رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما لم تحدث مفاجأة غير متوقعة في العالم العربي خلال العام الجديد. فستظل ثلاثة من أسئلة المصير معلقة على جدرانه طول الوقت. واحد يخص الربيع العربي والثاني محوره سوريا. أما الثالث فلن يغادر فلسطين.
(1)
كما أنه مبكر جدا الادعاء بأن العالم العربي سيصنع مصيره وحده، فليس بوسع أحد منا أن يدعي أنه سيتصرف بمعزل عن محيطه. ولا أظن أننا سنختلف كثيرا على حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال هي «الراعي الرسمي» للعالم العربي. وقبل أيام غمزنا باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في الشرق الأوسط حين تحدث عن نفوذ إسرائيل الهائل في الولايات المتحدة ــ خصوصا في الكونغرس ــ وأبدى دهشته من أن «عربا كثيرين» لا يزالون يطالبون بحماية الولايات المتحدة، وهو ما اعتبر مفارقة وضربا من الجنون. (الحياة اللندنية 4/1).
حتى هذه الرعاية المفترضة لن تكون ضمن أجندة الرئيس الأمريكية في فترة حكمه الثانية والأخيرة. لسبب جوهري هو أنه سيظل مشغولا طوال السنتين المقبلتين بإنقاذ اقتصاد بلده المتهاوي، إلى جانب بعض القضايا الإستراتيجية الكبرى مثل التعامل مع التحدي الصيني وترتيب الأوضاع مع روسيا. لن تغيب الولايات المتحدة عن العالم العربي بطبيعة الحال، ولكنها قد تقترب منه في تعاملها مع الملف النووي الإيراني الذي يحتل أولوية في أجندة الحكومة الإسرائيلية، ولا يزال يثير المخاوف في دول الخليج. وفي حدود علمي فإن التوجس الخليجي تزايد مع حلول العام الجديد بعدما لاحظت المراصد السياسية رسائل الغزل النسبي التي تم تبادلها في الآونة الأخيرة بين واشنطن وطهران. وكان الرئيس أوباما قد استهل ولايته الأولى (عام 2009) بالدعوة إلى حوار إيجابي مباشر وغير مشروط بين البلدين، وهي الرسالة التي ترددت بذات اللغة عقب انتخابه لولايته الثانية، وقد لوحظ أن وزير خارجيته الجديد، وكذلك وزير دفاعه المرشح من مؤيدي ذلك الحوار المباشر، الذي يتصور أهل السياسة في الخليج أنه إذا توصل إلى اتفاق فسوف يكون على حساب الدول الخليجية. وفي السيناريو المرشح أن فرصة الحوار المباشر ستكون مرجحة في النصف الثاني من العام، بعد انتخاب رئيس جديد لإيران، خلفا للرئيس الحالي أحمدي نجاد الذي ستنتهي ولايته ولا يجيز له الدستور أن يترشح لولاية ثالثة، يقدرون أيضا أن إجراء المحادثات المباشرة في النصف الثاني من العام ستتم في أجواء مغايرة، يرجح أن تختلف فيه حسابات إيران الإستراتيجية، في ظل الانهيار المتوقع للنظام السوري الذي من شأنه أن يضعف الموقف الإيراني.
لن يكون العالم العربي بعيدا أيضا عن التطورات التي يفترض أن تحدث في تركيا. وأهمها مسعى إنهاء المشكلة الكردية بعد استعصاء دام نحو 30 عاما (أكراد تركيا يتجاوز عددهم 15 مليونا). إذ في الأيام الأولى من العام الجديد أعلن عن لقاء تم مع عبدالله أوجلان الزعيم الكردي المسجون لوضع اللمسات النهائية للاتفاق الذي يفترض أن ينتهي بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني وإغلاق ذلك الملف الشائك، وهذه الخطوة سيكون لها صداها القوي في أوساط أكراد العراق وإيران وسوريا. ومعروف أن الأخيرة حاولت أن تستخدم ورقة الأكراد المقيمين لديها في ابتزاز تركيا وإثارة المتاعب لها.
إذا جاز لنا أن نتحدث عن «رعاية» أمريكية للمنطقة ومشروع إيراني وآخر تركي يحومان حول العالم العربي، فإننا لن نستطيع أن نغفل المشروع الإسرائيلي، الذي سنفرد له لاحقا وقفة خاصة. وستظل هذه الخلفية بمثابة محطات يتعين للمرء بها قبل الدخول إلى العالم العربي، الذي لا يزال مشروعه جنينيا في عالم الغيب.
(2)
قصدت وصف المشروع العربي بأنه «جنيني»، في إشارة إلى أننا نتحدث عن حقيقة وليس وهما، رغم أنها لم تتبلور بعد، ولم نعرف لها ملامح بعد، كأي جنين دبت فيه الروح وإن لم يعرف له رسم أو اسم.
