأذن. وكان وفيًا بصورة نادرة. لا ينسى الناس، ولا ينسى المواقف الصغيرة التي يظن أصحابها أنها عبرت وانتهت. يستعيدها بعد سنوات بكل تفاصيلها، ويمنحها حياة جديدة، وكأن الزمن لم يمض عليها. وكم من مرة جمعنا حديث أو مكالمة هاتفية، فإذا به يعود إلى ذكرى بعيدة، يرويها بدقة، ويضحك لها كما لو أنها حدثت بالأمس. ولا تزال عبارة قالها لي ذات يوم تعيش في وجداني أكثر من أي منصب أو تكريم: “أنت صديقي. قد تترك موقعًا، أما الصداقة فتبقى”. مضت الأعوام، وما زلت كلما تذكرتها أكاد أسمعها بصوته، وأشعر بصدقها كما شعرت به يوم قالها. وكان إذا اتصلت به ولم يكن متاحًا، أعاد الاتصال بنفسه، معتذرًا إن تأخر قليلًا. وكان إذا علم أن أحدًا ممن يعرفهم أصابه مكروه، كان من أوائل المبادرين بالمواساة، يخفف الألم بكلمة صادقة، ويشعرك أن ما أصابك أصابه. وأذكر آخر لقاء جمعني به قبل أن يشتد عليه المرض. كان الألم ظاهرًا، لكن الابتسامة كانت أصدق من الألم. جلس كما عهدته دائمًا، يستعيد الذكريات، ويتوقف عند أدق تفاصيلها، ويعيشها وكأنها جزء من حاضره. ثم جاءت آخر صورة لا تفارق ذاكرتي. في حفل تخريج طلاب مؤسسات قطر، وكان أول احتفال أحضره بعد وفاة ابني الحبيب تميم، رحمه الله. تقدمت لأسلم عليه، فإذا به يتأثر تأثرًا بالغًا وهو يراني. خشيت أن أزيد من حزنه، فانسحبت سريعًا، وبقي ذلك المشهد محفورًا في قلبي. ثم غاب المرض به عن الأنظار. وكنا جميعًا ننتظر عودته، لأننا لم نعتد أن نراه إلا باعثًا للبهجة، وناشرًا للأمل. حتى جاء الخبر الذي لم نكن مستعدين لسماعه. وكنت يومها خارج الوطن. وها أنا أكتب هذه الكلمات في الطائرة، عائدًا إلى قطر للمشاركة في وداع رجل لا أستطيع أن أتخيل قطر من دونه. ولم يكن حزني وحدي. حتى أحفادي الصغار عاشوا هذا الفقد، فقالت إحداهن وهي تغالب دموعها: “يبه حمد.. هل سنرجع إلى قطر ولن يكون الوالد بيننا؟ لا أستطيع أن أتخيل ذلك”. عندها أدركت أن محبة هذا الرجل تجاوزت السياسة والمناصب، لتصبح جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة. وأنا اليوم لا أبكي لأن قائدًا رحل، بل لأن صديقًا رحل. ولأن وجهًا كنا نستمد منه الطمأنينة غاب عن أعيننا. ولأن ضحكة ألفناها لن نسمعها مرة أخرى. لكنني، رغم كل هذا الحزن، على يقين أنه لم يرحل. سيبقى في هذا الوطن ما بقيت إرادة تبني، وما بقي إنسان يؤمن بأن المستحيل يمكن أن يصبح واقعًا. وسيظل حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه، وفي وجدان كل من أحبه. وأبقى أعتز، ما حييت، بأنني كنت أول من حمل وشاح حمد بن خليفة. كان ذلك أعظم وسام. وسيظل كذلك ما بقي في العمر بقية. رحمك الله يا أبا مشعل. قد يغيب الجسد، أما أنت فستبقى ما بقيت قطر، وما بقي في هذا الوطن من يروي قصة رجل آمن بوطنه، فأحبه الوطن، وآمن بإنسانه، فأحبه الناس.
828
| 14 يوليو 2026
ليست هذه عبارة إنشائية أو حكمة أدبية، بل حقيقة استراتيجية أثبتتها التجارب والحروب عبر التاريخ. فالحوار، مهما بلغت صعوباته وتعقيداته، يبقى أقل كلفة من أي مواجهة عسكرية، وأكثر قدرة على حماية الأرواح والمكتسبات وصون استقرار الدول والشعوب. وفي منطقتنا الخليجية، التي تحتل موقعاً محورياً في معادلات الأمن والاقتصاد العالمي، برهنت الأزمة الأخيرة مرة أخرى أن كلفة الحرب تتجاوز ميادين القتال لتطال التنمية والاستقرار ومستقبل الأجيال. واليوم، ومع توقف العمليات العسكرية وبدء سريان وقف إطلاق النار، ينبغي النظر إلى ما تحقق بواقعية؛ فالحرب توقفت، لكن أسبابها لم تُعالج بالكامل بعد، وما زالت الملفات الخلافية الكبرى تنتظر حلولاً سياسية تضمن عدم العودة إلى دائرة التصعيد. وكما يقال الشيطان يكمن في التفاصيل، لذلك تبقى العودة الى القوة ليست مستبعدة. وفي هذا السياق، تستحق المواقف المسؤولة للمملكة العربية السعودية ودولة قطر وسلطنة عُمان التقدير، فقد نجحت في الجمع بين الدفاع المشروع عن أمنها ومصالحها الوطنية وبين التحلي بالصبر الاستراتيجي وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد التي كان من شأنها توسيع دائرة الصراع وإثقال كلفته على الجميع. لقد أثبتت أن الحكمة ليست نقيض القوة، إنها أحد أهم تجلياتها. كما برزت الدبلوماسية القطرية بدورها الفاعل في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات التواصل، مستندة إلى خبرة متراكمة في الوساطة وصناعة فرص السلام، وبالتعاون مع الأشقاء والأصدقاء وفي مقدمتهم الباكستانيون الساعون إلى احتواء الأزمة وتغليب الحلول السياسية. وإن توقيع الاتفاق في فندق برغنستوك في سويسرا المملوك لقطر لذو قيمة رمزية لدور قطر ومكانتها. أما الإعلام خلال الأزمة، فقد كشف كعادته عن وجهين متناقضين؛ إعلام مهني ومسؤول أسهم في نشر الوعي وتهيئة الرأي العام لتقبل الحلول. وإعلام آخر غذّى الانفعالات وعمّق الانقسامات. والحقيقة أن الإعلام الذي يبني الجسور بين الشعوب ويهيئ المناخ للحوار يخدم الاستقرار، بينما الإعلام الذي يقتات على الإثارة والصدام يطيل عمر الأزمات ويعقّد فرص الحل. والدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه هو أن أمن الخليج واستقرار المنطقة لا يمكن أن يُبنيا على الاستقطاب أو الاستقواء بالعدو أو الارتهان للخارج، وإنما على الحوار وبناء الثقة والاحترام المتبادل وإدراك حقائق التاريخ والجغرافيا وتشابك المصالح والمصير المشترك. ومن هذا المنطلق، فإن دول الخليج والجزيرة العربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتوحيد مواقفها السياسية، خصوصاً تجاه القضايا المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والاعتماد على قدراتها الذاتية عسكريا، وترسيخ نهج الحوار في إدارة علاقاتها الإقليمية. كما أن الجغرافيا تفرض نفسها في بناء علاقات مستقرة ومتوازنة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار والتعاون في تحقيق المصالح المشتركة، بما ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة وازدهار شعوبها. ولهذا تبقى الحقيقة الأهم: حوار عامٍ كامل خير من حرب يوم واحد، لأن ما يبنيه الحوار من ثقة واستقرار ومصالح مشتركة يفوق بكثير ما قد تحققه الحروب من مكاسب عابرة.
291
| 19 يونيو 2026
ليست هذه عبارة إنشائية أو حكمة أدبية، بل حقيقة استراتيجية أثبتتها التجارب والحروب عبر التاريخ. فالحوار، مهما بلغت صعوباته وتعقيداته، يبقى أقل كلفة من أي مواجهة عسكرية، وأكثر قدرة على حماية الأرواح والمكتسبات وصون استقرار الدول والشعوب. وفي منطقتنا الخليجية، التي تحتل موقعاً محورياً في معادلات الأمن والاقتصاد العالمي، برهنت الأزمة الأخيرة مرة أخرى أن كلفة الحرب تتجاوز ميادين القتال لتطال التنمية والاستقرار ومستقبل الأجيال. واليوم، ومع توقف العمليات العسكرية وبدء سريان وقف إطلاق النار، ينبغي النظر إلى ما تحقق بواقعية؛ فالحرب توقفت، لكن أسبابها لم تُعالج بالكامل بعد، وما زالت الملفات الخلافية الكبرى تنتظر حلولاً سياسية تضمن عدم العودة إلى دائرة التصعيد. وكما يقال الشيطان يكمن في التفاصيل، لذلك تبقى العودة الى القوة ليست مستبعدة. وفي هذا السياق، تستحق المواقف المسؤولة للمملكة العربية السعودية ودولة قطر وسلطنة عُمان التقدير، فقد نجحت في الجمع بين الدفاع المشروع عن أمنها ومصالحها الوطنية وبين التحلي بالصبر الاستراتيجي وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد التي كان من شأنها توسيع دائرة الصراع وإثقال كلفته على الجميع. لقد أثبتت أن الحكمة ليست نقيض القوة، إنها أحد أهم تجلياتها. كما برزت الدبلوماسية القطرية بدورها الفاعل في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات التواصل، مستندة إلى خبرة متراكمة في الوساطة وصناعة فرص السلام، وبالتعاون مع الأشقاء والأصدقاء وفي مقدمتهم الباكستانيون الساعون إلى احتواء الأزمة وتغليب الحلول السياسية. وإن توقيع الاتفاق في فندق برغنستوك في سويسرا المملوك لقطر لذو قيمة رمزية لدور قطر ومكانتها. أما الإعلام خلال الأزمة، فقد كشف كعادته عن وجهين متناقضين؛ إعلام مهني ومسؤول أسهم في نشر الوعي وتهيئة الرأي العام لتقبل الحلول. وإعلام آخر غذّى الانفعالات وعمّق الانقسامات. والحقيقة أن الإعلام الذي يبني الجسور بين الشعوب ويهيئ المناخ للحوار يخدم الاستقرار، بينما الإعلام الذي يقتات على الإثارة والصدام يطيل عمر الأزمات ويعقّد فرص الحل. والدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه هو أن أمن الخليج واستقرار المنطقة لا يمكن أن يُبنيا على الاستقطاب أو الاستقواء بالعدو أو الارتهان للخارج، وإنما على الحوار وبناء الثقة والاحترام المتبادل وإدراك حقائق التاريخ والجغرافيا وتشابك المصالح والمصير المشترك. ومن هذا المنطلق، فإن دول الخليج والجزيرة العربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتوحيد مواقفها السياسية، خصوصاً تجاه القضايا المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والاعتماد على قدراتها الذاتية عسكريا، وترسيخ نهج الحوار في إدارة علاقاتها الإقليمية. كما أن الجغرافيا تفرض نفسها في بناء علاقات مستقرة ومتوازنة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار والتعاون في تحقيق المصالح المشتركة، بما ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة وازدهار شعوبها. ولهذا تبقى الحقيقة الأهم: حوار عامٍ كامل خير من حرب يوم واحد، لأن ما يبنيه الحوار من ثقة واستقرار ومصالح مشتركة يفوق بكثير ما قد تحققه الحروب من مكاسب عابرة.
