رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعد الشركات سابقًا وخاصة في عصور الاستعمار – بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر – من أفضل الوسائل التي تلجأ لها الدولة المستعمرة لبسط نفوذها وبناء مستعمراتها في الدول النائية كالهند والدول الأفريقية، أما في وقتنا الحاضر فتقوم الشركات بأثمن الأعمال وأعظمها، والتي عجزت النفس البشرية عن القيام بها وحيدة، كشركات المياه والكهرباء، وشركات التأمين، والبنوك، والشركات العاملة في مجال الصناعة والزراعة وغيرها.
وفي هذا المقام، جاء المشرع القطري وأسبغ الصفة التجارية على عمليات تأسيس الشركات، وعدّها من الأعمال التجارية المنفردة، ويترتب على ذلك أن العمل يكتسب الصفة التجارية بغض النظر عن صفة القائم عليه، إضافة إلى أن العمل يكتسب الصفة التجارية ولو تم مرة واحدة أو بشكل متكرر وعلى سبيل الاحتراف من باب أولى. وهذا ما نصت عليه المادة (4/5) من القانون التجاري القطري بقولها «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 5- تأسيس الشركات التجارية». وفي الواقع نجد أن هذا النص يشترط، حتى يصبغ العمل بالصبغة التجارية، أن يكون محل التأسيس هو الشركات التجارية وليس الشركات المدنية، وبالتالي نستبعد أعمال تأسيس الشركات المدنية من نطاق تطبيق القانون التجاري.
وعرفت المادة (2/1) من قانون الشركات القطري الشركة التجارية بأنها «عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر من الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، بأن يسهم كل منهم في مشروع يستهدف الربح، وذلك بتقديم حصة من مال أو عمل واقتسام ما ينشأ عن المشروع من ربح أو خسارة». واستثناء من ذلك يجوز تأسيس الشركات بالإرادة المنفردة لشخص الواحد، وهذا ما أكدت عليه المادة (2/2) من القانون أعلاه؛ حيث نصت على أنه «يجوز أن تؤسس الشركة من شخص واحد وفقًا لأحكام الباب الثامن من هذا القانون».
ويقصد بتأسيس الشركات مجموعة الأعمال المادية والتصرفات القانونية التي تفرضها طبيعة كل شركة على حدة لإنشاء كيانها القانوني من قبل المؤسسين، على النحو الذي أراده المشرع. ويسري نص المادة (4/5) من القانون التجاري القطري على جميع عمليات التأسيس، بداية من إبرام عقد الشركة، وصولًا إلى إشهارها عن طريق قيدها بالسجل التجاري، علاوة على أن عملية التأسيس تتضمن تقديم الحصص وتقويمها إذا كانت عينية، وعمليات الاكتتاب، وإجراء النشر في الصحف، والدعاية والإعلان عن الشركة، والترويج عن الأسهم، وما إلى ذلك من عمليات تتعلق بتأسيس الشركات التجارية. وبالتالي تعد جميع أعمال تأسيس الشركات التجارية من قبيل الأعمال التجارية.
ويطلق على من يقوم بإجراءات التأسيس لفظ المؤسسين، وهم الأشخاص الذين يأخذون زمام المبادرة في عملية تأسيس الشركة؛ فيجمعون الأموال، ويخاطبون الأشخاص، ويستوفون الإجراءات اللازمة لقيامها.
وتجدر الإشارة إلى أن نص المادة (4/5) الذي أضفى الصفة التجارية على عمليات تأسيس الشركات التجارية، ينصرف إلى الشركاء الذين اشتركوا فعلًا في تأسيس الشركة، واتجهت نيتهم إلى تحمل المسؤولية الناشئة جراء عملية التأسيس، وبذلك لا تعد أعمال المحاسبين والمحامين الذين اشتركوا في عملية التأسيس لحساب المؤسسين من قبيل الأعمال التجارية.
والشركات التجارية محددة على سبيل الحصر في القانون القطري، وهي التي ذكرت في المادة (4) من قانون الشركات القطري، وهي: 1- شركة التضامن، 2- شركة التوصية البسيطة، 3- شركة المحاصة، 4- شركة المساهمة العامة، 5- شركة المساهمة الخاصة، 6- شركة التوصية بالأسهم، 7- الشركة ذات المسؤولية المحدودة.
وبناء على ذلك يجب أن تنصبّ عملية التأسيس على أحد هذه الأنواع حتى يعد العمل تجاريًا، وإلا كانت عملية التأسيس عملا غير تجاري، مما يرتب قيام مسؤولية المؤسسين وبالتضامن عن أي التزام ينشأ جراء هذا العقد، وهذا ما نصت عليه المادة (5) من قانون الشركات القطري بقولها «تكون باطلة كل شركة لا تتخذ أحد الأشكال المشار إليها في المادة السابقة، ويكون الأشخاص الذين تعاقدوا باسمها مسؤولين شخصيًا وبالتضامن عن الالتزامات الناشئة عن هذا التعاقد».
وهكذا يتبين لنا أن الصفة التجارية لأعمال تأسيس الشركات تكون مفترضة بمجرد وقوعها، وسواء استكمل المؤسسون إجراءات التأسيس أو باءت إجراءاتهم بالفشل لأي سبب كان؛ وافتراض الصفة التجارية جاء جراء قيام المسؤولية الشخصية والتضامنية للشركاء المؤسسين عند عدم اكتمال الإجراءات بسبب عدم اتخاذ الشكل الذي حدده القانون في المادة (4) من قانون الشركات.
وحسنًا فعل المشرع القطري بقصره الصفة التجارية على أعمال التأسيس ولم يضف إليها بيع وشراء الأسهم، كما فعلت بعض من التشريعات التجارية العربية كالقانون التجاري الكويتي؛ فلا حاجة لبيان تجارية العمليات الأخيرة لأنها من قبيل المنقولات المعنوية، التي نص المشرع على تجاريتها في المادة (4/1) من القانون التجاري القطري حيث تقول «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 1- شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد بيعها، سواء بيعت على حالتها أو بعد تهيئتها في صورة أخرى». ولا يوجد داعٍ لأن يسلك نهج التشريعات العربية المقارنة ويؤكد على تجارية عمليات بيع وشراء الأوراق التجارية كالأسهم والسندات والصكوك الإسلامية؛ لأن المشرع كما هو معلوم منزه عن اللغو.
إنشاء وبناء السفن أو الطائرات في ضوء أحكام القانون التجاري
إنشاء السفن والطائرات على الغالب يتم من خلال مشروعات ضخمة تمارس أعمالها بطريق الاحتراف وبشكل مستمر، يأخذ صورة... اقرأ المزيد
1185
| 05 فبراير 2025
ماهي السفن والطائرات وفق القانون القطري؟
المنقولات هي الأشياء التي يمكن نقلها من مكانها من دون تلف، ومنها السفن والطائرات التي تعد منقولات بطبيعتها،... اقرأ المزيد
981
| 30 يناير 2025
ملاحظات على المادة (5) من القانون التجاري
اتخذ المشرع القطري معيار المضاربة، مضافًا إليه عنصر التداول، الفكرة الأساسية التي تبنى عليها الأعمال التجارية، والأمر على... اقرأ المزيد
1350
| 23 يناير 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8769
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5154
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3831
| 30 أكتوبر 2026