رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعتبر اليمن أول بلد من بلدان الربيع العربي يشهد انتقالا سلميا للسلطة بموجب المبادرة الخليجية، والذي طوى رسميا فترة حكم علي عبد الله صالح بعد انتخابات 21 فبراير، إلا أن نجاح الفترة الانتقالية يعتمد على مدى قدرة الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي على إيجاد حلول لمشاكل البلاد الأساسية، بما في ذلك قضية الجنوبيين ومسألة الحوثيين، والذين قاطعوا الانتخابات الرئاسية الأخيرة مما قد يشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار ووحدة اليمن.
ووضعت الثورة الشبابية السلمية في اليمن حدا ونهاية لحكم علي عبد الله صالح بعد أن تجاوزت كثير من العقبات وضربت مثلا رائعا في قوة الإرادة والصبر وقدمت للعالم صورة أكثر من رائعة عن سلمية كفاح شريحة الشباب، وغيرت خارطة اليمن القبلية والعسكرية، وأصبح الشباب حماة لمؤسسة الحكم التي لن تكون بعد الآن ملكا لعائلة أو حاكم مستبد يستقوي بها على الشعب. وتوجت جهود ثورة التغيير السلمية بانضمام بعض الوحدات العسكرية بكاملها للثورة وكذلك بعض القبائل الذين خاضوا معارك ضد القوات الموالية لصالح، بجانب قوة الجنوبيين والحوثيين في الوقوف مع الثورة والذي أدى في نهاية الأمر لرحيل علي عبد الله صالح غير مأسوفا عليه.
فلقد أسهم علي عبد الله صالح في تدهور أوضاع اليمن خاصة بعد تجربة الوحدة اليمنية التي بدأت في 1990 والتي شابتها أخطاء عززت انعدام الثقة بين الجنوبيين وأهل السلطة في الشمال، فالجنوبيون يرون أن الوحدة قد فرضت عليهم مرتين، قسريا في 1990 وعسكرياً في حرب 1994 رغم رمزيتها المعنوية الإيجابية. ولم يراعِ علي عبد الله صالح بفرضه للوحدة - بصيغتها تلك - المصلحة الحقيقية للشعب اليمني، ولم يضع تقدم البلاد وحريتها ومؤسساتها الدستورية وطرق توزيع ثرواتها في حساباته السياسية، وكأنما لم تعنِ له الوحدة سوى كلمة حق لم يراد بها الحق والعدل، ذلك أن الوحدة قد أسهمت في تقوية الموروثات القبلية، وأطالت من النهج الاستبدادي للنظام والذي نشر الفساد والمحسوبية والفئوية من ناحية وعضد الفكر القبلي والمتشدد من ناحية أخرى، وأفرزت نتائج الوحدة أخطاء كثيرة لم يكن من المفترض أن ترى النور، وحدث كل ذلك بسبب انقلاب علي عبد الله صالح على الوحدة وسيطرة الحزب الواحد على الحكم طوال السنوات الماضية وإقصاء الجنوبيين عن المشاركة في الحكومة حيث استأسد على خيرات وثروات البلاد من نفط وأراض وتجارة وغيرها من الموارد الاقتصادية واستغلالها لمصلحة حفنة من المقربين، واستطاع الاستمرار في الحكم بفضل السيطرة القبلية والعسكرية وسيطرة الحزب الواحد وانفراده بالحكم وإنكار المشاركة ورفضه لكافة آليات تداول السلطة.
ولم يستطع حكم علي عبد الله صالح تحقيق الاندماج الوطني باعتبار أن واقع اليمن يعاني من تباين فكري وفئوي، فلقد كرس صالح لهيمنة البنية القبلية والفكر التقليدي في الشمال في الوقت الذي غلفت فيه الاشتراكية في الجنوب مصالح فئات وشرائح تتعارض مصالحها مع مشروع الوحدة. فلا يكفي أن يطرح نظام علي عبد الله صالح شعار الوحدة كنهج رافض للتجزئة السياسية، بل الأمر يتطلب حلا أشمل للمشكل اليمني يتمثل في الاستغناء عن نظام الحكم المركزي وتبني النهج الفيدرالي باعتباره قاعدة أساسية للبناء الديموقراطي والوحدوي. فما يحتاجه اليمن حقيقة هو إصلاح مؤسسة الحكم من الداخل ومحاربة الفساد والحد من حكم الفرد العائلي والعشائري، فاليمن للجميع وليس لفئة أو عشيرة أو مذهب أو شخص، وعندما يصل اليمنيون لحالة توافق وطني سيتحقق وقتها الاندماج الوطني. وببناء برنامج إصلاح حقيقي شامل بضمانات دولية وإقليمية فإن كل الملفات العالقة ستحل تلقائيا، وبالتالي لن يسعى الشعب اليمني في الجنوب إلى المطالبة بفك الارتباط ولن يسمع لدعوات الانفصال دويا كما حدث في الماضي القريب، فلقد تخلت أغلب التنظيمات الجنوبية عن فكرة الانفصال بعد قيام ثورة الشباب السلمية معلنين تأييدهم لثورة الشباب ورافعين علم الوحدة. فلتذهب إذا سياسات التهميش والإقصاء والهيمنة المناطقية والعشائرية والعائلية أدراج رياح التغيير. وليبقى اليمن الفيدرالي السعيد ديمقراطيا في ظل قيادة تمتلك الشفافية وتتمسك بالأدوات الديمقراطية.
إن الوحدة هدف سامي سعى له شعب اليمن بدمائه وتضحياته، والأصعب من تحقيق الوحدة نفسها هو الحفاظ عليها وتنميتها وجعل الناس يتنفسونها في حياتهم اليومية، وليست مجرد شعور طاغ متعال وإحساس بهيمنة القوي على الضعيف، أو ثوبا فضفاضا يستر فساد السلطة وأجهزة الحكم، والوحدة ليست مجرد أغنية حماسية تذاع في الأثير وتشاهد في التلفاز، إن الوحدة الحقيقية لا يصونها إلا الشعب، ولا يمكن أن تكون حالة جذب سماوي يسبح بحمدها الرئيس وحده وتكتوي بنيران فشلها جماهير الشعب.
ولكن رحيل صالح لا يعني أن مشاكل اليمن قد انتهت بين عشية وضحاها، فثلاثة عقود من الحكم تركت دون شك تركة ثقيلة نتمنى ألا ينوء عن حملها الرئيس عبد ربه منصور هادي أو أي كتلة سياسية قادمة عبر الانتخابات، وتشمل هذه التحديات جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من بينها تحسين مستويات المعيشة وتنمية الاقتصاد القومي، وسيواجه يمن ما بعد سقوط نظام صالح ورحيله، استحقاقات كبيرة من أهمها إيجاد حل عادل للقضية الجنوبية، وقضية الحوثيين في صعدة، وموضوع إرهاب "القاعدة" التي كان يرعاها النظام السابق كنوع من الابتزاز للأمريكيين والغرب، إضافة إلى القضايا الأساسية في حياة المواطن كالفساد والتنمية وبناء الدولة المدنية الحديثة.
ويواجه الرئيس اليمني الجديد مهام صعبة وتحديات كبيرة وخطيرة خلال فترة العامين المقبلين، حيث تتعدد المطالب التي يسعى الشعب اليمني إلى تحقيقها، وتتنوع ما بين إصلاح ما أفسده نظام صالح، وما يتطلع إليه أبناء الشعب نحو غد أجمل لهم ومستقبل وحدوي أفضل لبلادهم. وعليه فإن أكثر الأولويات أهمية التي تقف أمام الرئيس اليمني الجديد تتمثل في البدء بوضع آلية إصلاح تبدأ بالدستور، وتحقيق توافق وطني شامل لا يستثني أحدا، وتطوير نظام التعددية السياسية والحكم الرشيد وضمان آلية تداول السلطة بمشاركة جميع القبائل وتشكيل نسيج من جميع الأطراف يؤدي إلى توافق وطني لضمان استمرارية الوحدة، والاتفاق على أسس دستورية لقيام دولة مدنية حديثة أساسها المواطنة والعدل والمساواة بنظام فدرالي يعزز من صلاحيات الأقاليم، فإن نجاح اليمن مرهون بنجاح الفيدرالية.
إن أمام الرئيس عبد ربه منصور هادي فرصة تاريخية من أجل إحداث تغيير حقيقي لبناء الدولة المدنية الحديثة واستعادة المشروع الحضاري لنهضة اليمن الموحد الذي يلبي طموحات الشعب ومطالب ثورة الشباب السلمية. ونحن من جانبنا يحدونا الأمل في أن يكون للرئيس عبد ربه هادي حصان السبق في هذا التحول بعد أن أجمع عليه اليمنيون وتسلم مقاليد رئاسة الدولة، وأن الفرصة الآن صارت مؤاتية له للعب دور تاريخي في كتابة تاريخ اليمن الحديث بإخراج اليمن من هذه الأزمة الخطيرة، وإذا ما استطاع هادي قبول التحدي وتجاوز الأزمة، فإن ذلك سيمثل حافزا ضخما يذلل الطريق أمام تلبية مطالب الشعب.
عبد ربه منصور هادي يمكن أن يمثل رمز اليمن الحديث، ولديه الفرصة المتاحة ليذكره التاريخ وليكون خالدا في ذاكرة اليمن كرمز قومي وأحد المؤسسين للدولة اليمنية العصرية الحديثة، فالرئيس هادي يستطيع أن ينقل اليمن من مهب ريح الربيع العربي إلى رحاب حدائق اليمن السعيد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3552
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2607
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2283
| 02 يونيو 2026