رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

177

روضة مبارك راشد العامري

نار التمحيص ونور الوصول

07 أكتوبر 2026 , 12:00ص

يقف السالك في سفح الجبل مشدوهًا بوهج القمة، يظن أن المسافة الفاصلة بين رغبته والتمكين مجرد خطى يقطعها الجسد وعقبات يذللها الجهد. تشتعل في صدره حرارة الرجاء، وينظر إلى السماء مستبطئًا الفتح، متسائلًا في عتمة سيره: لمَ يطول المسير وتتأخر البشائر؟ غير أن النواميس الكونية لا تجامل الأمنيات العجولة؛ فالصعود ليس سباقًا لاحتلال موضع العلو، بل هو صهرٌ بطيء لا يهدأ حتى يتجرد الراكب من أثقاله.إن قانون التمحيص قبل التمكين سُنّة ربانية بالغة اللطف والعمق؛ فالابتلاء والامتحان لا يأتيان ليعلم الله ما في الصدور، وهو العليم بذات الصدور وسرها وأخفاها، بل يدخل الإنسان أتون التجربة ليرى حقيقة نفسه عارية من الزيف، وليُخرج المخاض من أعماقه كل ما لا يصلح بحمل الأمانة. فالتمكين لا يُصلح خلل الداخل، بل هو مكبرٌ عظيم يضخّم كل بذرة كامنة؛ فإن كان في الأعماق إخلاصٌ أشرق واتسع، وإن كان كبرٌ تكشف وافتضح، وإن كانت رحمة فاض نداها على العالمين. لذلك كان تأخير الوصول في جوهره صيانةً وحماية، لا حرمانًا ولا قسوة، رفقًا بقلبٍ لم يتسع وعاؤه بعد لاحتواء النعمة دون أن تطغيه.

وهكذا تمضي أيام الترقّب لتنقي المرء من نسخته الأولى التي لو بلغت الغاية لأفسدت ما وصلت إليه. يُجرَّد الإنسان في هذا الطريق الطويل من التلهف على تصفيق المادحين كي تخلص نيته لوجه الحق وحده، ويُفطم عن التعلق بالأسباب الظاهرة حتى يدرك يقينًا أن مفاتيح الأبواب لم تكن يومًا في قبضته. بل إن الطريق يزيل حتى تلك الأسلحة التي استعان بها المرء زمن استضعافه؛ فالحذر المفرط قد يمسخ الفطرة إلى سوء ظن، والصلابة الحادة قد تنقلب غلظة، والتوق إلى الانتصار قد يتحول خفيةً إلى ثأر شخصي من الذين خذلوه. التمحيص ينزع هذه الدروع القديمة ليحل محلها فقرٌ صادق إلى الله وسكينة رحيمة تليق بمن يقود ويفيض.

إن النار التي تصهر المعادن واحدة، لكنها تفضح زيف ما ليس ذهبا، بينما تزيد الذهب الخالص بهاءً ونقاء. والغاية العظمى من التطهير ليست إثبات القدرة على بلوغ الذروة، بل الإجابة عن السؤال الأخطر: من ستكون حين تملك القوة؟ فكم من نفوس صمدت في وجه الشدائد وقاومت العواصف، حتى إذا أقبلت عليها النعم سقطت في أسر الغرور وخسرت جوهرها. التمحيص إذن هو الدرع الخفي الذي يجعلك تنجو من بريق التمكين بعد أن تبلغه، فلا تهزمك العطية بعد أن عجز الحرمان عن هزيمتك.

حين يمتد الأفق وتطول الدروب، لا تعاتب الغيب بسؤال الاستعجال، بل تلمس ما يتساقط منك في كل منعطف، واعلم أن كل عثرة هي يدٌ خفية تنتزع شائبة حتى لا تسقط بك عند القمة. وحين يصفو القلب من منازعة الأنا، وتغدو النفس وعاءً نقيًا خالصًا، يأتيه التمكين هينًا لينًا، فيستقر في يديه دون أن يتسلل إلى قلبه، ليكون النور هدايةً لا حجابًا، والوصول ارتقاءً لا فتونًا.

مساحة إعلانية