رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعتبر اليمن أول بلد من بلدان الربيع العربي يشهد انتقالا سلميا للسلطة بموجب المبادرة الخليجية، والذي طوى رسميا فترة حكم علي عبد الله صالح بعد انتخابات 21 فبراير، إلا أن نجاح الفترة الانتقالية يعتمد على مدى قدرة الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي على إيجاد حلول لمشاكل البلاد الأساسية، بما في ذلك قضية الجنوبيين ومسألة الحوثيين، والذين قاطعوا الانتخابات الرئاسية الأخيرة مما قد يشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار ووحدة اليمن.
ووضعت الثورة الشبابية السلمية في اليمن حدا ونهاية لحكم علي عبد الله صالح بعد أن تجاوزت كثير من العقبات وضربت مثلا رائعا في قوة الإرادة والصبر وقدمت للعالم صورة أكثر من رائعة عن سلمية كفاح شريحة الشباب، وغيرت خارطة اليمن القبلية والعسكرية، وأصبح الشباب حماة لمؤسسة الحكم التي لن تكون بعد الآن ملكا لعائلة أو حاكم مستبد يستقوي بها على الشعب. وتوجت جهود ثورة التغيير السلمية بانضمام بعض الوحدات العسكرية بكاملها للثورة وكذلك بعض القبائل الذين خاضوا معارك ضد القوات الموالية لصالح، بجانب قوة الجنوبيين والحوثيين في الوقوف مع الثورة والذي أدى في نهاية الأمر لرحيل علي عبد الله صالح غير مأسوفا عليه.
فلقد أسهم علي عبد الله صالح في تدهور أوضاع اليمن خاصة بعد تجربة الوحدة اليمنية التي بدأت في 1990 والتي شابتها أخطاء عززت انعدام الثقة بين الجنوبيين وأهل السلطة في الشمال، فالجنوبيون يرون أن الوحدة قد فرضت عليهم مرتين، قسريا في 1990 وعسكرياً في حرب 1994 رغم رمزيتها المعنوية الإيجابية. ولم يراعِ علي عبد الله صالح بفرضه للوحدة - بصيغتها تلك - المصلحة الحقيقية للشعب اليمني، ولم يضع تقدم البلاد وحريتها ومؤسساتها الدستورية وطرق توزيع ثرواتها في حساباته السياسية، وكأنما لم تعنِ له الوحدة سوى كلمة حق لم يراد بها الحق والعدل، ذلك أن الوحدة قد أسهمت في تقوية الموروثات القبلية، وأطالت من النهج الاستبدادي للنظام والذي نشر الفساد والمحسوبية والفئوية من ناحية وعضد الفكر القبلي والمتشدد من ناحية أخرى، وأفرزت نتائج الوحدة أخطاء كثيرة لم يكن من المفترض أن ترى النور، وحدث كل ذلك بسبب انقلاب علي عبد الله صالح على الوحدة وسيطرة الحزب الواحد على الحكم طوال السنوات الماضية وإقصاء الجنوبيين عن المشاركة في الحكومة حيث استأسد على خيرات وثروات البلاد من نفط وأراض وتجارة وغيرها من الموارد الاقتصادية واستغلالها لمصلحة حفنة من المقربين، واستطاع الاستمرار في الحكم بفضل السيطرة القبلية والعسكرية وسيطرة الحزب الواحد وانفراده بالحكم وإنكار المشاركة ورفضه لكافة آليات تداول السلطة.
ولم يستطع حكم علي عبد الله صالح تحقيق الاندماج الوطني باعتبار أن واقع اليمن يعاني من تباين فكري وفئوي، فلقد كرس صالح لهيمنة البنية القبلية والفكر التقليدي في الشمال في الوقت الذي غلفت فيه الاشتراكية في الجنوب مصالح فئات وشرائح تتعارض مصالحها مع مشروع الوحدة. فلا يكفي أن يطرح نظام علي عبد الله صالح شعار الوحدة كنهج رافض للتجزئة السياسية، بل الأمر يتطلب حلا أشمل للمشكل اليمني يتمثل في الاستغناء عن نظام الحكم المركزي وتبني النهج الفيدرالي باعتباره قاعدة أساسية للبناء الديموقراطي والوحدوي. فما يحتاجه اليمن حقيقة هو إصلاح مؤسسة الحكم من الداخل ومحاربة الفساد والحد من حكم الفرد العائلي والعشائري، فاليمن للجميع وليس لفئة أو عشيرة أو مذهب أو شخص، وعندما يصل اليمنيون لحالة توافق وطني سيتحقق وقتها الاندماج الوطني. وببناء برنامج إصلاح حقيقي شامل بضمانات دولية وإقليمية فإن كل الملفات العالقة ستحل تلقائيا، وبالتالي لن يسعى الشعب اليمني في الجنوب إلى المطالبة بفك الارتباط ولن يسمع لدعوات الانفصال دويا كما حدث في الماضي القريب، فلقد تخلت أغلب التنظيمات الجنوبية عن فكرة الانفصال بعد قيام ثورة الشباب السلمية معلنين تأييدهم لثورة الشباب ورافعين علم الوحدة. فلتذهب إذا سياسات التهميش والإقصاء والهيمنة المناطقية والعشائرية والعائلية أدراج رياح التغيير. وليبقى اليمن الفيدرالي السعيد ديمقراطيا في ظل قيادة تمتلك الشفافية وتتمسك بالأدوات الديمقراطية.
إن الوحدة هدف سامي سعى له شعب اليمن بدمائه وتضحياته، والأصعب من تحقيق الوحدة نفسها هو الحفاظ عليها وتنميتها وجعل الناس يتنفسونها في حياتهم اليومية، وليست مجرد شعور طاغ متعال وإحساس بهيمنة القوي على الضعيف، أو ثوبا فضفاضا يستر فساد السلطة وأجهزة الحكم، والوحدة ليست مجرد أغنية حماسية تذاع في الأثير وتشاهد في التلفاز، إن الوحدة الحقيقية لا يصونها إلا الشعب، ولا يمكن أن تكون حالة جذب سماوي يسبح بحمدها الرئيس وحده وتكتوي بنيران فشلها جماهير الشعب.
ولكن رحيل صالح لا يعني أن مشاكل اليمن قد انتهت بين عشية وضحاها، فثلاثة عقود من الحكم تركت دون شك تركة ثقيلة نتمنى ألا ينوء عن حملها الرئيس عبد ربه منصور هادي أو أي كتلة سياسية قادمة عبر الانتخابات، وتشمل هذه التحديات جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من بينها تحسين مستويات المعيشة وتنمية الاقتصاد القومي، وسيواجه يمن ما بعد سقوط نظام صالح ورحيله، استحقاقات كبيرة من أهمها إيجاد حل عادل للقضية الجنوبية، وقضية الحوثيين في صعدة، وموضوع إرهاب "القاعدة" التي كان يرعاها النظام السابق كنوع من الابتزاز للأمريكيين والغرب، إضافة إلى القضايا الأساسية في حياة المواطن كالفساد والتنمية وبناء الدولة المدنية الحديثة.
ويواجه الرئيس اليمني الجديد مهام صعبة وتحديات كبيرة وخطيرة خلال فترة العامين المقبلين، حيث تتعدد المطالب التي يسعى الشعب اليمني إلى تحقيقها، وتتنوع ما بين إصلاح ما أفسده نظام صالح، وما يتطلع إليه أبناء الشعب نحو غد أجمل لهم ومستقبل وحدوي أفضل لبلادهم. وعليه فإن أكثر الأولويات أهمية التي تقف أمام الرئيس اليمني الجديد تتمثل في البدء بوضع آلية إصلاح تبدأ بالدستور، وتحقيق توافق وطني شامل لا يستثني أحدا، وتطوير نظام التعددية السياسية والحكم الرشيد وضمان آلية تداول السلطة بمشاركة جميع القبائل وتشكيل نسيج من جميع الأطراف يؤدي إلى توافق وطني لضمان استمرارية الوحدة، والاتفاق على أسس دستورية لقيام دولة مدنية حديثة أساسها المواطنة والعدل والمساواة بنظام فدرالي يعزز من صلاحيات الأقاليم، فإن نجاح اليمن مرهون بنجاح الفيدرالية.
إن أمام الرئيس عبد ربه منصور هادي فرصة تاريخية من أجل إحداث تغيير حقيقي لبناء الدولة المدنية الحديثة واستعادة المشروع الحضاري لنهضة اليمن الموحد الذي يلبي طموحات الشعب ومطالب ثورة الشباب السلمية. ونحن من جانبنا يحدونا الأمل في أن يكون للرئيس عبد ربه هادي حصان السبق في هذا التحول بعد أن أجمع عليه اليمنيون وتسلم مقاليد رئاسة الدولة، وأن الفرصة الآن صارت مؤاتية له للعب دور تاريخي في كتابة تاريخ اليمن الحديث بإخراج اليمن من هذه الأزمة الخطيرة، وإذا ما استطاع هادي قبول التحدي وتجاوز الأزمة، فإن ذلك سيمثل حافزا ضخما يذلل الطريق أمام تلبية مطالب الشعب.
عبد ربه منصور هادي يمكن أن يمثل رمز اليمن الحديث، ولديه الفرصة المتاحة ليذكره التاريخ وليكون خالدا في ذاكرة اليمن كرمز قومي وأحد المؤسسين للدولة اليمنية العصرية الحديثة، فالرئيس هادي يستطيع أن ينقل اليمن من مهب ريح الربيع العربي إلى رحاب حدائق اليمن السعيد.
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب... اقرأ المزيد
594
| 04 يونيو 2026
مهندسون صنعوا الجمال بصمت.. فأين حقهم الأدبي؟
عندما نقف أمام لوحة فنية تجذب انتباهنا في معرضٍ أو صالة عرض أو بهو فندق، نتأملها بعناية لما... اقرأ المزيد
285
| 04 يونيو 2026
حكاية سوء
حكاية السوء كل من في هذه الحكاية حملة سوء وبغض وحقد واستعلاء وكبر وعلانية في العداوة، حملوا راية... اقرأ المزيد
225
| 04 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5631
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2751
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2403
| 02 يونيو 2026