رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

246

روضة مبارك راشد العامري

الوعي القانوني.. حين تسبق الأخلاق المساءلة

25 سبتمبر 2026 , 12:00ص

على طرف الطاولة، يستقرّ عقد ينتظر توقيعًا، يقلّب أحدهما صفحاته بثقة، ويتوقّف الآخر عند كلمات لا يعرف تمامًا ما الذي ستأخذه منه، وما الذي ستمنحه إياه. يرفع عينيه، ويسأل. وفي اللحظة التي تسبق الإجابة، يظهر شيء من معدن الإنسان: هل يشرح له ما خفي، ويمنحه وقتًا ليفهم، أم يترك ارتباكه يمرّ حتى يجفّ الحبر؟

هناك، في تلك اللحظة الصغيرة، يبدأ حديثنا عن الوعي القانوني. في المسافة بين أن تعرف حقّك، وأن تأتمنك المعرفة على حقّ غيرك.

وأتأمل هذا المعنى الذي يسكن تفاصيل حياتنا أكثر مما نظن. فالقانون حاضر في البيت والعمل والطريق، وفي الورقة التي نوقّعها، والصورة التي ننشرها، والكلمة التي قد تبقى في ذاكرة إنسان طويلًا بعد أن ننساها. وتبدو قيمة الوعي به حين يساعدنا على العيش معًا بقدر أكبر من الطمأنينة؛ يعرف كلٌّ منا ما له، وما عليه، وأين يتوجّه حين يلتبس الأمر أو يضيع حق.

لكن المعرفة تحتاج إلى ضمير يحملها. فقد يعرف الإنسان النصوص، ويحسن قراءة العقود، ويدرك مسارات الشكوى، ثم يستخدم معرفته ليزيد الطريق وعورة أمام شخص أقلّ خبرة. هنا يصبح السؤال أخلاقيًا بعمق: ماذا نفعل بالقوة التي تمنحنا إياها المعرفة؟

ثمّة مواقف لا يشهدها أحد، ومع ذلك تكشف عنّا الكثير. مبلغ زائد أُعيد إلينا خطأً، ووثيقة نملكها ويحتاج إليها صاحب حق، ومعلومة نستطيع حجبها عن شخص يثق بنا. في تلك المواقف الهادئة، يستيقظ الضمير ليذكّرنا بأن للآخر حياةً تتأثر بما نفعله، وأن راحته وكرامته ليستا تفصيلًا خارج حساباتنا.

لهذا أرى أن من أهم مقوّمات المجتمع الحضاري المتقدّم وعيًا قانونيًا تسنده أخلاق راسخة؛ أخلاق تجعل الوفاء عادة، والأمانة سلوكًا، والإنصاف حاضرًا حتى حين يميل ميزان القوة إلى مصلحتنا. ويبلغ هذا الوعي نضجه عندما نسأل، إلى جانب سؤالنا عمّا يسمح به القانون: هل كنّا صادقين؟ هل أوضحنا ما ينبغي إيضاحه؟ هل استثمرنا ضعف غيرنا لنكسب ما كنّا سنرفض خسارته لو كنّا مكانه؟

وللأخلاق هنا مسؤولية دقيقة أيضًا. فلا يصحّ أن نطالب المتضرّر بالصمت باسم التسامح، أو نحمّله عبء التنازل حتى يبدو أكثر نبلًا. للإنسان أن يطالب بحقّه دون شعور بالذنب، وأن يجد طريقًا واضحًا ومنصفًا للمطالبة به. ويبقى القانون مرجعًا يحمي الجميع حين تختلف التقديرات وتشتدّ الخصومة.

وفي عالمنا الرقمي، تتكرّر هذه الاختبارات تحت أطراف أصابعنا. تصل رسالة خاصة إلى الهاتف، وتغري صورة بالتداول، ويستدعي خلاف تعليقًا غاضبًا. تبدو الشاشة صغيرة، لكن ما يخرج منها قد يصل إلى بيت كامل، ويثقل قلبًا، ويترك أثرًا يصعب محوه. وربما كان أرقى ما نفعله في تلك اللحظة أن نتأنّى؛ أن نتذكّر الإنسان الذي يقف خلف الاسم والصورة، وأن نسأل أنفسنا إن كنّا نملك حقًّا أخلاقيًا في كشف ما وصل إلينا.

ولا يُترك الفرد وحيدًا أمام هذه المسؤولية. فالمؤسسات تبني الوعي أيضًا، في الطريقة التي تشرح بها، وتستقبل بها السؤال، وتفتح بها أبواب الاعتراض. قد يصل مستفيد إلى نافذة خدمة حاملًا أوراقه وقلقه، ويحتاج إلى جملة واضحة تعيد ترتيب ما التبس عليه. شرح أمين، وإجراء مفهوم، وإصغاء لا يشعر معه بأنه عبء؛ تفاصيل تمنح الثقة أساسًا يمكن الوقوف عليه.

وتستحق هذه العناية أن تصل إلى الجميع، بلغة يفهمونها ووسائل يستطيعون استخدامها. فكبير السن، والشخص ذو الإعاقة، ومن يواجه إجراءً للمرة الأولى، يحتاجون إلى معرفة تراعي ظروفهم. ويظهر احترام المؤسسة للإنسان في مقدار ما تزيله من غموض أمامه.

أما البداية الأبعد أثرًا، فقد تكون في بيت. طفل يرى أحد والديه يعيد حقًّا إلى صاحبه، أو يعتذر عن خطأ، أو يفي بوعد كان يستطيع نسيانه. وفي المدرسة، يختبر معنى الإنصاف حين يُسمع صوته وتُشرح له القاعدة وتُطبّق بعدل. هكذا تتكوّن الذاكرة الأخلاقية؛ من مواقف صغيرة تتراكم، حتى تصبح طريقة في النظر إلى الآخرين.

وفي قطر، أجد في تقديم محتوى توعوي مستمر بعنوان «القانون في حياتنا» فرصة لتقريب هذه المعاني من الناس. محتوى تتعاون عليه الجهات المختصة والمؤسسات التعليمية والإعلامية، ينطلق من تجارب يومية، ويجمع بين فهم الحق، ومعرفة الإجراء، وأمانة الممارسة.

فحضارة المجتمع يمكن أن نلمسها في يد تتوقّف قبل توقيع لم تفهمه، ويد أخرى تمنحها الوقت والشرح. في حقّ يعود دون خصومة، وخصوصية تبقى مصونة، وإنسان يختار الإنصاف وهو قادر على تجاوزه.

هناك يصبح للوعي القانوني وجه إنساني، وتسبق الأخلاقُ المساءلةَ بخطوة.

مساحة إعلانية