249
| 18 يونيو 2026
-الموارد لا تتحول إلى نهضة إلا بقيادة وشعب ومؤسسات وإرادة حين تضطرب المنطقة، وتشتعل الأزمات، وتعلو أصوات السياسة والحرب، تنكشف للناس حقائق كانوا يمرون بها مرور العابرين ويتعاملون معها كأنها مسلمات. وتعود بعض الأمكنة، التي ظنها البعض مجرد أسماء على الخرائط، لتظهر في حجمها الحقيقي، لا كما تبدو، بل كما تؤثر. وهكذا عادت رأس لفان إلى ذهني، لا كمكان أعرفه وأحبه فحسب، بل كرمز وطني كبير، أدركت من جديد أن قيمته تتجاوز حدود قطر إلى فضاء العالم أجمع. ولعل القارئ يذكر أنني كتبت من قبل نصين عن ارتباطي العاطفي برأس لفان، ذلك الموضع العزيز الذي أملك فيه بيتًا ألوذ به كلما أردت صفاء النفس، وأعود إليه كلما اشتقت إلى مكان يجمع بين السكينة والجمال والوفاء. وليس البيت عندي جدرانًا وسقفًا، بل وعاء للذكريات، ورفيقًا لسنوات لا تُنسى، شهد ساعات تأمل طويلة، واحتضن صفحات كثيرة كتبتها هناك، حتى إن عددًا من كتبي وُلد بين جدرانه، وفي مقدمتها كتابي (على قدر أهل العزم) الذي قُدّر له أن يُترجم إلى اثنتي عشرة لغة، فخرج من رأس لفان حاملًا صوت واحد من أبناء قطر إلى جموع القراء في أنحاء العالم. غير أن رأس لفان، في نظري، ليست مجرد منطقة صناعية، ولا اسمًا يرتبط في الأذهان بالطاقة وحدها، بل هي صورة مكثفة لروح قطر نفسها؛ حيث يلتقي البحر بالصحراء، ويلتقي الماضي بالمستقبل، ويلتقي جمال الطبيعة بعظمة الإنجاز. فالبحر، في وجدان أهل هذه المنطقة، لم يكن يومًا مجرد ماء يجاور اليابسة، بل كان حياة كاملة. فقد خاض غِمَار أمواجه الآباء، ومنه طلبوا الرزق، وفي أعماقه غاصوا بحثًا عن اللؤلؤ، وعلى شواطئه انتظر الأحبة عودة السفن. وكان البحر مدرسة في الصبر والشجاعة والانضباط، ومن رَحِمَه وُلدت أغانٍ وأهازيج وقصائد لا تزال تسكن الذاكرة الخليجية إلى اليوم. أما الصحراء، فلم تكن فراغًا قاسيًا كما يتصور من لم يعشها، بل كانت فضاءً للتربية على الجلد والكرامة والاعتماد على النفس. تشكلت فيها قيم النجدة والوفاء والكرم، وفي اتساعها تعلّم الإنسان معنى الحرية، وفي قسوتها تعلّم كيف ينتصر على الشدة. ومن بيئتها خرج شعر الحكمة، وأمثال العرب، وتجارب الصبر الطويل. البحر والصحراء إذن لم يكونا مجرد مشهد طبيعي، بل كانا صانعي الإنسان في هذه الأرض، ومصدر رزقه، ومُلهمَي وجدانه، وحاضنَي تاريخه. ثم شاء الله أن يعود البحر والصحراء، بعد أن كانا مصدرَي رزق الأجداد، ليكونا مرة أخرى مصدر نهضة الأحفاد. ففي الأعماق البحرية، وتحت طبقات الأرض، كان الغاز الطبيعي، هذه الثروة التي أصبحت من أهم أعمدة الحضارة الحديثة، وجعلت من رأس لفان اسمًا حاضرًا في كل حديث جاد عن الطاقة والاقتصاد. فالغاز الطبيعي اليوم ليس موردًا عاديًا، بل شريان رئيسي للحياة المعاصرة، تُدار به محطات الكهرباء، وتُدفأ به البيوت في الشتاء، وتعمل به مصانع الحديد والأسمنت والزجاج والمواد الكيميائية، ويدخل في صناعة الأسمدة التي تقوم عليها الزراعة الحديثة، كما يدخل في صناعات البتروكيماويات والمنتجات الطبية وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية. وحين يضطرب سوق الغاز، لا يكون الأمر شأنًا اقتصاديًا مجردًا، بل تنعكس آثاره على حياة الناس مباشرة؛ إذ ترتفع الأسعار، وتتأثر الصناعات، وتتراجع القدرات الإنتاجية، وتضطرب الأسواق المالية، وتشعر دول بعيدة بنتائج ما يجري وإن لم تر الحقول ولا الموانئ. ولما كان الغاز الطبيعي أقل انبعاثًا من أنواع الوقود التقليدية الأخرى، بات عنصرًا محوريًا في مرحلة الانتقال العالمي نحو طاقة أكثر كفاءة وأخف أثرًا على البيئة. ولهذا ازدادت أهمية الدول القادرة على توفيره بثقة واستقرار وانتظام. غير أن الحديث عن الغاز القطري لا يكتمل إذا اختُصر في الأرقام والعوائد، لأن وراءه قصة تحدٍّ وطني تستحق أن تُروى. حين قررت قطر أن تستثمر هذه الثروة على النطاق الذي نراه اليوم، لم يكن الطريق ممهدًا، ولم يكن النجاح مضمونًا. فصناعة الغاز الطبيعي المسال من أعقد الصناعات في العالم؛ إذ يتطلب الأمر استخراج الغاز، ثم معالجته، ثم تبريده إلى درجات شديدة الانخفاض ليصبح سائلًا يمكن نقله بحرًا، ثم شحنه عبر ناقلات متخصصة إلى أسواق بعيدة، ثم إعادة تحويله في موانئ الاستقبال إلى حالته الغازية ليستفاد منه. وهذه سلسلة تحتاج إلى علم متقدم، واستثمارات هائلة، وإدارة عالية الكفاءة، ورؤية بعيدة المدى، وصبر لا يتعجل النتائج. وكان هناك من شكك، ومن رأى أن الرهان أكبر من القدرة، ومن اعتقد أن دولة صغيرة في مساحتها وسكانها لا تستطيع أن تبني لنفسها هذا الموقع العالمي، بل إن شركات كبرى لم تُبدِ في البدايات حماسةً للدخول في مشروع رأته شديد الكلفة، بعيد الأمد، محفوفًا بالتحديات. لكن قطر رأت ما وراء اللحظة. رأت أن الأمم لا تصنع مستقبلها بالخوف، وأن الموارد لا تتحول إلى نهضة إلا إذا وجدت قيادةً تعرف كيف تقرأ الزمن، وشعبًا يؤمن ببلاده، ومؤسسات تتقن العمل، وإرادة لا تلتفت إلى تخذيل المثبطين. فمضت في طريقها، بهدوء الواثق، وثبات العارف بما يريد. استثمرت في البنية التحتية، وبنت الموانئ والمنشآت، وأعدّت الكفاءات الوطنية، وأحسنت اختيار الشركاء، حتى أصبحت رأس لفان واحدة من أهم مراكز الطاقة في العالم، وأصبح اسم قطر حاضرًا بقوة في معادلات أمن الطاقة العالمي. غير أن الذي أيقظ هذه المعاني في نفسي من جديد، وأعاد قلمي إلى رأس لفان، هو الأزمة الراهنة التي نعيشها، والتي حُشرت فيها منطقتنا بفعل من أشعل نارها ووسّع دوائرها. وفي خِضَم تلك الأحداث، جاء الاعتداء من الجار الإيراني، في مشهدٍ جَرَح قيمةَ الجِوار، وهي في ثقافتنا العربية والإسلامية ليست أمرًا عابرًا، بل خُلُقٌ رفيعٌ وحقٌ معتبرٌ ومبدأٌ قامت عليه العلاقات بين الناس قبل أن تقوم على الاتفاقيات والمواثيق. فالجار في تراثنا يُصان حقُه، ويُراعى أمنه، ويُكفُّ الأذى عنه، لأن حسن الجوار من شيم الكرام، ومن القيم التي حضّ عليها الدين والأخلاق معًا. وحين يُمسُّ مشروع بحجم رأس لفان، لا يكون الضررُ محصورًا في حدود دولة بعينها، بل تمتد آثاره إلى العالم كله. فتنخفض الإمدادات، وتضطرب الأسواق، وتُطفأ أنوار في أماكن، وتتوقف مصانع في أماكن أخرى، وترتفع الأسعار على شعوب لا تعرف من أين بدأ الاضطراب، لكنها تشعر بنتائجه في معيشتها اليومية. عندها أدركت مرة أخرى أن رأس لفان ليست لنا في قطر وحدنا، وإن كانت جزءًا من روحنا وفخرنا، بل هي أيضًا رافد جوهري لاستقرار العالم الحديث. وأن ما بنته قطر هناك لم يكن خدمة لاقتصادها الوطني فحسب، بل مساهمة مسؤولة في أمن الطاقة العالمي، وفي استقرار حياة ملايين البشر. ولهذا، حين أقف في بيتي هناك، وأتأمل البحر والصحراء من حولي، أشعر أنني لا أنظر إلى مشهدٍ طبيعيٍ خلابٍ فقط، بل إلى ملحمة وطن خالدة. هنا ذاكرة الآباء، وهنا اجتهاد الأبناء، وهنا وطن عرف كيف يحفظ جذوره وهو يُشيِّد مستقبله. وفي رأس لفان يتأكد لي دائمًا أن من أحب أرضه بصدق، وأخلص لها عملًا، ردّت له الأرض جميل صنعه أضعافًا مضاعفة.
