رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دخلت التكنولوجيا الحديثة وملحقاتها بقوة وبسرعة في كثير من مجالات الحياة. وأصبح العالم كما قيل — قبل سنة — مختزلاً في شاشة تبلغ 14 بوصة، وتطورت اليوم في شاشات اجهزة الهواتف النقالة والألواح الرقمية بشاشات لا تتعدى البوصتين. كما ان دخول الإنترنت وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة في حياتنا العملية اليومية، جعلنا نعتمد عليها بشكل أساسي في انجاز الكثير من الامور، التي لو انقطعت لأحسسنا أن الحياة توقفت معها. ففي الولايات المتحدة مثلاً تستطيع ان تطلب اي نوع من الخدمات بدون ان تقوم عن كرسيك. بل وصل الامر الى إجرء اطباء عمليات جراحية دقيقة والمريض يبعد عنهم آلاف الكيلومترات.
في عالمنا السريع والمتطور استطاعت بعض الوزارات والمؤسسات القطرية اللحاق بالجديد في عالم الحوسبة والاتصالات وتطويعها لتكون في خدمة الوطن والمواطن، وذلك بتقديم العديد من الخدمات عن طريق الانترنت وتكنولوجيا الهاتف النقال. في حين تخلف البعض الآخر عن الاستفادة منها بشكل صحيح.. إما جهلاً بإمكانياتها او عجزاً من الجهاز البشري عن التعامل معها.
من الوزارات القليلة التي استطاعت أن تطور خدماتها للجمهور بشكل جيد وتطوع التكنولوجيا لخدمة الوطن والمواطن، وزارة الداخلية التي ما فتئت تقدم الخدمة تلو الاخرى عن طريق الإنترنت والهاتف النقال، كما انشأت العديد من المنافذ الخدمية واختصرت مدد الإنجاز، وقضت على الروتين الذي كان سائدا في الماضي. وباتت حاجتك للذهاب للوزارة في أضيق نطاق ممكن.
وعلى النقيض من ذلك تقبع وزارة الأعمال والتجارة — في نظري — في آخر الركب بالنسبة للاستفادة من التكنولوجيا في إنجاز اعمال المواطنين.. فزيارة واحدة لمبنى الوزارة ورؤيتك للازدحام الحاصل، وضياع الناس بين الموظفين، ونوعية الخدمات المقدمة والاوراق المطلوبة؛ تجعلك ترثي لحال من سيدخل الوزارة لإنجاز معاملاته.
إدارة التسجيل والتراخيص التجارية بالوزارة تختص بإنشاء السجلات التجارية، وهو المكان الوحيد الموجود فى قطر — فرع الوزارة في السد يختص بإجراء التعديلات على السجل وإصدار المستخرجات التجارية فقط — ولايوجد اى فروع اخرى تؤدي ذات الخدمة، مما يجعله مكتظا على آخره بالمراجعين.
يقول احد المراجعين إنه جاء لتأسيس شركة مقاولات جديدة فاستغرق منه الرجوع إلى السجل 6 مرات مختلفة، لأن الموظف يرجعه مرة تلو الاخرى لأن أوراقه ناقصة او هناك إمضاءات غير موجودة. وعندما يطلب المراجع من الموظف ان يفهمه ويشرح له ماهي الاجراءات والاوراق المطلوبة، يرفض ان يعطيه المعلومة كاملة او يحيله ببساطة الى موظف آخر.
اما ادارة التراخيص التجارية بالسد بلازا وهي تختص بإجراء التعديلات على السجل وإصدار المستخرجات التجارية، فلم تسلم هي الأخرى من الشكاوى والازدحامات وتأخر انجاز المعاملات، بسبب قلة الموظفين مقارنة بعدد المقاعد واجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم. كما ان الوزارة تعتمد نظام إنجاز المعاملات بالارقام الممنوحة للمراجعين. وكثيراً ما ينتهي تقديم الارقام بين الساعة الثامنة والعاشرة صباحا، او يتم الاكتفاء بعدد معين من الارقام قد يصل الى 50 رقما فقط.. والطامة أن يأتي دورك لتتفاجأ بأنه لا يوجد نماذج للأوراق الرسمية المطلوب تعبئتها، مما يحتم عليك الانتظار لحين وصول النماذج من مقر الوزارة الرئيسي أو الرجوع في يوم آخر للحصول على رقم لإنجاز المطلوب.
احد المراجعين كان يجلس وقد بدت على وجهه علامات الضيق والغضب، فسألناه عن السبب، فقال انه حضر إلى مبنى البلدية لتجديد الرخصة منذ الساعة السادسة والنصف حتى يحصل على رقم، وبالفعل حصل على الرقم 32، إلا ان نماذج الأوراق نفدت من المكان والآن الساعة العاشرة والنصف وهو مازال منتظرا. كما عبر عن استيائه من التطويل في إنهاء المعاملة، حيث حضر أكثر من مرة لإنهاء المعاملة الواحدة.
كما يشكو هو والمراجعين من ارتفاع رسوم الخدمات التي تقدمها الوزارة ممثلة بإدارة السجل التجاري، ويتساءل: لماذا تتقاضى الوزارة رسوما مرتفعة، دون أن يحصل المراجع على خدمة جيدة أو سريعة؟ ويضيف انه يعمل في تجارة الاثاث وان متطلبات ذكر الانشطة تجبي فيها الوزارة رسوما عالية على كل صنف، فهو قد دفع 1000 ريال لنشاط تجارة الأثاث المنزلي، وسيدفع 1000 ريال اخرى ليضيف كلمة الاثاث المكتبي و1000 ريال ثالثه للأثاث المدرسي و1000 ريال اخرى للأثاث الفندقي.. الخ.
