رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي موسى زينل

مساحة إعلانية

مقالات

123

هنادي موسى زينل

حين يُثمر السؤال: أبعد من موسم الندوات

22 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في البداية، كنت أتساءل عن جدوى هذه السلسلة من الندوات، وعن الصلة بين موضوعاتها المتباينة وترتيبها غير المألوف، وما قد تتركه من أثر يتجاوز قاعاتها. ومع تعاقب المواسم، وحضور لقاءات مختلفة عامًا بعد عام، أخذت الإجابة تتضح، كما تتجدد الأرض بتقليب تربتها، موسمًا بعد آخر.

منذ انطلاقه عام 2022، تناول موسم الندوات قضايا الفكر والهوية والثقافة، وصولًا إلى نسخته الخامسة التي ناقشت التاريخ والذاكرة والذكاء الاصطناعي ومناهج التثبت من الروايات. وضمت لقاءاته عزمي بشارة وبشار عواد، إلى جانب باحثين وأصحاب خبرات سياسية وعلمية. ولم تكن قيمة الضيوف في أسمائهم وحدها، بل في جمع بعضهم بين النظرية والممارسة؛ فحين يناقش وزير خارجية سابق كتابة التاريخ، تلتقي ذاكرة من عايش الأحداث بمنهج من يدرسها، دون أن تصبح الشهادة بمنأى عن النقد.

وأكثر ما استوقفني هذا العام نوعية الجمهور؛ مثقفون وباحثون ودارسون، من القطريين والعرب، حضروا برصيد سابق ورغبة في توسيعه. جاءت المداخلات متخصصة، بحثية ونقدية، تضيف إلى طرح الضيف وتفتح جوانب لم يتسع لها حديثه، حتى غدت فقرة النقاش، على قصر وقتها، تضاهي الندوة أهمية، وبدا بعض المتداخلين جديرين بمشاركة المنصة. وكان للمحاورين نصيبهم من جودة اللقاءات، بما عهدناه فيهم من سعة اطلاع وحسن إصغاء وعربية رصينة جميلة.

وفي موضوعات التاريخ والتكنولوجيا ما يستدعي التأمل في تعدد الروايات وصحة مصادرها، وفي الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للباحثين مقابل ما يثيره من مخاوف. فاختصار الوقت والجهد مكسب حقيقي، شريطة ألا تحل سرعة الأدوات محل القراءة والرجوع إلى المكتبات والتمحيص والخبرة الإنسانية.

ويُحسب لوزارة الثقافة، بقيادة سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني، وزير الثقافة، مواصلة هذا المشروع وتوسيع شراكاته الجامعية، بما ظهر في الحضور الطلابي اللافت، وفرص اللقاء المباشر بين الشباب وأصحاب التجارب الثرية. وقد تتطور هذه اللقاءات إلى صلات بحثية أوسع مستقبلًا.

ويستحق هذا الرصيد المتنامي امتدادًا يتجاوز الموعد السنوي: رابطة لأصدقاء الموسم تتيح اقتراح الموضوعات وتقييم التجربة، ومنتدى إلكتروني تتواصل فيه المناقشات التي يضيق عنها الوقت، ومطبوعة سنوية يساهم فيها الضيوف بمقالات وافية ومراجع تعين على القراءة المتعمقة وتتيح العودة إلى الأفكار بعد انتهاء اللقاء. هكذا يمكن أن يصبح الموسم مجتمعًا معرفيًا مستمرًا، يسهم جمهوره أيضًا في رسم ملامحه.

وقد تركت الندوات لديّ أسئلة منحتني حماسة للقراءة والبحث، وربما للكتابة عنها لاحقًا. وفي قطر، التي عرفت دائمًا أهل الفكر والعلم، تتشكل اليوم صلات تجمع المثقفين والطلاب والباحثين، فتتكامل خبراتهم وتتساند أجيالهم. تلك قيمة اجتماعية تضاف إلى ما تقدمه المنصات من أفكار: أن يجد كل منهم في الآخر ما يتعلمه وما يستطيع أن يمنحه. مشروع وُلد في قطر، وينمو بأهلها ولأجلهم، ويستحق أن يظل جزءًا حيًا من حياتهم الثقافية.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية