رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما لم تحدث مفاجأة غير متوقعة في العالم العربي خلال العام الجديد. فستظل ثلاثة من أسئلة المصير معلقة على جدرانه طول الوقت. واحد يخص الربيع العربي والثاني محوره سوريا. أما الثالث فلن يغادر فلسطين.
(1)
كما أنه مبكر جدا الادعاء بأن العالم العربي سيصنع مصيره وحده، فليس بوسع أحد منا أن يدعي أنه سيتصرف بمعزل عن محيطه. ولا أظن أننا سنختلف كثيرا على حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال هي «الراعي الرسمي» للعالم العربي. وقبل أيام غمزنا باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في الشرق الأوسط حين تحدث عن نفوذ إسرائيل الهائل في الولايات المتحدة ــ خصوصا في الكونغرس ــ وأبدى دهشته من أن «عربا كثيرين» لا يزالون يطالبون بحماية الولايات المتحدة، وهو ما اعتبر مفارقة وضربا من الجنون. (الحياة اللندنية 4/1).
حتى هذه الرعاية المفترضة لن تكون ضمن أجندة الرئيس الأمريكية في فترة حكمه الثانية والأخيرة. لسبب جوهري هو أنه سيظل مشغولا طوال السنتين المقبلتين بإنقاذ اقتصاد بلده المتهاوي، إلى جانب بعض القضايا الإستراتيجية الكبرى مثل التعامل مع التحدي الصيني وترتيب الأوضاع مع روسيا. لن تغيب الولايات المتحدة عن العالم العربي بطبيعة الحال، ولكنها قد تقترب منه في تعاملها مع الملف النووي الإيراني الذي يحتل أولوية في أجندة الحكومة الإسرائيلية، ولا يزال يثير المخاوف في دول الخليج. وفي حدود علمي فإن التوجس الخليجي تزايد مع حلول العام الجديد بعدما لاحظت المراصد السياسية رسائل الغزل النسبي التي تم تبادلها في الآونة الأخيرة بين واشنطن وطهران. وكان الرئيس أوباما قد استهل ولايته الأولى (عام 2009) بالدعوة إلى حوار إيجابي مباشر وغير مشروط بين البلدين، وهي الرسالة التي ترددت بذات اللغة عقب انتخابه لولايته الثانية، وقد لوحظ أن وزير خارجيته الجديد، وكذلك وزير دفاعه المرشح من مؤيدي ذلك الحوار المباشر، الذي يتصور أهل السياسة في الخليج أنه إذا توصل إلى اتفاق فسوف يكون على حساب الدول الخليجية. وفي السيناريو المرشح أن فرصة الحوار المباشر ستكون مرجحة في النصف الثاني من العام، بعد انتخاب رئيس جديد لإيران، خلفا للرئيس الحالي أحمدي نجاد الذي ستنتهي ولايته ولا يجيز له الدستور أن يترشح لولاية ثالثة، يقدرون أيضا أن إجراء المحادثات المباشرة في النصف الثاني من العام ستتم في أجواء مغايرة، يرجح أن تختلف فيه حسابات إيران الإستراتيجية، في ظل الانهيار المتوقع للنظام السوري الذي من شأنه أن يضعف الموقف الإيراني.
لن يكون العالم العربي بعيدا أيضا عن التطورات التي يفترض أن تحدث في تركيا. وأهمها مسعى إنهاء المشكلة الكردية بعد استعصاء دام نحو 30 عاما (أكراد تركيا يتجاوز عددهم 15 مليونا). إذ في الأيام الأولى من العام الجديد أعلن عن لقاء تم مع عبدالله أوجلان الزعيم الكردي المسجون لوضع اللمسات النهائية للاتفاق الذي يفترض أن ينتهي بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني وإغلاق ذلك الملف الشائك، وهذه الخطوة سيكون لها صداها القوي في أوساط أكراد العراق وإيران وسوريا. ومعروف أن الأخيرة حاولت أن تستخدم ورقة الأكراد المقيمين لديها في ابتزاز تركيا وإثارة المتاعب لها.
إذا جاز لنا أن نتحدث عن «رعاية» أمريكية للمنطقة ومشروع إيراني وآخر تركي يحومان حول العالم العربي، فإننا لن نستطيع أن نغفل المشروع الإسرائيلي، الذي سنفرد له لاحقا وقفة خاصة. وستظل هذه الخلفية بمثابة محطات يتعين للمرء بها قبل الدخول إلى العالم العربي، الذي لا يزال مشروعه جنينيا في عالم الغيب.
(2)
قصدت وصف المشروع العربي بأنه «جنيني»، في إشارة إلى أننا نتحدث عن حقيقة وليس وهما، رغم أنها لم تتبلور بعد، ولم نعرف لها ملامح بعد، كأي جنين دبت فيه الروح وإن لم يعرف له رسم أو اسم.
