رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثقافة التعايش والقبول بالآخر تميز التجربة العمانية عن الدول الخليجية
التجربة العمانية تعمير البنيان وتنمية الإنسان وزرع روح المواطنة
هل تجاوز المشهد العماني الحراك الشعبي والاعتصام والمظاهرات؟!
الدليل السياحي العالمي "لونلي بلانيت" (lonely Planet)، نشر قائمة عام 2011 لأفضل المدن التي ينصح بزيارتها، وكانت المفاجأة أنها جمعت مسقط في سلطنة عمان مع نيويورك ولندن. لقد تغيرت ملامح هذه المدينة التي كانت تعيش قبل أربعة عقود محاطة بمناطق جبلية بعيدة عن المدنية والتطور والعمران وباتت اليوم بتاريخها وتراثها وجمالها وحيوية شعبها تنافس دبي والمنامة والرياض والدوحة ومدينة الكويت وقد اختيرت عاصمة للسياحة العربية للعام 2011، ورسمت لها مكانا في قلب الموسوعات السياحية العالمية بكل جدارة.
(1)
المشهد العماني كغيره في الدول العربية شهد حراكا شعبيا من الدخول في الاعتصامات والمظاهرات. ولكن حين اعتمد الإعلام الرسمي في الدول العربية: تونس، مصر، ليبيا، اليمن وما يزال في سوريا، تغطيته للحراك الشعبي داخل بلدانه على ما يمكن تسميته بـالـ «تاءات الأربع»، وهي تجاهل لما يحصل، وتكذيب لما يردده المحتجون، وتشويه لرموز الحركات الاحتجاجية، وتأليب ضد المحتجين، إلا أن الإعلام الرسمي العماني، كما، يشير الدكتور زكريا المحرمي، قد وعى الدرس الذي فشل فيه الإعلام الرسمي في الدول الأخرى، حيث بادر وبصورة مدهشة في تغطية الأحداث العمانية ساعة وقوعها، كما فتحت الإذاعة والتلفزيون سلسلة من البرامج المفتوحة التي كانت تتعاطى مع الحدث بكل أريحية وحرية وهو أراد استيعاب المشاهد حتى لا يتوجه إلى الفضائيات ومواقع الانترنت، وقد نجح في المهمة بشكل كبير بحسب شهادات المتابعين في الداخل والخارج. إلا أن ذلك أخذ في التراجع بعدها، لكن الإعلام التجاري أخذ زمام المبادرة وواصل مسيرة الانفتاح الإعلامي من خلال مساحة الحرية الكبيرة التي توفرها الصحف غير الرسمية وبعض القنوات الإذاعية والمنتديات الاجتماعية. لكن رغم الأحداث التي لم تستقر وتتضح بعد على الساحة، إلا أن ابرز ما في التجربة العمانية هو الثقافة الإنسانية الغزيرة التي رسخت عبر العقود الطويلة من التاريخ العماني السياسي والاجتماعي. وابرز ما فيها هو التنوع والتسامح والقبول والتعايش مع الآخر وهو ما يميز التجربة العمانية عن الدول الخليجية المحيطة بها. وهي ثقافة تجاوزت مسألة التفلسف والتنظير إلى الرسوخ في عمق المجتمع ويبدو ذلك واضحا في التعامل مع المذاهب الإسلامية المختلفة السنية والشيعية والمذهب الرسمي الإباضي بالإضافة إلى الإسماعيلية والصوفية وغيرها. وهي إحدى الإشكاليات الكبيرة في الدول الخليجية التي لديها أقليات دينية ومذهبية والتي دخلت في الاختلافات الفقهية والتكفير والإخراج من الملة، وصولا إلى الاشتباكات والصدامات السياسية والاجتماعية وتطور الحل ليصل بالمطالبة بإسقاط النظام وتغيره جذريا مثل البحرين. في التجربة العمانية هناك مكان أيضا للآخرين من أصحاب وأتباع الديانات من بوذيين وهندوس، ومسيحيين كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وأقباط، والجميع يقوم بممارسة طقوسه العقائدية في ديره ومعبده وكنيسته دون تعصب أو تزمت أو رفض وممانعة. الدكتور وليد خالص يشير إلى أن السلوك الإباضي «شعرا ونثرا» يكرس «الحرية الفكرية»، فهو لا يدعي انه يملك الحقيقة كما ادعى غيره، وهناك قصيدة طويلة تقع في 75 بيتا للشيخ جاعد بن خميس الخروصي، يتحدث فيها عن «تحولاته الفكرية» والتي يسميها أهل السلوك والتصوف بـ«الأحوال»، التي تؤدي إلى المقامات والترقي، وفيها يقول أنه مرة يرى نفسه سنيا، ومرة أخرى شيعيا، ومرة إباضيا، ومرة حنفيا، ومرة شافعيا، وهو لا يستهزئ بها أبدا، إنما كأنه يأخذ بأقوالها ويتبنى فكرها، لكنه بعد ذلك يقول: «صرت أشبه بذلك النور الذي ينبثق من الشهاب»، فقد جمع هذا كله، مستشهدا بالبيت العربي القديم: «وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر».