501
| 20 أبريل 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
2163
| 24 مارس 2026
-المقامةُ القَطَرِيَّةُ في مُعْجَمِ الدَّوْحَةِ الأَبِيَّةِ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ -مُعْجَمٌ خَاضِعٌ لِلتَّحْدِيثِ، لِأَنَّ اللُّغَةَ الَّتِي لَا تُحَدَّثُ تَجْمُدُ، وَالَّتِي تَجْمُدُ تَتَخَلَّفُ عَنِ الحَيَاةِ - اجْتَمَعَ العُلَمَاءُ مِنْ أَقْطَارٍ شَتَّى، وَامْتَدَّ العَمَلُ سِنِينَ، حَتَّى اكْتَمَلَ البُنْيَانُ وَآنَ الحِصَادُ - المُعْجَمُ سَيَكُونُ مَصْدَرًا رَئِيسًا لِإِثْرَاءِ العَقْلِ الصِّنَاعِيِّ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. فَالآلَةُ لَا تَفْهَمُ اللُّغَةَ بِالذَّوْقِ، بَلْ بِالمُدَوَّنَاتِ، وَلَا تُدْرِكُ الفُرُوقَ الدِّلَالِيَّةَ إِلَّا إِذَا عُرِّفَتْ بِالتَّارِيخِ وَالسِّيَاقِ. - العَرَبِيَّةُ لُغَةُ عَقِيدَةٍ؛ بِهَا نَزَلَ القُرْآنُ، وَبِهَا تَشَكَّلَ الوَعْيُ الإِيمَانِيُّ. وَهِيَ لُغَةُ أَدَبٍ صَاغَ الذَّوْقَ وَالخَيَالَ. - طُوبَى لِقَطَرَ إِذْ جَعَلَتِ العَرَبِيَّةَ ذَاكِرَةً حَيَّةً، وَجَعَلَتِ المُعْجَمَ جِسْرَ زَمَانٍ، وَفَتَحَتْ لِلُّغَةِ بَابَ الغَدِ وَهِيَ ثَابِتَةُ الأَصْلِ، وَاضِحَةُ المَعْنَى. - إِذَا صِيْنَتِ اللُّغَةُ صَانَتِ الهُوِيَّةَ، وَإِذَا ضَاعَتِ اللُّغَةُ تَشَتَّتَ المَعْنَى -بِهَذَا المُعْجَمِ تَدْخُلُ العَرَبِيَّةُ عَالَمَ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ لُغَةً كَامِلَةَ الأَهْلِيَّةِ، لَا مُخْتَزَلَةً وَلَا مُشَوَّهَةً -دوْلَةُ قَطَرَ تَعِي أَنَّ اللُّغَةَ الحَضَارِيَّةَ أَسَاسُ السِّيَادَةِ الثَّقَافِيَّةِ، وَأَنَّ الأُمَمَ الَّتِي تُهْمِلُ لُغَتَهَا تُهْمِلُ ذَاكِرَتَهَا هذه مقامةٌ كُتِبَتْ حينَ اكْتَمَلَ المُعْجَمُ، وشَهِدَ الزَّمَانُ أنَّ لِلُّغَةِ دَوْلَةً تَحْمِلُهَا، وَلِلدَّوْلَةِ لُغَةً تَحْفَظُهَا. قالَ الرَّاوِي: لَمَّا حَضَرْتُ يَوْمَ الخِتَامِ، وَشَهِدْتُ اكْتِمَالَ مَا طَالَ انْتِظَارُهُ، وَسَمِعْتُ الكَلِمَاتِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ صُدُورِ العَارِفِينَ لَا مِنْ أَوْرَاقِ المُتَحَدِّثِينَ، وَتَابَعْتُ الأَفْلَامَ القَصِيرَةَ تَخْتَزِلُ سِنِينَ العَمَلِ فِي دَقَائِقَ مِنَ البَيَانِ؛ أَدْرَكْتُ أَنَّنِي أَمَامَ حَدَثٍ لَا يُحْتَفَلُ بِهِ فَقَطْ، بَلْ يُسْتَأْنَفُ بِهِ. وَكَانَتِ العَرَبِيَّةُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لَا تُكَرَّمُ، بَلْ تُسْتَعَادُ. وَبَيْنَمَا أُقَلِّبُ مَا سَمِعْتُ بِعَقْلِ البَاحِثِ، وَأَزِنُهُ بِقَلْبِ الحَرِيصِ، إِذْ بِطَارِقٍ يَطْرُقُ بَابَ المَعْنَى قَبْلَ بَابِ المَكَانِ؛ فَإِذَا هُوَ أَبُو زَيْدٍ السَّرُوجِيُّ، قَدِ احْتَفَّ بِهِ السُّؤَالُ، وَتَلَبَّسَهُ العَجَبُ. قَالَ وَقَدِ اسْتَقَامَ سَجْعُهُ وَانْتَظَمَ قَوْلُهُ: يَا صَاحِبَ العَرَبِيَّةِ غَيْرَةً وَوَعْيًا، وَيَا شَاهِدَ يَوْمٍ صَارَتْ فِيهِ اللُّغَةُ خَبَرًا كَبِيرًا؛ بَلَغَنِي أَنَّ مُعْجَمَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ التَّارِيخِيَّ قَدِ اكْتَمَلَ، وَأَنَّ قَطَرَ جَمَعَتْ شَتَاتَ القُرُونِ فِي سِفْرٍ وَاحِدٍ؛ فَحَدِّثْنِي: مَا حَقِيقَةُ هَذَا الأَمْرِ؟ وَمَا شَأْنُ هَذَا المُعْجَمِ بَيْنَ مَعَاجِمِ العَرَبِ؟ فَقُلْتُ وَأَنَا أُجِيبُ جَوَابَ مَنْ حَضَرَ فَوَعَى، لَا مَنْ سَمِعَ فَنَقَلَ: يَا أَبَا زَيْدٍ، إِنَّ الَّذِي اكْتَمَلَ لَيْسَ كِتَابًا يُضَافُ، بَلْ مُدَوَّنَةُ المُفْرَدَةِ العَرَبِيَّةِ؛ مُدَوَّنَتُهَا مِنْ أَوَّلِ نُطْقِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ العَرَبِ، إِلَى مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ فِي لُغَتِنَا اليَوْمَ. هُوَ سِجِلٌّ لِلَّفْظِ فِي جَمَالِهِ، وَلِلمَعْنَى فِي تَطَوُّرِهِ، وَلِلسِّيَاقِ فِي تَغَيُّرِهِ؛ يَشْهَدُ انْتِقَالَ الكَلِمَةِ مِنَ البَادِيَةِ إِلَى الحَاضِرَةِ، وَمِنَ الشِّعْرِ إِلَى العِلْمِ، وَمِنَ الفِقْهِ إِلَى الفِكْرِ. وَهُوَ - يَا أَبَا زَيْدٍ - أَوَّلُ مُعْجَمٍ يَسْعَى إِلَى اسْتِيعَابِ كُلِّ أَلْفَاظِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لَا يَنْتَقِي دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا يُقْصِي مَا قَلَّ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا يَقْصُرُ نَظَرَهُ عَلَى المَشْهُورِ دُونَ المَهْجُورِ. وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّهُ مُعْجَمٌ خَاضِعٌ لِلتَّحْدِيثِ، لِأَنَّ اللُّغَةَ الَّتِي لَا تُحَدَّثُ تَجْمُدُ، وَالَّتِي تَجْمُدُ تَتَخَلَّفُ عَنِ الحَيَاةِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَمَا الَّذِي يُمَيِّزُهُ عَمَّا سَبَقَهُ؟ فَقُلْتُ: يُمَيِّزُهُ أَنَّهُ قَامَ عَلَى التَّأْثِيلِ؛ فَلَا يَذْكُرُ اللَّفْظَ إِلَّا بَعْدَ بَحْثٍ فِي أَصْلِهِ، وَتَتَبُّعٍ لِجُذُورِهِ، وَتَحْقِيقٍ فِي مَسَارِهِ الدِّلَالِيِّ، حَتَّى تُوضَعَ الكَلِمَةُ فِي تُرْبَتِهَا الأُولَى، وَتُقْرَأَ قِرَاءَةً جِذْرِيَّةً لَا سَطْحِيَّةً. قَالَ: وَمَنْ حَمَلَ هَذَا العِبْءَ؟ قُلْتُ: حَمَلَتْهُ دَوْلَةُ قَطَرَ، وَهْيَ تَعِي أَنَّ اللُّغَةَ الحَضَارِيَّةَ أَسَاسُ السِّيَادَةِ الثَّقَافِيَّةِ، وَأَنَّ الأُمَمَ الَّتِي تُهْمِلُ لُغَتَهَا تُهْمِلُ ذَاكِرَتَهَا. وَقَدْ رَعَاهُ حَضْرَةُ صَاحِبُ السُّمُوِّ الشَّيْخُ تَمِيمُ بْنُ حَمَدٍ آلُ ثَانِي، أَمِيرُ البِلَادِ المُفَدَّى، فَأَحَاطَهُ بِالرُّؤْيَةِ وَالدَّعْمِ، وَوَفَّرَ لَهُ الإِمْكَانَاتِ، حَتَّى خَرَجَ صَرْحًا عِلْمِيًّا مَكِينًا. وَمِنْ خِلَالِ مَعْهَدِ الدَّوْحَةِ لِلدِّرَاسَاتِ العُلْيَا، الْتَقَتِ الفِكْرَةُ بِالمُؤَسَّسَةِ، وَالعِلْمُ بِالتَّنْظِيمِ، فَاجْتَمَعَ العُلَمَاءُ مِنْ أَقْطَارٍ شَتَّى، وَامْتَدَّ العَمَلُ سِنِينَ، حَتَّى اكْتَمَلَ البُنْيَانُ وَآنَ الحِصَادُ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَمَا مَكَانُهُ فِي عَصْرِ العَقْلِ الصِّنَاعِيِّ؟ فَقُلْتُ: هُنَا يَا أَبَا زَيْدٍ تَبْدُو عَظَمَةُ الإِنْجَازِ؛ فَهَذَا المُعْجَمُ سَيَكُونُ مَصْدَرًا رَئِيسًا لِإِثْرَاءِ العَقْلِ الصِّنَاعِيِّ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. فَالآلَةُ لَا تَفْهَمُ اللُّغَةَ بِالذَّوْقِ، بَلْ بِالمُدَوَّنَاتِ، وَلَا تُدْرِكُ الفُرُوقَ الدِّلَالِيَّةَ إِلَّا إِذَا عُرِّفَتْ بِالتَّارِيخِ وَالسِّيَاقِ. وَبِهَذَا المُعْجَمِ تَدْخُلُ العَرَبِيَّةُ عَالَمَ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ لُغَةً كَامِلَةَ الأَهْلِيَّةِ، لَا مُخْتَزَلَةً وَلَا مُشَوَّهَةً. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: فَحَدِّثْنِي عَنِ الرُّوحِ بَعْدَ العِلْمِ. قُلْتُ: العَرَبِيَّةُ يَا أَبَا زَيْدٍ لُغَةُ عَقِيدَةٍ؛ بِهَا نَزَلَ القُرْآنُ، وَبِهَا تَشَكَّلَ الوَعْيُ الإِيمَانِيُّ. وَهِيَ لُغَةُ أَدَبٍ صَاغَ الذَّوْقَ وَالخَيَالَ، وَلُغَةُ تَارِيخٍ حَفِظَ سِيرَةَ الأُمَّةِ. فَإِذَا صِيْنَتِ اللُّغَةُ صَانَتِ الهُوِيَّةَ، وَإِذَا ضَاعَتِ اللُّغَةُ تَشَتَّتَ المَعْنَى. فَقَالَ أَبُو زَيْدٍ وَقَدْ أَطْرَقَ: إِذَنْ هَذَا مُعْجَمُ أُمَّةٍ لَا مُعْجَمُ لُغَةٍ فَحَسْبُ. قُلْتُ: صَدَقْتَ. فَقَامَ وَخَتَمَ قَوْلَهُ: طُوبَى لِقَطَرَ إِذْ جَعَلَتِ العَرَبِيَّةَ ذَاكِرَةً حَيَّةً، وَجَعَلَتِ المُعْجَمَ جِسْرَ زَمَانٍ، وَفَتَحَتْ لِلُّغَةِ بَابَ الغَدِ وَهِيَ ثَابِتَةُ الأَصْلِ، وَاضِحَةُ المَعْنَى. قَالَ الرَّاوِي: فَوَدَّعْتُ أَبَا زَيْدٍ، وَقَدْ أَدْرَكْتُ أَنَّ هَذِهِ المَقَامَةَ لَمْ تُكْتَبْ لِلتَّفَاخُرِ، بَلْ لِتُقْرَأَ كُلَّمَا سُئِلَ: مَتَى نَهَضَتِ العربيّةُ من جَديدٍ؟.