ما أعنيه بوضوح أن الذي يتصورون أن الربيع العربي مقصور على دول دون أخرى، أو أنه مجرد هبَّة عارضة أو نوع من «الفوضى الخلاقة»، هؤلاء يغمضون أعينهم عن الحقيقة ويخدعون أنفسهم. ذلك أن الربيع ترددت أصداؤه في كل بلد عربي، إذ الثابت أن الجماهير العربية فتحت أعينها واستعادت وعيها. وأدركت أن لها حقوقا ينبغي أن تصان وعوجا في واقعها ينبغي أن يقوم. وتعاملت مع ذلك بدرجات متفاوتة من الجرأة. فمن لم يستطع أن يرفع صوته ويتظاهر في الشارع، فأمامه أبواب التواصل الاجتماعي المفتوحة أمام الجميع، بوسعه أن يدخل إليها وأن يخاطب الجميع من خلالها.
من هذه الزاوية أزعم أن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه صار موزعا بين ربيع صاخب وآخر صامت. الأول رفع صوته وتكلم، والثاني أوصل صوته دون أن يتكلم. الأول سمعناه مدويا والثاني قرأناه ووجدناه بدوره مدويا. جميعهم أعربوا عن عدم رضاهم على واقعهم، فمنهم من دعا إلى تغيير الأنظمة. وحين يدقق المرء في الصورة سيجد أن دعوات التغيير مسموعة بشدة في المشرق والمغرب الذي شهد له ما أسميناه الربيع الصاخب. في حين أن أصوات الإصلاح تتردد في دول الخليج بوجه أخص، التي أزعم أنها أصبحت معقلا للربيع الصامت. وإذ تابع الجميع ما شهدته شوارع المشرق والمغرب من مليونيات وتجاذبات واشتباكات، فإن تعامل دول الخليج مع تجليات الربيع الصامت تراوح بين فض المظاهرات التي خرجت إلى الشوارع في البحرين والكويت، والملاحقة الأمنية التي شهدتها دولة الإمارات وسلطنة عمان، والخلط بين الأساليب الأمنية ومحاولة استرضاء الجماهير كما حدث في السعودية، التي عكست موازنة السنة المالية الجديدة ذلك التوجه الأخير، حين خصصت مبالغ طائلة للتعليم وتوفير الخدمات الطبية وإنشاء المدن الرياضية ودور الرعاية الاجتماعية، كما خصصت لأول مرة رواتب للباحثين عن عمل.
على صعيد آخر فإن الربيع العربي سيمر في العام الجديد بمنعطف غاية في الأهمية، أزعم أنه سيؤثر على مستقبل الإسلام السياسي في المشرق والمغرب. فإما أن يمنحه دفعة إلى الأمام أو يؤدي إلى تراجعه وانكساره. يتمثل ذلك المنعطف في الانتخابات التي ستجرى في فترة الصيف بكل من مصر وتونس. ذلك أن نتائج تلك الانتخابات ستحدد مدى رضاء الشعوب عن أداء الحركة الإسلامية في البلدين. حيث أزعم أن النجاح سيكون له أثره البعيد في العالم العربي، أما الفشل فسيكون مدويا، وسيخرج الإسلام السياسي من اللعبة لعدة سنوات مقبلة.
(3)
على صعيد آخر لعلي لا أبالغ إذا قلت إن العنوان السوري سيكون أهم عناوين السنة الجديدة، لأن السقوط الوشيك للنظام قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة المشرق العربي، وربما إلى إحداث تغيير في توازنات الشرق الأوسط.
وللعلم فإن ذلك البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 22 مليون نسمة يضم أغلبية من أهل السنة (75٪) وإلى جوارهم علويون (13٪) وشيعة وإسماعيليون (3٪) ودروز (3٪) ومسيحيون (10٪) وأكراد (3٪)، ورغم أن العربية هي لغة الدولة فإن المجتمع يضم آخرين يتحدثون اللغة الكردية والتركمانية والشركسية.
خلال أكثر من 40 سنة من الحكم الاستبدادي، استند النظام على أجهزة الأمن والطائفة العلوية، حتى أنه ربط مصيره بمصيرها، وصارت الأجهزة الأمنية والشبيحة تعتمد على أفراد تلك الطائفة. وسقوط النظام سيكون له تأثيره على خريطة الدولة السورية، ومحيطها. إلا أن هناك من يتحدث عن احتمال تقسيمها بين السنة والعلويين والأكراد. وهناك سيناريوهات أخرى تصور مستقبل الدولة. فمن قائل إنها ستصبح دولة ضعيفة تسيطر على العاصمة فقط مثل أفغانستان، وقائل إنها ستكون دولة فاشلة كالصومال، أو دولة مقسمة مثل يوغوسلافيا. أو دولة طوائف مثل لبنان.