(2)
تشير المراجع الأكاديمية أن التاريخ والثقافة العمانيين يقومان على أساس ثلاثة مبادئ أساسية ثابتة اولا: مبدأ السلطة، أي نظام الإمام القائم على الإجماع والتعاقد، والانتخاب الحر للإمام والشورى. وهذا المبدأ هو بحق القاعدة الأساسية للديمقراطية العمانية، الديمقراطية ذات النفحة الروحية والأخلاقية والتي تستأهل أن توصف بالديمقراطية الإسلامية العمانية. ثانيا: إن مفهوم الوطن لدى العمانيين تكوّن مبكراً، وذلك بعد أن تحولت عمان إلى "الوطن الروحي" للإباضيين وأصبحت ملاذاً للفارين من اضطهاد السلطات العباسية. ثالثا: مبدأ الاستقلال والسيادة. وقد ثبت هذا المبدأ عملياً مع انفصال عمان عن الدولة الأموية أولاً، ثم عن الدولة العباسية في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. صنع تلك المبادئ الثلاثة خلال أثني عشر قرناً من الممارسة والتطبيق، التاريخ والثقافة العمانيان، وصاغت الثقافة السياسية للبلاد. وقد مثلت "الديموقراطية الإسلامية العمانية" أحد أهم محاور التاريخ العماني، وخاصية ميّزت الثقافة السياسية العمانية. ولقد وجدت الحركة الإباضية هويتها العقائدية والفكرية في زمن مبكر من تاريخها السياسي، إن مبدأ الإمامة الذي تبنته الإباضية والقائم على مبدأي الشورى والانتخاب الحر للأئمة، مبدأ الإجماع والتعاقد، يمكن أن يصنف في خانة الوريث الحقيقي لتقاليد نظام الخلفاء الراشدين ولكن تبقى مسألة التوافق بين النظرية والتطبيق والتغيير وعامل الزمن وتطوير تجربة الإمامة الإباضية التي كانت رائدة بكل المقاييس ولكن تجاوزها الزمن وفرض وقائع مستجدة. بالإضافة إلى أن تطوير المسار الديمقراطي ومؤسساته المدنية والشعبية هو اكبر التحديات التي تواجهها التجربة العمانية في عصر الثورات العربية. لقد خرجت التجربة العمانية قوية بعد أحداث الستينيات وبالتحديد فى عام 1963 حين تجمعت ثلاث منظمات صغيرة هى " حركة القوميون العرب"، و"الجمعية الخيرية العمانية"، و"منظمة الجنود الظفاريين"، ليندمجوا معا مشكلين (الجبهة الشعبية لتحرير ظفار)، وخاضت حربا لا هوادة فيها ضد نظام الحكم، إلا أن جاء التغيير من داخل المنظومة العمانية في بداية السبعينيات وبدأت مسيرة النهضة العمانية وما زالت تتقدم رغم العوائق والمنغصات.
(3)
لقد احتفلت سلطنة عمان قبل مدة بعيدها الوطني الحادي والأربعين في عمر مديد من القدرة العمانية السحرية في التركيز على تعمير البنيان وتنمية الإنسان وزرع روح المواطنة وتعزيز الحقوق والواجبات والأمن وسلامة الوطن واللحاق بركب الحضارة والابتعاد عن الدخول في الصراعات والحروب والنزاعات الحدودية والترويج للانجازات والانتصارات الوهمية والمزيفة التي يتملق بها القادة العرب ويغطون بها على إخفاقاتهم. وقد آن الأوان في الدخول في مرحلة قطف الثمار والقيام بالقفزات الكبرى من خلال ترتيب البيت الداخلي في الحكم والخلافة، ومعالجة التمركز الشديد للسلطة وتوزيع الصلاحيات، وتطوير مسيرة مجلس الشورى في البلاد وتوسيع صلاحيته التشريعية والرقابية لمعالجة القضايا الرئيسية والمصيرية، وتعزيز دور المجتمع المدني ومؤسساته الأهلية. المؤشرات كلها تدل على إمكانية العمانيين الكبيرة على عشق التغيير والركض للحاق بركب القطار الذي غادر المحطة قبل قليل، وعدم انتظار القطار القادم لآن الزمن لا ينتظر.
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5496
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4923
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3048
| 24 سبتمبر 2026