300
| 28 ديسمبر 2025
عَنْ: اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَجَائِزَةِ الكِتَابِ العَرَبِي (مَقَامَةٌ حِوَارِيَّةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي زَيْدٍ السُّرُوجِي) قُلْتُ: يَا أَبَا زَيْدٍ السُّرُوجِيَّ، إِنِّي أَسْتَنْجِدُكَ اليَوْمَ كَمَا اسْتَنْجَدْتُكَ مِرَارًا، لَا لِفَقْرِ المَعْنَى وَلَا لِقِلَّةِ القَوْلِ، بَلْ لِفَيْضِ الأَفْكَارِ وَتَزَاحُمِهَا، وَلِثِقَلِ الأَمَانَةِ الَّتِي نَحْمِلُهَا عِنْدَمَا نَقِفُ لِنَتَكَلَّمَ عَنِ اللُّغَةِ، وَنَخُصُّهَا بِالكَلَامِ فِي مَوْطِنٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الوَطَنِ وَالكِتَابِ وَالهُوِيَّةِ. أُرِيدُ كَلِمَةً تَلِيقُ بِهَذَا المَقَامِ، وَلَا أَرَاهَا تُؤَدَّى إِلَّا بِحِوَارٍ يُفْصِحُ، وَمَقَامٍ يُرَسِّخُ، وَقَوْلٍ يَسْكُنُ العَقْلَ قَبْلَ الأُذُنِ. قَالَ السُّرُوجِيُّ: لَبَّيْتُكَ يَا صَاحِبِي، فَإِذَا دُعِيَتَ اللُّغَةُ نَطَقْتُ، وَإِذَا اسْتُغِيثَ بِالمَعْنَى حَضَرْتُ. وَلَكِنْ قُلْ لِي: أَتُرِيدُ كَلَامًا لِلمُنَاسَبَةِ أَمْ مَوْقِفًا لِلتَّارِيخِ؟ قُلْتُ: أُرِيدُهُ مَوْقِفًا يَبْقَى، لِأَنَّ المَنَاسَبَاتِ تَمْضِي، وَأَمَّا المَوَاقِفُ فَتُخلد. أُرِيدُ أَنْ أَبْدَأَ بِذِكْرَى يَوْمِنَا الوَطَنِيِّ، لِأَنَّهُ السِّيَاقُ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ المَعَانِي، ثُمَّ نَمْضِي إِلَى اللُّغَةِ، فَنُؤَصِّلُ لَهَا، وَنُدَافِعُ عَنْهَا، وَنُحَاسِبُ أَنْفُسَنَا قَبْلَ أَنْ نَطْلُبَ مِنَ الآخَرِينَ. مَقَامُ اليَوْمِ الوَطَنِيِّ وَشِعَاره قُلْتُ: نَحْنُ اليَوْمَ نَعِيشُ ذِكْرَى يَوْمِنَا الوَطَنِيِّ، ذِكْرَى لَا تُشْبِهُ سِوَاهَا، لِأَنَّهَا لَا تُحْيِي تَارِيخًا فَقَط، بَلْ تُجَدِّدُ عَهْدًا. هِيَ ذِكْرَى تَذْكُرُّون بِأَنَّ الأَوْطَانَ لَا تُبْنَى بِالصُّدَفِ، وَلَا تَعْلُو بِالشِّعَارَاتِ، بَلْ تَعْلُو بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِينَ حَمَلُوا المَسْؤُولِيَّةَ وَصَبَرُوا عَلَى المشَقَة. وَفِي هَذَا اليَوْمِ نَتَوَجَّهُ بِالتَّحِيَّةِ وَالعِرْفَانِ إِلَى حَضْرَةِ صَاحِبِ السُّمُوِّ الشَّيْخِ تَمِيمِ بْنِ حَمَدٍ آلِ ثَانِي، أَمِيرِ البِلَادِ المُفَدَّى، حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ، وَنَدْعُو اللهَ أَنْ يَمْضِيَ هَذَا الوَطَنُ فِي ظِلِّ قِيَادَتِهِ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ نَحْوَ المَجْدِ، وَأَنْ يَظَلَّ رَاسِخًا فِي قِيَمِهِ، وَاثِقًا فِي رُؤْيَتِهِ، مُتَّزِنًا بَيْنَ الأَصَالَةِ وَالمُعَاصَرَةِ. وَقَدْ جَاءَ شِعَارُ يَوْمِنَا الوَطَنِيِّ هَذَا العَامَ فِي كَلِمَتَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا تَحْمِلَانِ مَنْهَجًا كَامِلًا: «بِكُمْ تَعْلُو، وَمِنْكُمْ تَنْتَظِرُ». بِنَا تَعْلُو الأَوْطَانُ إِذَا صَدَقَ العَمَلُ، وَبِنَا تَرْتَفِعُ إِذَا اسْتَقَامَ الضَّمِيرُ، وَمِنَّا تَنْتَظِرُ أَنْ نَكُونَ عَلَى قَدْرِ الثِّقَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الأَمَانَةِ، وَعَلَى قَدْرِ مَا بُنِيَ لَنَا فَنَبْنِي عَلَيْهِ وَلَا نَهْدِمُهُ. قَالَ السُّرُوجِيُّ: إِذَا كَانَ هَذَا شِعَارَكُمْ، فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَوْلَى أَسْبَابِ عُلُوِّ الأَوْطَانِ أَنْ تَعْلُوَ بِلِسَانِهَا، فَاللِّسَانُ عَمُودُ الهُوِيَّةِ، وَإِذَا مَالَ العَمُودُ تَشَقَّقَ البِنَاءُ. مَقَامُ فَضْلِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَحَقِيقَتِهَا قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا أَبَا زَيْدٍ، فَاللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ لَيْسَتْ مَادَّةً دِرَاسِيَّةً نَجْتَازُهَا ثُمَّ نَنْصَرِفُ، وَلَا أَدَاةَ تَوَاصُلٍ نَسْتَبْدِلُهَا عِنْدَ الحَاجَةِ، بَلْ هِيَ جَوْهَرُ الذَّاتِ وَوِعَاءُ المَعْنَى. بِهَا تَشَكَّلَ وَعْيُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَبِهَا حُمِلَ القُرْآنُ، وَبِهَا كُتِبَ التُّرَاثُ، وَبِهَا تَكَوَّنَ الأَدَبُ وَالعِلْمُ وَالفِكْرُ. إِذَا كَانَتْ بَعْضُ اللُّغَاتِ فِي العَالَمِ أَدَاةَ تَوَاصُلٍ فَقَط، فَإِنَّ لُغَةَ العَرَبِ انْتِمَاءٌ وَارْتِبَاطٌ بِعَقِيدَةٍ وَتُرَاثٍ وَأَدَبٍ وَحَضَارَةٍ. هِيَ جِسْرٌ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالعَقْلِ، وَبَيْنَ التَّارِيخِ وَالمُسْتَقْبَلِ، وَمَنْ فَصَلَهَا عَنْ هَذَا الدَّوْرِ فَقَدْ أَفْقَدَهَا رُوحَهَا. قَالَ السُّرُوجِيُّ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَحْمِلُ الهُوِيَّةَ وَهُوَ يُهْمِلُ لِسَانَهَا، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ دَعْوَى وَتَنَاقُضٍ. مَقَامُ أَرْبِينِيُوس وَشَهَادَةِ البَعِيدِ قَبْلَ القَرِيب قُلْتُ: وَهُنَا، يَا أَبَا زَيْدٍ، أَسْتَدْعِي شَهَادَةً تَأْتِي مِنْ بَعِيدٍ، وَلَكِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الحَقِّ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْطِقُونَ بِالعَرَبِيَّةِ. لَوْ كَانَتْ شَهَادَةُ العَرَبِ لِلُغَتِهِمْ تَكْفِي، لَمَا جِئْنَا عَلَى ذِكْرِ أَرْبِينِيُوس. هُوَ رَجُلٌ مِنْ لَيْدِن، مِنْ قَلْبِ أُورُوبَّا، قَبْلَ أَرْبَعَةِ قُرُونٍ، لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ، وَلَا مِمَّنْ نَشَأُوا فِي ظِلِّهَا، وَلَكِنَّهُ وَقَفَ وَقْفَةَ العَالِمِ المُنْصِفِ وَقَالَ: «لَا تَعْتَذِرُوا عَنْ تَرْكِ العَرَبِيَّةِ بِدَعْوَى صُعُوبَتِهَا؛ فَالصُّعُوبَةُ لَيْسَتْ فِيهَا، بَلْ فِيكُمْ». وَأَضَافَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي نَظَرِهِ لُغَةَ العِلْمِ، وَلُغَةَ المَنْطِقِ، وَلُغَةَ المَنْفَعَةِ، فِي وَقْتٍ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهَا يَتَرَدَّدُونَ فِي الثِّقَةِ بِهَا. فَقُلْتُ كَمَا أَقُولُ اليَوْمَ: سُبْحَانَ مَنْ أَنْطَقَ الغَرِيبَ بِالحَقِّ، الغَرْبُ يُنْصِفُ لُغَتَنَا، وَبَعْضُ أَهْلِهَا يُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهَا. قَالَ السُّرُوجِيُّ: إِذَا شَهِدَ لَكَ الخَصْمُ فَاعْلَمْ أَنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ، وَلَا عذر لمن يقصر. مقام التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ العَرَبِيَّةَ فِي مُجْتَمَعِنَا قُلْتُ: وَبَعْدَ أَنْ اسْتَقَامَ القَوْلُ فِي فَضْلِ اللُّغَةِ، وَقَامَتِ الحُجَّةُ بِشَهَادَةِ البَعِيدِ قَبْلَ القَرِيبِ، لَا بُدَّ يَا أَبَا زَيْدٍ مِنْ وَقْفَةِ صِدْقٍ مَعَ أَنْفُسِنَا. فَاللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ لَا تُهَزَمُ مِنْ خَارِجِهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ نُوهِنَهَا مِنْ دَاخِلِهَا. وَأَخْطَرُ مَا يُوَاجِهُهَا الْيَوْمَ أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَهَا كَأَنَّهَا خِيَارٌ لُغَوِيٌّ، لَا رُكْنٌ هُوِيَّاتِيٌّ. إِنَّهُ تَسَاهُلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَتَبْسِيطٌ مُخِلٌّ، وَاسْتِسْهَالٌ لِلْخَطَأ حَتَّى يَغْدُو صَوَابًا شَائِعًا. وَمِنْهُ حَصْرُ العَرَبِيَّةِ فِي مَجَالٍ وَاحِدٍ، كَأَنَّهَا لُغَةُ خِطَابٍ دِينِيٍّ فَقَط، أَوْ تَذْكَارٌ تُرَاثِيٌّ، وَإِقْصَاؤُهَا عَنِ العِلْمِ، وَالإِدَارَةِ، وَالمَعْرِفَةِ المُعَاصِرَةِ، وَهَذَا فِي حَقِيقَتِهِ حُكْمٌ بِالإِعْدَامِ البَطِيءِ. قَالَ السُّرُوجِيُّ: مَنْ أَرَادَ لُغَتَهُ حَيَّةً، فَلْيُدْخِلْهَا كُلَّ مَيَادِينِ حَيَاتِهِ، فَاللُّغَةُ إِذَا ضَاقَ مَجَالُهَا ضَاقَ نَفَسُهَا. مَقَامُ الأُسْرَةِ وَالأُمِّ وَالتَّنْبِيهِ الصَّرِيحِ قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ لِلتَّعْلِيمِ دَوْرٌ، فَإِنَّ الأُسْرَةَ أَسَاسٌ، وَإِذَا كَانَ لِلْمَدْرَسَةِ أَثَرٌ، فَإِنَّ الأُمَّ أَثَرُ الأَثَرِ. فَهِيَ اللِّسَانُ الأَوَّلُ، وَهِيَ مَنْ تَصُوغُ العَلَاقَةَ الأُولَى بَيْنَ الطِّفْلِ وَكَلِمَتِهِ. وَفِي صَوْتِهَا، وَفِي حِكَايَتِهَا، وَفِي طَرِيقَةِ خِطَابِهَا، تَتَشَكَّلُ الهُوِيَّةُ قَبْلَ أَنْ تَتَشَكَّلَ المَعَارِفُ. وَلَا بُدَّ مِنْ كَلِمَةٍ صَرِيحَةٍ: لِلتَّرَفِ فِي بَعْضِ مُجْتَمَعَاتِنَا وَجْهٌ سَلْبِيٌّ إِذَا أَدَّى إِلَى انْشِغَالِ الأُمِّ بِالمَظَاهِرِ أَوْ بِالعَمَلِ عَلَى حِسَابِ تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ. وَهَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِطْلَاقًا، لِأَنَّ أَوَّلَ ضَحَايَاهِ هُمُ الأَطْفَالُ، وَأَوَّلَ مَا يُغْتَالُ فِيهِمْ هُوَ لُغَتُهُمُ العَرَبِيَّةُ، وَمَعَهَا يَتَآكَلُ الانْتِمَاءُ وَيَضْمُرُ الوَعْيُ. قَالَ السُّرُوجِيُّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِي اللِّسَانَ، فَلْيَحْمِ المَهْدَ أَوَّلًا مَقَامُ قَانُونِ حِمَايَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ (2019) قُلْتُ: وَمِنْ وَعْيِ الدَّوْلَةِ بِخُطُورَةِ هَذَا المَسَارِ، صَدَرَ قَانُونُ حِمَايَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عَامَ 2019، لِيُقِرَّ أَنَّ العَرَبِيَّةَ مَسْؤُولِيَّةٌ سِيَادِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ مَجَرَّدَ خِيَارٍ ثَقَافِيٍّ. وَنَحْنُ نَدْعُو إِلَى حِمَايَةِ هَذَا القَانُونِ نَفْسِهِ مِنَ التَّعْطِيلِ، وَإِلَى تَفْعِيلِهِ تَفْعِيلًا يُحَوِّلُ النَّصَّ إِلَى سُلُوكٍ، وَالمَبْدَأَ إِلَى مُؤَسَّسَةٍ. مَقَامُ مُعْجَمِ الدَّوْحَةِ التَّارِيخِيِّ قُلْتُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا أُنجِزَ لِلُّغَةِ فِي عَصْرِنَا مُعْجَمُ الدَّوْحَةِ التَّارِيخِيُّ، الَّذِي أَعَادَ لِلْكَلِمَةِ سِيرَتَهَا، وَلِلُّغَةِ ذَاكِرَتَهَا، وَلِلْبَحْثِ مِيزَانَهُ. هُوَ مَشْرُوعٌ حَضَارِيٌّ يَقُولُ إِنَّ العَرَبِيَّةَ لُغَةٌ قَادِرَةٌ عَلَى التَّأْرِيخِ، وَعَلَى التَّحْلِيلِ، وَعَلَى مُوَاكَبَةِ أَعْلَى مَعَايِيرِ العِلْمِ. مَقَامُ جَائِزَةِ الكِتَابِ العَرَبِيِّ – الصِّيغَةُ الكَامِلَةُ المُوَسَّعَة قُلْتُ: وَهُنَا، يَا أَبَا زَيْدٍ، نَقِفُ عِنْدَ لُبِّ الحَدَثِ، وَنَبْلُغُ ذِرْوَةَ المَقَامِ. فَاجْتِمَاعُنَا اليَوْمَ لَيْسَ لِلاحْتِفَالِ بِجَائِزَةٍ تُضَافُ إِلَى قَائِمَةِ الجَوَائِزِ، بَلْ لِإِعْلَانِ مَوْقِفٍ ثَقَافِيٍّ عَرَبِيٍّ صَرِيحٍ: أَنَّ الكِتَابَ لَا يَزَالُ هُوَ عِمَادَ النَّهْضَةِ، وَأَنَّ المَعْرِفَةَ لَا تُبْنَى بِالسُّرْعَةِ بَلْ بِالصَّبْرِ، وَلَا تُقَاسُ بِالضَّجِيجِ بَلْ بِالأَثَرِ. جَائِزَةُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ مَشْرُوعٌ مَعْرِفِيٌّ كَبِيرٌ، جَاءَ لِيُعِيدَ لِلْكِتَابِ وَقَارَهُ فِي زَمَنٍ تَسَارَعَتْ فِيهِ المَعْلُومَاتُ وَتَرَاجَعَ فِيهِ التَّأَمُّلُ. هِيَ جَائِزَةٌ لَا تَكْتَفِي بِتَكْرِيمِ الأَسْمَاءِ، بَلْ تُكَرِّمُ النُّصُوصَ، وَلَا تَحْتَفِي بِالشُّهْرَةِ، بَلْ بِالجَوْدَةِ، وَلَا تَنْحَازُ لِلْآخِرِ بَلْ لِلأَصْلِ. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يَكْتُبَ بِضَمِيرٍ عِلْمِيٍّ، وَلِلْبَاحِثِ أَنْ يُدَقِّقَ فِي مَنْهَجِهِ، وَلِلْقَارِئِ أَنْ يَسْتَعِيدَ ثِقَتَهُ بِالكِتَابِ كَمَصْدَرٍ لِلْمَعْنَى، وكَحَلْقَةٍ فِي رُؤْيَةٍ تَرَى فِي العِلْمِ أَسَاسَ السِّيَادَةِ، وَفِي الكِتَابِ أَثْبَتَ أَدَوَاتِهَا. هِيَ مبادرةٌ تَفْتَحُ الأُفُقَ أَمَامَ العَقْلِ العَرَبِيِّ لِيُسَاهِمَ فِي الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، لَا مُسْتَهْلِكًا بَلْ مُنْتِجًا، وَلَا مُتَلَقِّيًا بَلْ مُحَاوِرًا، وَتَقُولُ بِوُضُوحٍ: إِنَّ مَنْ يَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ وَيُحْسِنُهَا، يَكْتُبُ لِلإِنْسَانِيَّةِ جَمِيعًا. قَالَ السُّرُوجِيُّ: الآنَ اسْتَقَامَ المِيزَانُ، وَعَرَفَ الكِتَابُ مَقَامَهُ الخَاتِمَةُ قُلْتُ: نَنْفَتِحُ عَلَى العَالَمِ وَلَا نَذُوبُ فِيهِ، وَنَتَقَدَّمُ وَلَا نَتَخَلَّى عَنْ لُغَتِنَا. فَإِذَا كَانَتْ بَعْضُ اللُّغَاتِ أَدَاةَ تَوَاصُلٍ، فَإِنَّ العَرَبِيَّةَ انْتِمَاءٌ وَهُوِيَّةٌ وَمَصِير. قَالَ السُّرُوجِيُّ: فَامْضِ، فَقَدْ قِيلَ القَوْلُ عَلَى قَدْرِهِ. قُلْتُ: وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