ما أعنيه بوضوح أن الذي يتصورون أن الربيع العربي مقصور على دول دون أخرى، أو أنه مجرد هبَّة عارضة أو نوع من «الفوضى الخلاقة»، هؤلاء يغمضون أعينهم عن الحقيقة ويخدعون أنفسهم. ذلك أن الربيع ترددت أصداؤه في كل بلد عربي، إذ الثابت أن الجماهير العربية فتحت أعينها واستعادت وعيها. وأدركت أن لها حقوقا ينبغي أن تصان وعوجا في واقعها ينبغي أن يقوم. وتعاملت مع ذلك بدرجات متفاوتة من الجرأة. فمن لم يستطع أن يرفع صوته ويتظاهر في الشارع، فأمامه أبواب التواصل الاجتماعي المفتوحة أمام الجميع، بوسعه أن يدخل إليها وأن يخاطب الجميع من خلالها.
من هذه الزاوية أزعم أن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه صار موزعا بين ربيع صاخب وآخر صامت. الأول رفع صوته وتكلم، والثاني أوصل صوته دون أن يتكلم. الأول سمعناه مدويا والثاني قرأناه ووجدناه بدوره مدويا. جميعهم أعربوا عن عدم رضاهم على واقعهم، فمنهم من دعا إلى تغيير الأنظمة. وحين يدقق المرء في الصورة سيجد أن دعوات التغيير مسموعة بشدة في المشرق والمغرب الذي شهد له ما أسميناه الربيع الصاخب. في حين أن أصوات الإصلاح تتردد في دول الخليج بوجه أخص، التي أزعم أنها أصبحت معقلا للربيع الصامت. وإذ تابع الجميع ما شهدته شوارع المشرق والمغرب من مليونيات وتجاذبات واشتباكات، فإن تعامل دول الخليج مع تجليات الربيع الصامت تراوح بين فض المظاهرات التي خرجت إلى الشوارع في البحرين والكويت، والملاحقة الأمنية التي شهدتها دولة الإمارات وسلطنة عمان، والخلط بين الأساليب الأمنية ومحاولة استرضاء الجماهير كما حدث في السعودية، التي عكست موازنة السنة المالية الجديدة ذلك التوجه الأخير، حين خصصت مبالغ طائلة للتعليم وتوفير الخدمات الطبية وإنشاء المدن الرياضية ودور الرعاية الاجتماعية، كما خصصت لأول مرة رواتب للباحثين عن عمل.
على صعيد آخر فإن الربيع العربي سيمر في العام الجديد بمنعطف غاية في الأهمية، أزعم أنه سيؤثر على مستقبل الإسلام السياسي في المشرق والمغرب. فإما أن يمنحه دفعة إلى الأمام أو يؤدي إلى تراجعه وانكساره. يتمثل ذلك المنعطف في الانتخابات التي ستجرى في فترة الصيف بكل من مصر وتونس. ذلك أن نتائج تلك الانتخابات ستحدد مدى رضاء الشعوب عن أداء الحركة الإسلامية في البلدين. حيث أزعم أن النجاح سيكون له أثره البعيد في العالم العربي، أما الفشل فسيكون مدويا، وسيخرج الإسلام السياسي من اللعبة لعدة سنوات مقبلة.
(3)
على صعيد آخر لعلي لا أبالغ إذا قلت إن العنوان السوري سيكون أهم عناوين السنة الجديدة، لأن السقوط الوشيك للنظام قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة المشرق العربي، وربما إلى إحداث تغيير في توازنات الشرق الأوسط.
وللعلم فإن ذلك البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 22 مليون نسمة يضم أغلبية من أهل السنة (75٪) وإلى جوارهم علويون (13٪) وشيعة وإسماعيليون (3٪) ودروز (3٪) ومسيحيون (10٪) وأكراد (3٪)، ورغم أن العربية هي لغة الدولة فإن المجتمع يضم آخرين يتحدثون اللغة الكردية والتركمانية والشركسية.
خلال أكثر من 40 سنة من الحكم الاستبدادي، استند النظام على أجهزة الأمن والطائفة العلوية، حتى أنه ربط مصيره بمصيرها، وصارت الأجهزة الأمنية والشبيحة تعتمد على أفراد تلك الطائفة. وسقوط النظام سيكون له تأثيره على خريطة الدولة السورية، ومحيطها. إلا أن هناك من يتحدث عن احتمال تقسيمها بين السنة والعلويين والأكراد. وهناك سيناريوهات أخرى تصور مستقبل الدولة. فمن قائل إنها ستصبح دولة ضعيفة تسيطر على العاصمة فقط مثل أفغانستان، وقائل إنها ستكون دولة فاشلة كالصومال، أو دولة مقسمة مثل يوغوسلافيا. أو دولة طوائف مثل لبنان.