من ناحية ثانية، فإن سقوط النظام السوري سيكون له صداه المباشر في لبنان، وسيضعف بشدة من قوة حزب الله الذي كان يتلقى الإمداد الإيراني عبر سوريا. وإضعاف حزب الله سيضعف إيران إستراتيجيا، كان يمثل تهديدا لإسرائيل خصوصا بعدما عرف أن لدى الحزب صواريخ يمكن أن تضرب العمق الإسرائيلي، وإضعاف إيران إستراتيجيا سيغري إسرائيل بتدمير مشروعها النووي وهي مطمئنة. ولن يقتصر التأثير على لبنان وإيران ولكنه سيشمل العراق أيضا. الذي ينتظر السُّنة فيه فرصة الانتفاض ضد النظام القائم في بغداد، الذي يشعرون في ظله بالاضطهاد. وقد عبروا عن مشاعرهم مؤخرا حين تظاهروا في محافظة الأنبار، وخرجوا رافعين أعلام الجيش السوري الحر.
أما الأردن الذي تتردد فيه أصوات الغضب ضد النظام بصوت مسموع ومتجاوز أحيانا للخطوط الحمراء، فلن يكون بعيدا عن أصداء سقوط نظام دمشق، كذلك ليس معلوما كيف يكون الصدى في تركيا التي يسكنها حوالي 16 مليونا من العلويين أكثرهم أيدوا نظام الأسد وتظاهروا لصالحه في أكثر من مدينة، ومنهم من اشتبك مع عناصر الجيش الحر في القرى الحدودية.
هذه التداعيات التي سيرتبها السقوط في داخل سوريا وفي محيطها تشير بوضوح إلى أن ذلك المصير لن يكون نهاية لمشكلة سوريا فقط، وإنما سيكون أيضا بداية لمشكلات أخرى لسوريا وللدول المحيطة بها في الإقليم.
(4)
تلوح في الأفق مؤشرات تدل على أن العالم العربي مقبل في العام الجديد على مجموعة من التحديات يطل منها شبح الفرقة والتشرذم. فأخشى ما أخشاه مثلا أن تكون بصدد تأجيج الصراع السني الشيعي. ذلك أن النظام الجديد في سوريا لن يكون متصالحا مع إيران أو الشيعة الذين ساندوا نظام الأسد. كما أن هناك حساسيات إزاء حزب الله في لبنان الذي لم تهدأ فيه المشاعر الطائفية. وليس سرا أن السنة في العراق لهم مراراتهم إزاء الشيعة القابضين على السلطة منذ سقوط صدام حسين. وإذا أضفت إلى ذلك أن بعض الدول النفطية المشتبكة مع إيران تغذي العداء للشيعة، وتحدثت في وقت سابق عن التصدي لما سمي بالهلال الشيعي، فلن نستغرب إذا قادنا كل ذلك إلى مواجهة بين السنة والشيعة ستحترق فيها أصابع الجميع.
لن أستبعد أيضا صداما بين السلفية بمدرستيها الدعوية والجهادية وبين تيارات الاعتدال الإسلامي الموجودة على الساحة. ونحن نلاحظ مقدمات ذلك الصدام في تونس والمغرب والسودان وليبيا. وهي في مصر الآن تنافس لم يصل إلى درجة الصدام بعد.
يلحظ المراقب أيضا مقدمات تنافر بين الملكيات ودول الخليج العربي من ناحية وبين دول الربيع من ناحية ثانية، وقد يصل الأمر إلى احتشاد تلوح به فكرة الاتحاد الخليجي الذي يفترض أن يطرح أمره للبحث بين دول مجلس التعاون في منتصف العام الجديد. ولذلك التنافر قرائن ظهرت في الآونة الأخيرة، حين احتمى عدد من عناصر الأنظمة التي سقطت ببعض الدول الخليجية، ومنها دول قدمت دعما قويا ماليا وسياسيا لتلك العناصر في الخارج، وامتداداتهم في الداخل.
إذا أضفنا إلى ما سبق الصراع الحاد الذي تشهده دول الربيع العربي بين التيارات الإسلامية الصاعدة والقوى العلمانية والمدنية، فستصبح صورة العام الجديد مسكونة بمؤشرات غير مريحة كثيرا وغير مطمئنة.
بقي العنوان الفلسطيني الذي أزعم أنه سيشهد تطورا مهما ومثيرا في العام الجديد، سنتوقف عنده ومعه في الأسبوع المقبل بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9429
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2625
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2367
| 15 أكتوبر 2026