516
| 16 ديسمبر 2025
الحمدُ للذي أنطقَ اللسان، وجعل للكلمةِ سُلطانا وللبيانِ جَنانًا لا يطويهِ الزمانُ ولا المكان. وبعدُ : أيُّها الجمعُ الكريمُ فقد كانت مكتبتُنا منذ أيامٍ معدودات، على موعدٍ مع مجلسٍ ماتعٍ من مجالس «قطر تقرأ» و»مركز القيادات»، حيث دار الحديثُ عن مقامات الحريري، فأحيا الحاضرُ صليلَ الماضي، واستيقظتْ البلاغةُ من سِباتٍ طويلٍ سامي. ويومها صُغتُ «المقامة الكَوّارية الأولى» مجاراةً لفنٍّ عربيٍّ نبيل، وتأكيدًا أنّ هذه الأرض تُنبتُ الفصاحةَ كما تُنبتُ النخيل، وتَسقي البيانَ بماءِ الثقافةِ الأصيل. واليوم… نعودُ للمقاماتِ عودةَ الغيثِ للروابي بعد طولِ ظمأ، ولقاءَ الروحِ بالمعنى بعد طولِ عناء. فأحيّيكم جميعًا تحيّةَ الحرفِ للحرف، والمدادِ للصفحاتِ النضر. وأخصّ بالترحيب الأخ العزيز محمد بن أحمد بن طوار الكواري، وهأنذا أضعُ بين أيديكم: المقامة الكَوّارية الثانية تيمّنًا بالوصل، وتثبيتًا للفضل، في زمنٍ تعودُ فيه لغتُنا شامخةً بهيّة، تسترجعُ مكانتها السامقة في مدائن المعرفة الإنسانية حُكِيَ - والحديثُ ذو شجونٍ وشؤون - أنَّه في يومٍ من أيّام الدوحةِ الغرّاء، حيث تلتقي العقولُ والكتب بالضياءِ وتظلّلنا مكتبةٌ جعلت من العلمِ منارًا، ومن الذاكرةِ إرثًا يتجدّدُ نهارًا بعد نهار، خطرَ لي أن أكتبَ مقامةً عن الصَّمْدَة، كلمةٍ حيّةٍ في ذاكرةِ قطر، ولفظةٍ خرجت من رحمِ الصحراءِ تحملُ في طيّاتها معاني الكرم، الأمن، والضيافة. فقلتُ مخاطبًا نفسي: يا أبا تميم… إنَّ للمقاماتِ رجالًا، وللبيانِ فرسانًا، وما لهذا المقامِ إلا أبو زيد السروجي سيّد الحيلةِ والبديهةِ واللسان الفصيح الملتهبِ طلاقة. فناديته بصوتٍ سافرٍ عبرَ الزمن، فقامَ من بين طيّاتِ التاريخِ كأنّه حيٌّ لم يمت، عمامةٌ على الرأس، ولسانٌ فيه فصاحةٌ لا تكلّ ولا تَسأم. فقال - وقد رفع حاجبيه دهشةً واستنكارًا - ما شأنُك تدعوني من رقادٍ طويل؟ وما حاجتُك بي في هذا السبيل؟ فقلتُ - مستزيدًا من تأنّقه - أريدُ مقامةً في الصَّمْدَة، محطّةِ العابرين، ومأمنِ الضالّين، ومجلسِ المسافرين حين يضيقُ الطريقُ ويشتدُّ الهجير. قال - وقد تفتّحت ذاكرته - الصَّمْدَة؟ تلك التي كانت ملاذًا من شدائدِ السفر؟ وراحةً من وعثاءِ السَّير؟ قلتُ: هيَ هي… لكنّها اليوم في قطر تحوّلت من خيمةٍ على أطرافِ الرمال إلى رمزٍ حضاريٍّ بين النجومِ والأطلال، تُعانقُ المطاراتِ والجامعاتِ والندوات، وتُشيعُ في العالمِ رسالة الضيافة والثقافات. فقال السروجي: إن كان هذا شأنُها، فلا بُدَّ من مقامةٍ تُخلّدُ أمرَها وتُسطّرُ خبرَها. قلتُ: هاتِ نكتبها سويًّا؛ أنتَ تسعفُني بالعبارة، وأنا أُسعفُك بالدلالة والإشارة. فجلسنا على رُخامِ المكتبة، حيث الكتبُ شهود، والأقلامُ جنود، والصفحاتُ تنتظرُ مولدَ الكلامِ الولود. فقال السروجي: حدّثني عن أصل الكلمةِ في أرضكم يا قومَ الندى والهمم. كانت الصَّمْدَةُ - يا أبا زيد - قلتُ: خيمةَ الراحةِ على قارعةِ الظمأ، ومجلسَ القهوةِ والأنس والبهجة، يأوي إليها المسافرون من جهدِ الطريق، ويستعيدون فيها قوّةَ عزمٍ يواصلون به المسير. فضحك وقال - مفتخرًا بسفرِه القديم -: وما أكثرَ ما طويتُ البيداءَ، ،، ومشيتُ على الرمالِ الصفراء، فالسياحةُ عندنا كانت سفرًا لطلبِ رزقٍ أو علم، أو موعظةٍ تُهذّبُ الروحَ والقيم. فقلتُ: صدقتَ يا بطلَ المقامات، لكنّ للسفرِ في عصرنا وجهًا جديدًا وجَنابًا مجيدًا: سافِرْ ففي الأسفارِ خمسُ فوائدٍ تفريجُ همٍّ واكتسابُ معيشةٍ وعِلمٌ وآدابٌ وصُحبةُ ماجدِ ثم أضفت: أمّا اليوم… فقد تبدّلت الوسيلةُ وتغيّرت الغاية؛ صار الترحالُ في الأجواءِ، بعد أن كان على ظهورِ الإبلِ والخيولِ العَتاق، وصارت السياحةُ رسالةَ سلام، ولقاءً بين الأنام، وجسرًا من القلب إلى القلب قبل أن يكون من الأرض إلى الأرض. فقال السروجي وقد أشرق وجهُه إعجابًا: سبحانَ من بدّل رواحلَ الأمسِ طائراتِ اليوم، وجعل من مشقّةِ الطريقِ متعةَ الاكتشافِ والتفاهم والوئام. قلتُ: وقد اجتمعنا اليومَ في مكتبتِنا الوطنية - مهوى الأفئدة، وموئلُ المعرفة - لنحتفي بكتابٍ عنوانُه: «الصَّمْدَة: مستقبل السياحة في قطر» كتابٌ يوثّقُ الشواهدَ والمَعالِم، وينطقُ بلسانِ النهضةِ والقِيَم، ويُخبرُ العالمَ أنَّ قطرَ جعلت السياحةَ دبلوماسيةً ثقافيةً راقية، تُخاطبُ الضميرَ الإنساني قبل الجَيبِ والمَغنم. ففتح السروجيُّ صفحاتِه، وتأمّلَ أسرارَه، ثم قال: ما أروعَ ما أنجزتم! نقلتم الضيافةَ من زادِ الصحراءِ إلى فخامةِ الحاضرة، ومن صَفحة الرمالِ إلى صفحاتِ التاريخِ المدوَّنة. قلتُ: وهنا جوهرُ الصَّمْدَة يا صاحِ… فالضيفُ عندنا لا يُستقبلُ ببابٍ من حديد، بل ببابِ قلبٍ مفتوحٍ لا يُغلقُ في وجهِ أحد. فقال: صدقتَ، فما السياحةُ إلا ضيافةُ الروح، وما الصَّمْدَةُ إلا عهدُ أمانٍ ووعدُ حنانٍ يُقدَّمُ قبل المكان. فقلتُ وأنا أزيدُ من وصفِ النعمةِ والبُنى: يا أبا زيد… لقد صار المسافرُ في بلادنا يجدُ: فنادقَ تُنافسُ قصورَ الملوك ومتاحفَ تُنطِقُ الآثارَ والفنون وأحياءً ثقافيةً ك كتارا ومشيرب لا تنضبُ فيها الينابيع وجامعاتٍ تُعانقُ السماءَ بعلمٍ وفكرٍ رفيع ومكتبتَنا هذه… تاجًا على رأسِ الثقافة وحدائقَ فيحاءَ كانت حلمًا فأصبحت حاضرًا مدهشًا فقال السروجيُّ - وهو ينظرُ بدهشةِ الطفل وفرحةِ المكتشف - يا لروعةِ الدوحة! ،، جمعتِ المتعةَ والفائدة، والضيافةَ والمعرفة،،، فغدتِ مقصدَ الأسرةِ والعالِمِ والمغامرِ في آن. ثم التفتَ إليّ وقال: أترى أنَّ هذه المقامةَ قد اكتملت؟ فقلتُ: لا يا صاحِ… فكلُّ صَمْدَةٍ بدايةُ مسير، وكلُّ ضيافةٍ بذرةُ تقدير، وما دامت قطرُ تُنيرُ، وتُبدعُ وتُوقّرُ الإنسان، فالمقامةُ مستمرةٌ على مَرِّ الزمان. فخطَّ السروجيُّ خاتمتَه وقال: هذه مقامةٌ كَوّاريةٌ مُشتركة، كتبَها قلمٌ من الماضي، وصوتٌ من الحاضر، ليثبتا للعالمِ أنَّ الصَّمْدَةَ القطرية ليست استراحةً على طريق، بل عهدُ وطنٍ يَمضي… بين الرمالِ والنجومِ بثقةِ الملوك.