من ناحية ثانية، فإن سقوط النظام السوري سيكون له صداه المباشر في لبنان، وسيضعف بشدة من قوة حزب الله الذي كان يتلقى الإمداد الإيراني عبر سوريا. وإضعاف حزب الله سيضعف إيران إستراتيجيا، كان يمثل تهديدا لإسرائيل خصوصا بعدما عرف أن لدى الحزب صواريخ يمكن أن تضرب العمق الإسرائيلي، وإضعاف إيران إستراتيجيا سيغري إسرائيل بتدمير مشروعها النووي وهي مطمئنة. ولن يقتصر التأثير على لبنان وإيران ولكنه سيشمل العراق أيضا. الذي ينتظر السُّنة فيه فرصة الانتفاض ضد النظام القائم في بغداد، الذي يشعرون في ظله بالاضطهاد. وقد عبروا عن مشاعرهم مؤخرا حين تظاهروا في محافظة الأنبار، وخرجوا رافعين أعلام الجيش السوري الحر.
أما الأردن الذي تتردد فيه أصوات الغضب ضد النظام بصوت مسموع ومتجاوز أحيانا للخطوط الحمراء، فلن يكون بعيدا عن أصداء سقوط نظام دمشق، كذلك ليس معلوما كيف يكون الصدى في تركيا التي يسكنها حوالي 16 مليونا من العلويين أكثرهم أيدوا نظام الأسد وتظاهروا لصالحه في أكثر من مدينة، ومنهم من اشتبك مع عناصر الجيش الحر في القرى الحدودية.
هذه التداعيات التي سيرتبها السقوط في داخل سوريا وفي محيطها تشير بوضوح إلى أن ذلك المصير لن يكون نهاية لمشكلة سوريا فقط، وإنما سيكون أيضا بداية لمشكلات أخرى لسوريا وللدول المحيطة بها في الإقليم.
(4)
تلوح في الأفق مؤشرات تدل على أن العالم العربي مقبل في العام الجديد على مجموعة من التحديات يطل منها شبح الفرقة والتشرذم. فأخشى ما أخشاه مثلا أن تكون بصدد تأجيج الصراع السني الشيعي. ذلك أن النظام الجديد في سوريا لن يكون متصالحا مع إيران أو الشيعة الذين ساندوا نظام الأسد. كما أن هناك حساسيات إزاء حزب الله في لبنان الذي لم تهدأ فيه المشاعر الطائفية. وليس سرا أن السنة في العراق لهم مراراتهم إزاء الشيعة القابضين على السلطة منذ سقوط صدام حسين. وإذا أضفت إلى ذلك أن بعض الدول النفطية المشتبكة مع إيران تغذي العداء للشيعة، وتحدثت في وقت سابق عن التصدي لما سمي بالهلال الشيعي، فلن نستغرب إذا قادنا كل ذلك إلى مواجهة بين السنة والشيعة ستحترق فيها أصابع الجميع.
لن أستبعد أيضا صداما بين السلفية بمدرستيها الدعوية والجهادية وبين تيارات الاعتدال الإسلامي الموجودة على الساحة. ونحن نلاحظ مقدمات ذلك الصدام في تونس والمغرب والسودان وليبيا. وهي في مصر الآن تنافس لم يصل إلى درجة الصدام بعد.
يلحظ المراقب أيضا مقدمات تنافر بين الملكيات ودول الخليج العربي من ناحية وبين دول الربيع من ناحية ثانية، وقد يصل الأمر إلى احتشاد تلوح به فكرة الاتحاد الخليجي الذي يفترض أن يطرح أمره للبحث بين دول مجلس التعاون في منتصف العام الجديد. ولذلك التنافر قرائن ظهرت في الآونة الأخيرة، حين احتمى عدد من عناصر الأنظمة التي سقطت ببعض الدول الخليجية، ومنها دول قدمت دعما قويا ماليا وسياسيا لتلك العناصر في الخارج، وامتداداتهم في الداخل.
إذا أضفنا إلى ما سبق الصراع الحاد الذي تشهده دول الربيع العربي بين التيارات الإسلامية الصاعدة والقوى العلمانية والمدنية، فستصبح صورة العام الجديد مسكونة بمؤشرات غير مريحة كثيرا وغير مطمئنة.
بقي العنوان الفلسطيني الذي أزعم أنه سيشهد تطورا مهما ومثيرا في العام الجديد، سنتوقف عنده ومعه في الأسبوع المقبل بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1113
| 06 أكتوبر 2026