762
| 02 نوفمبر 2025
احتفلت جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي بمرور عشر سنوات على إنشائها. وأعترفُ لكم في البداية بأنّني أنظرُ إلى هذا الحفل باعتباره لحظة تاريخيّة مؤسّسة، تُشعرني بفخرٍ كبيرٍ حينَ تلتمعُ في ذهني ونحن في فترة حضاريّة جدُّ حساسة من تاريخ ثقافتنا العربيّة بأنّني أشهد على «استئنافٍ حضاريّ» يتولّد من هنا، من الدّوحة كمركز عربي ودوليّ. فما نعيشه في هذا اليوم، وقد مرّت على إحداث جائزة الشيخ حمد للترجمة عشر سنوات، ليُعدُّ حدثًا مُجدّدا لنشاط الفكر العربي وهو يتفاعلُ مع الرصيد الإنساني للمعارف من خلالِ الترجمة. ••• لنكن اليومَ صُرحاء وجديرين بالاعتداد بهذا المكسب، إنّنا نستعيدُ لحظةً مضيئة من تاريخ ثقافتنا العربيّة، وبقدر ما نُدرك مسؤوليّة تلك الاستعادة فإنَّنا نعي جيّدا التحديات التي تعيشها ثقافتنا وحضارتنا بشكلٍ أشمل، فليست «جائزة الشيخ حمد بن خليفة للترجمة والتعاون الدّولي» مجرّد حدثٍ عابرٍ في سماء الثقافة العربيّة بقدر ما هي انتصارٌ آخر للشخصيّة العربيّة التي لا ترى في هويّتها القوميّة انغلاقا على الذّات رغم ما تعانيه من عداءٍ معلنٍ ومُبطّن في الخطاب الثقافي الغربي، فهيَ لم تيأس من الحوار مع الثقافات الأخرى ولم تبخل بمدّ جسور التّواصل أيّا كانت الظروف، لذلك فالاستمرار في هذا المشروع الكبير هو من أبرز تجليات ديناميكيّة الشخصيّة العربيّة المعاصرة، وأحد عواملِ تجدّدها سيما وهيَ تجعلُ من اللّغة العربيّة لغةً مُحاورة للغات العالم. ••• من الشيّق أن نعترفَ بأنَّ اقتران الجائزة باسم الشيخ حمد حفظه اللّه، علامةٌ دالّة على وضع رمزيّ في تاريخ قطر المعاصر وليسَ أمرا متعلّقا بتبجيل شخصيّة قياديّة كما هو شائع في كثيرٍ من الجوائز في العالم. ليسَ اقتران الاسم بالمسمّى لإضفاء سمة رسميّة على الجائزة، فما تستمدّهُ الجائزة من الاسم، يتجاوز ذلك بكثيرٍ. إنّنا نعلمُ رؤية سموّ الشيخ حمد للثقافة ودورها في نهضة دولة قطر، بل نُدرك كيفَ ينظر إلى الثقافة باعتبارها جزءا من عمليّة التنمية، ومحورا لتقدّم المجتمعات، فقبلَ عشر سنواتٍ انطلقت هذه الجائزة لتنبتَ في البيئة القطريّة التي مهّد طريقَ نهضتها سموّ الشيخ حمد الأمير الوالد، وعزّز بُناها صاحب السموّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدّى حفظهُ اللّه. لقد آمن سموّ الشيخ حمد بدور الثقافة في التنمية، وليست الترجمة غير صمّام أمان للثقافة حيثُ تسمح لها بالانتشار بين الشّعوب وتجاوز حدود البلدان، وتحلّق بالمعارف في المكان والزّمان. لذلك فقد كان إطلاق الجائزة ضمن رؤيته الشاملة للثقافة وقدرتها على أن تروّجَ لقيم المجتمع القطري في انفتاحه على الأمم الأخرى. ••• عندما نتحدّث عن «الاستئناف الحضاري» فإنّنا نقرُّ بوجود مقوّمات لهذا الاستئناف، وهيَ مقوّمات موضوعيّة، وإن كانت متشابكة مع ما هو ذاتي، فلو لم يكن الشيخ حمد مؤمنًا بدور الترجمة في إحداث التغيير الثقافي وبناء علاقات دوليّة متجدّدة وندية مع العالم، لما كانت الترجمة جزءا من هذه المقوّمات. فالعامل الذّاتي مهمّ في أيّ مشروع حضاري. لو لم يكن هارون الرشيد وابنه المأمون مؤمنيْن بمشروع «بيت الحكمة» لـمَا كانَ لهذا البيت أن يضيء أركانَ الحضارة العربيّة في الفترة العبّاسيّة. لذلك لا معنى للمشاريع التي تولدُ دونَ رغبة ذاتية في إنمائها، وكلّما كانَت للمشاريع إرادة ذاتيّة تتحلّى بالإيمان العميق برسالتها فإنّها تثبتُ في تُربة الواقع وتينعُ وتكبرُ مثل شجرة وارفة للمعرفة. ••• ما تُقدّمه الجائزة للثقافة العربيّة وليسَ لمجال الترجمة فحسب، هو القدرة على بناء الجسور وليسَ بناء الجدران. وأمّا الترجمةُ فهي من لبناتِ هذه الجسور التي عرفتها الحضارات القديمة، وتعهّدتها الحضارة العربيّة الإسلاميّة في أزهى فتراتها. فقد عرف اليونانيّون أزهى مراحل عيشهم حين ترجموا كنوز العلوم والفنّ عن حضارات قديمة كالحضارة الفارسيّة والمصريّة القديمة، وعرفت الحضارة العربيّة الإسلاميّة أبدع لحظاتها حين تحوّلت الترجمة إلى رهان مهم من رهانات الدّولة العباسيّة، ولكنّ الكثيرين يُهملون لحظة مضيئة من تاريخ هذه الحركة الترجميّة، وهي اللّحظة الأندلسيّة، فقد اهتمّ المسلمون في الأندلس بترجمة الكتب والمؤلّفات العربيّة إلى اللّغة اللاّتينيّة والقشتاليّة حتّى عُدّت الأندلس مركزا من مراكز الترجمة وبلغت حركة التعريب أوجهها في القرن العاشر للميلاد بمشاركة الأساقفة الذين أسّسوا معاهد للترجمة في مدينة طليلطلة حيثُ تمّت ترجمة العشرات من المؤلّفات العربيّة التراثيّة في مختلف العلوم كالفلسفة والطب والتنجيم. ومن المهمّ التأكيد أنّ الترجمة في حضارتنا لا تقلّ شأنا عن أيّ نشاط علميّ آخر. ••• وفي هذه السياقات الحضاريّة المختلفة ظلّت «بيتُ الحكمة» مثلَ المرجعيّة في الذاكرة الجماعيّة للمثقفين العرب، حتّى أنّني أتذكر أننا في 2010 بتوجيه من صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة اخترنا رمز «بيت الحكمة» في بغداد في أوج الخلافة العباسية، ليكون موضوع حفل «الدوحة عاصمة للثقافة العربية»، منذ ذلك الوقت كان الحلم المشروع لاستئناف حركة الترجمة العربيّة في صميم فكر ووجدان الشيخ حمد، لهذا لا نستطيع، ونحن نستذكرُ المحطّات المضيئة للترجمة في تاريخنا أن لا نصنّف «جائزة الترجمة» ضمن حلقات هذا التاريخ. من الإنصاف دائمًا أن نضعَ هذه الجائزة في صدارة المشروع الثقافي العربي، بعيدًا عن حالة التأزّم التي يعشها جزء من النخب الثقافيّة العربيّة التي انجرّ بعضها إلى تبخيس الذّات وإشاعة اليأس من إحداث التحولات بدل زرع الأمل. هكذا تعطينا الجائزة باستمرار وتيرتها ونجاحها من نسخة إلى أخرى أمل إحداث نقلة نوعيّة في تفكيرنا الثقافي ورؤيتنا المتجدّدة للثقافات الأخرى كلّما قامت الجائزة بتوسيع دائرة اللغات التي يترجم منها وإليها. ••• في كلّ دورة تُضاف لغات جديدة إلى قائمة اللغات المعتمدة للترجمة حتّى غطت الجائزة خلال عشر سنوات 37 لغة حول العالم، ممّا يوسّع نطاق التفاعل الثقافي لأنّ التّواصل بين الثقافات يتجاوز المعرفة اللغويّة، فاللغة ليست غير جزء من قمّة جبل الجليد المغمور، وكثيرا ما نذهب إلى الاعتقاد بأنّ الترجمة مجرّد امتلاك للغة أخرى ونقل ما تعبّر عنه من معارف الآخرين، قد يكونُ ذلك بُعداً من أبعادها لكنّه ليسَ رسالتها العريقة. ومثلما تتطلّب الترجمة إلماما بثقافة اللغة المترجم منها وإليها فإنّ ما هو جوهري في الترجمة هو تحقيق التقارب بين الشّعوب وتبادل الثقافات بين الأمم. ومن مزايا الترجمة إنقاذ الثقافة الإنسانيّة من الضّياع والتّلاشي والحرق والإتلاف والتّهميش والإقصاء، فهي حافظة مستمرّة، بل أشبه بذاكرة صامدة في وجه الزّمن ودُعاة الانغلاق الفكري. وإنّنا لنذكر ما حدث لكتب ابن رشد وغيره من المفكّرين من حرق، ولولا الترجمة لضاعت الفلسفة الرّشديّة، ولما استطاعت الإنسانيّة أن تتطوّر على هذا النّحو السّريع، لأنّ الترجمة حافظت على ما ساهمت به الشّعوب من إبداعات في الفكر والفن والعلم. ••• لا مبالغة إذا قلنا إن المترجمين من الأبطال المجهولين، ولا تقل بطولتهم عن بطولة الجنود في الميدان، لذلك تسعى الجائزة لتكريمهم وتقدير دورهم في التعارف بين الشعوب ونقل المعرفة بين الحضارات، ومد قنوات التواصل بين الأمم، إذ أعادت الجائزة المكانة الاعتباريّة للمترجم بل وفّرت له البيئة الإبداعيّة التي تدفعه نحو المساهمة في هذا المشروع الحضاري. لقد أصبحت الجائزة حاضنة للمترجمين وداعمة لهم وأصبحوا لها سفراء في كلّ مكان في العالم، فكلّ المترجمين الذين شاركوا في الجائزة إنّما خاضوا تجربة المشاركة وبعضهم خاض تجربة التتويج وفي جميع الحالات مثّلت الجائزة سياقًا ثقافيا عربيا جديدا للمترجمين المتمسّكين بالتزامهم التاريخي لأجل نقل المعارف للأجيال بأمانة ومسؤولية. ••• تؤكد الجائزة مكانة اللغة العربية وتأثيرها كلغة حية متطورة، قادرة على التفاعل مع تحديات العصر والمساهمة في التطور الفكري والعلمي في القرن الحادي والعشرين، وتترجم التوجّهات الوطنيّة في تعزيز اللغة العربية هذا المسار، حيثُ لا يُمكن الحديث عن استئناف حضاري دونَ تأكيد حضور اللغة العربيّة وتجديدها، ونعتقد أنّ الجائزة تُساهم في هذا التجدّد الذي تعيشه اللغة العربيّة وهيَ تنقلُ آداب وعلوم الأمم الأخرى، بذلك تكون لغتنا معاصرة لأحوال معاشنا، ومعبّرة عن ذلك التفاعل الدّائم مع منتجات الحضارة الإنسانيّة. ذلك ما تهبهُ لنا الترجمة من إيمانٍ بأنّ العربية ليست لغة الماضي المجيد فحسب، بل هي لغة الحاضر والمستقبل وتحمل في طياتها قدرةً لا متناهية على الإبداع والتجديد. ••• من مزايا جائزة الترجمة تفاعلها مع مبادرة الأعوام الثقافية ودبلوماسيتنا الناعمة بصورة عامة من أجل تعزيز التفاهم الثقافي والتقارب بين الشعوب، وفي هذا التفاعل ما يؤكّد قدرة الجائزة على أن تكونَ قوّة ناعمة لدولة قطر، وشعاع ضوءٍ في درب الثقافة العربيّة التي باتت في أمسّ الحاجة إلى الوعي بشروط نهضتها، وما الترجمة غير ذلك القنديل المنير لمستقبل حضارتنا، بما تضخّه من معارف معاصرة في عروق ثقافتنا فتتجدّد وتتقدّم. إنّني في غاية السّعادة وأنا أحلم مثل غيري من المثقفين العرب باستعادتنا لمجد حضارتنا، ونحن نقفُ متفائلين بثمار جائزة الترجمة واثقين من دورها الحضاري. ••• في هذا اليوم تعود بي الذاكرة إلى موقف تاريخي سنة 2010 عندما التقيت بصاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الأمير الوالد وأمير البلاد آنذاك حفظه الله ورعاه أعجبه شعار الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010 (الثقافة العربيّة وطنا والدوحة عاصمة) وقال لي سموّه: « نحن واثقون من أنّ الدوحة ستنجح هذا العام، ولكن طموحنا أن تكون الدوحة عاصمة دائمة للثقافة» وها هي الدّوحة الآن عاصمة من عواصم الثقافة بكلّ ما تعني الكلمة من معنى. وها هي عاصمتنا بمؤسساتها وصروحها الثقافية ودبلوماسيتها الناعمة تشعّ ثقافة وفنّا وتلعب دورا مميّزا في عالم العرب وفي كلّ مكان بقيادة صاحب السموّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدّى، حفظه اللّه ورعاه. ••• وإنّني في غمرة هذه السّعادة والتفاؤل أود أن أتقدم بالشكر لفريق جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، وأعبر عن تقديري العميق لجميع المترجمين والباحثين والأدباء الذين يساهمون بجهودهم القيمة في إثراء الثقافة العربية وثقافات العالم، فهم في ذروة العطاء الفكري والقلب النابض للتواصل الإنساني، ويجسدون القيم التي نسعى إلى ترسيخها في مجتمعاتنا. وأود أن أشكر كل من ساهم في إنجاح هذه الجائزة على مدى السنوات العشر الماضية، هذه الجائزة التي تعزّز فيه التواصل بين الثقافات والشعوب والدول، وتمنحنا أمل الاستئناف الحضاري.
657
| 08 ديسمبر 2024
إنّ من لا يستوعب حركة التاريخ في تجددها ومتغيراتها لا يستطيع إدراك حجم تحديات أيّة مرحلة ولا يقدر على استخلاص العبر، لذلك فالنظر إلى أي تجربة سياسية يخضع بالضرورة إلى فهم مقتضيات التاريخ التي ترى في الممارسة السياسية عملا إنسانيا يستجيب لطبيعة المجتمع وليس فعلا يتغذّى من النظريات التي لم تتولّد طبيعيا من تراكمات التجربة السياسية للمجتمع، فلا معنى لإسقاط نظريات سياسية «مستوردة» على مجتمع له خصوصياته المحلية وتجربته الذاتية. ليس في كيفية إدارة الشأن العام وإحكام العلاقة بين السلطة والشعب بل في سائر مجالات معاش هذا المجتمع، حيث يختص بمدوّنته القيمية وأعرافه النبيلة المتوارثة عبر الأجيال. وهذا ما تشي به التعديلات الدستورية التي مرت بها بلادنا منذ صدور الدستور حتى الآن من مراكمة للخبرات وتأمّل في فاعلية الممارسة على أرض الواقع. فالأمم الحية هي التي تتسم بمراجعة تجاربها، على ضوء مسيرتها، فتعدل وتضيف وتحذف ما تقتضيه مصلحتها. إذ لا يمكن أن تستمرّ في وجودها إلاّ بفضل هذه المراجعة. * واذا كان هذا الأمر بالمطلق، فهو الأجدر في المرحلة التي نعيشها، والتي تتسم بسرعة المتغيرات على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبتزايد التحديات، فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، ويضع كل مجتمع أمام تحديات جديدة، ومن حق كلّ مجتمع أن يُقدّر طبيعة وشكل الاستجابة لهذه التحديات، وما دام المجتمع حرا وصاحب سيادة فلن يستعير تجارب مجتمعات أخرى ليطبّقها في معاشه، بل هو ينطلق لا محالة من أصالة تجربته التاريخية والحضارية ليكون له منواله المخصوص. فبلادنا العزيزة منذ صدور الدستور حتى الآن اتسمت مسيرتها بإنجازات جمة وبتغييرات في كل المجالات، وأصبحنا جيلا متعلما وقادرا على تحمّل المسؤوليات وله كفاءة المشاركة في بناء البلاد. *كما أن لدينا قيادة مدركة لمتطلبات التنمية المستدامة والاستقرار، ومدركة لحجم بلدنا الاقتصادي وتقدّر دورها في استقرار المنطقة والعالم ككل، وقد استطاعت بتناغمها مع متطلبات شعبها وسرعة التطورات في العالم أن تقود الدفة، وأن تقوم بدور بارز ومقدر في تسوية الأزمات والنزاعات بفضل الوساطة بين الأطراف المتنازعة، مما جعل دولة قطر تحتل مكانا على خريطة العمل من أجل إحلال الأمن والسلام في العالم بدور بارز ومعترف به في العديد من القضايا الشائكة، وجعل بلادنا محط أنظار العالم بنجاحها في حلحلة قضايا عديدة في منطقتنا وفي العالم ككل، وقوبل هذا الدور باعتراف العالم وتقديره لدبلوماسيتنا، كما كان لدبلوماسيتنا الناعمة دور كبير في تعزيز مكانة بلادنا، وتقديم ثقافتنا وخدمة قضايانا، والتعريف بقيمنا في نصرة المظلومين والوقوف مع الشعوب التي تتطلع لتحقيق كرامتها وحريتها. *كما أن ذلك التناغم بين الحاكم والمحكوم القائم على الثقة على امتداد أجيال الحكم من زمن تأسيس الدولة إلى الان، والحرص على تحقيق العدل بين المواطنين كان له أيضا دوره في الاستقرار وتعزيز مسيرة البناء الناجحة على كل الأصعدة. وما استضافة بلادنا للفعاليات الدولية بنجاح أبهر العالم مثل استضافة كأس العالم لكرة القدم بشكل لم يسبق، إلا دليل أثبتنا فيه قدراتنا على مجاراة نسق التطور الحضاري في العالم وأبرزنا فيه تلاحم الشعب مع القيادة وتقديم العرب وثقافتهم والثبات في وجه التحديات، وكان ذلك بمثابة الأنموذج المبهر للنجاح الذي تحققه دولتنا الفتية. * والآن تأتي التعديلات الدستورية لتؤكد استعداد بلادنا بقيادتها الشابة والنشطة على الاستعداد للمرونة والتغيير المطلوبين للاستقرار والازدهار والسلم الاجتماعي. وكلنا نعلم الأزمات الكبرى التي يمرّ بها العالم وتمرّ بها منطقتنا العربية على وجه الخصوص والتي تستلزم منا الحذر والحرص على التلاحم وتقييم تجربتنا في الشورى، واتخاذ ما يلزم من تغييرات ولذلك كانت التعديلات الدستورية التي تقدم بها قائد المسيرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في مجلس الشورى منذ عدة أيام، وقد أقرها مجلس الشورى الموقر في جلسته أمس الاول بالاجتماع وستطرح للاستفتاء للشعب ليقول كلمته النهائية. * والناظر في التعديلات يرى موضوعيتها وضرورة الأخذ بها والتصويت بنعم عليها، فالمواطنة ماعادت تفرق بين مواطن وآخر، وهذا إنجاز يجب أن نصوت عليه ونوثقه وهو يعكس روح التآلف والتعاون والتضامن بين المواطنين فيما بينهم وبين قيادتهم، وهو ديدن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دولتنا عبر المراحل منذ ولادة الدولة حتى يومنا هذا. كذلك فإننا مجتمع متجانس ونعرف بعضنا بعضا، كما نثق في قيادتنا التي تمثلنا خير تمثيل في اختيار مجلس الشورى، بما يجعل منه مجلسا فعالا، ولدينا جيل متعلم وواع ومدرك لواقعه ولمحيطه الخليجي والعربي والدولي، ونحن على ثقة أن قيادتنا ستختار أفضل القيادات لعضوية الشورى، بما يعكس طبيعة بلادنا وثقافتنا وعقيدتنا ومتطلبات التنمية المستدامة، ليقوم بمهمته على خير وجه، وليضع يده في يد القيادة لبناء البلاد، ومواجهة التحديات والسير إلى شاطئ الأمان بنجاح وبسلام اجتماعي وبتضامن للمحافظة على هذا البلد المعطاء. * وأضيف أن مبدأ الشورى متأصل في مجتمعنا، حيث أهل المشورة والخبرة يجدون قنوات مفتوحة عبر مجتمعنا وعلاقاتنا الاجتماعية ومجالسنا التي هي جزء من حياتنا اليومية، ولقاء مفتوح ومتاح بين القيادة والناس. لذلك سنقول وبصوت عال للاستفتاء بنعم كبيرة تعكس وحدة القيادة والشعب كما تترجم الإرادة في وحدة بلادنا واستقرارها وسيادة قرارها ونجاح دورها في العالم كقوة خير وسلام وعطاء. إن حرص القيادة بطرح التعديلات على الاستفتاء،، لدليل على ثقتها في شعبها وحرصها على سماع صوته، والاستفتاء سيد القوانين. كما أنّ هذه الخطوة علامة على شجاعة وجرأة القيادة في تعديل ما ينبغي تعديله وفق فهمها العميق لطبيعة المرحلة التاريخية. ولنعلم أنّ الشعوب الحية والجديرة بالحياة هي التي تقف من وقت لآخر لتقوّم تجربتها، ولتنطلق من جديد في مسيرة النجاح والاستقرار بينما الشعوب والأمم التي تتراخى عن أداء دورها التاريخي سرعان ما تفقد قدرتها على التجدّد والاستمرار.
1101
| 30 أكتوبر 2024
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً...
7266
| 11 أغسطس 2026
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...
3954
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...
2259
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...
1488
| 16 أغسطس 2026
«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات...
771
| 12 أغسطس 2026
لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...
732
| 15 أغسطس 2026
في بيئة العمل المثالية يكون المدير هو القائد...
624
| 10 أغسطس 2026
- أمريكا.. حين تتغير حدود المسموح - 37...
576
| 10 أغسطس 2026
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد...
573
| 10 أغسطس 2026
فزّت «أم علي» من نومها ومستضيقه. شافتها أمها:...
555
| 17 أغسطس 2026
تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي...
525
| 15 أغسطس 2026
في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...
498
| 16 أغسطس 2026
مساحة إعلانية