الرسوم المطلوب دفعها من المواطنين والمقيمين من قبل الوزارة والغرامات المبالغ فيها، قضية اخرى يتطلب ان يُنظر لها.. فهناك تفنن بين وزارات الدولة بشكل عام في فرض الرسوم على كل صغيرة وكبيرة للخدمات المختلفة. وكأنهم في تنافس فيمن يجبي للحكومة اكبر قدر ممكن من الريالات من جيوب المواطنين.
مشكلة اخرى لن تجدها الا في وزارة الاعمال والتجارة، وهي اختيار المسميات التجارية. فأنت اذا اردت ان تسجل مؤسستك التجارية عليك ان تحضر معك 20 الى 30 اسما، وستكون محظوظاً اذا حاز اسم منها القبول، والا كان مصيرك العوده مرة تلو الاخرى لحين الحصول على الاسم المناسب. مع ان حل هذه المعضلة هو تجهيز كمبيوتر لإدخال المراجعين الأسماء واختيار الاسم المطلوب للمؤسسة. ولكن الوزارة رأت ان تقدم هذه الخدمة مقابل 1000 ريال كما يشير اليه الموقع الالكتروني للوزارة.
واسعار الخدمات المقدمة من الوزارة فيها تفاوت غريب، فتغيير عنوان الشركة الكترونياً سيكلفك 500 ريال، في حين ان طلب تحديد جلسة لسماع اقوال في نزاع بشأن علامة تجارية سيكلفك 25 ريالا حسب ما هو مذكور في موقع الوزارة!!
والشكوى العامه من المراجعين في الوزارة، ان الموظفين لايعطونهم المعلومات كاملة ويرفضون مساعدتهم لأتفه الاسباب، مثل نقص كلمة او ان المعاملة تحتوى على كلمة معينة مختلفة فى المسمى، حيث يجب ان يكون الكلام الموجود حرفيا. يقول احد المراجعين إنه حضر الى السجل لإضافة انشطة جديدة على الترخيص، وعندما سأل الموظف ما هي الصيغة المطلوبة قال اضف ما تريده انت، وعندما قام بإضافة اسم النشاط اعترض على الكلمة حيث انه مرتبط بمسميات بعينها. باختصار وبالعامية.. "الموظفين نفوسهم في خشومهم".
يقول احد رجال الاعمال ان شريكه — رجل اعمال سوداني — جاء في زيارة عمل الى الدوحة لمدة يومين لإنهاء معاملات إنشاء شركة معه لاستيراد لحوم من السودان، وإنه قام بملاحقة العديد من المتطلبات والمعاملات الحكومية والمالية المصرفية لغرض إنشاء الشركة واستخراج السجل التجاري، وقد استغرقه ذلك حوالي أسبوعين لإنجاز ما انجزه رجل الاعمال السوداني مع شريكه الإماراتي في دبي خلال يومين فقط!!.
واذا تتبعت الإجراءات المطلوبه لإنشاء الشركة حسب متطلبات الوزارة لرأيت أن الامر يتطلب التالي:
❶ يتقدم التاجر بالطلب الخاص بقيد الشركات مرفقاً بالمستندات الرسمية.
❷ يتم اختيار الاسم التجاري وأخذ الموافقة من قسم السجل التجاري والعلامات التجارية.
❸ يتم توثيق عقد التأسيس بوزارة العدل.
❹ يتم الاطلاع على النظام الأساسي وإقراره للشركة.
❺ يتم أخذ الموافقة على النشاط التجاري من الجهة المعنية إذا لزم الأمر.
❻ إرسال خطاب للبنك بإيداع رأس المال المحدد للشركة.
❼ يتم الاشتراك في الغرفة التجارية.
❽ يتم إصدار السجل التجاري.
❾ يتم إصدار الرخصة التجارية لمزاولة النشاط.
والمضحك ان الموقع الالكترونى للوزارة يحدد لك نوعية الخدمات والوقت اللازم لإجراء العملية والذي يتراوح حسبما هو مذكور بين 10 — 15 دقيقة، وهذا بعيد عن ارض الواقع، والاقرب ان تستبدل كلمة الدقيقة باليوم. كما ان اغلى الخدمات الالكترونية هي لتنزيل الاستمارات والفورمات المطلوبة.
لا ادري ما الذي يستطيع الآخرون إنجازه في يومين، ويتطلب منا أن نؤديه في اسبوعين.. ولكني اعرف أن الامر لا يتعلق بقلة الموارد ولا بقلة الموظفين، ولكنه يتعلق بإرادة التغيير وتحمل الأمانة والعمل الجاد لمعرفة المعوقات وحلها بأسرع وقت ممكن.. موقع الوزارة يذكر لك 20 حقاً من حقوقنا كمستهلكين وتجار، ونحن نطالب بحق اساسي واحد وهو تذليل وتسهيل الخدمات المقدمة لنا.
لا شك ان وزارة الأعمال والتجارة تعاني من ضعف كبير في أداء عملها المتمثل في تدني خدماتها للمجتمع وللدولة، وأبرز دليل عدم تجاوبها مع المشاكل المزمنة للمراجعين من رجال الاعمال والمواطنين، والتكدس اليومي امام كاونترات الوزارة.. إذ يرى عدد من رجال الأعمال والمستثمرين أن وزارة الأعمال والتجارة مطالبة بجهد اكبر في مجال تطوير بيئة الأعمال وتذليل العقبات، وتطوير الخدمات المقدمة، وتحسين فرص المنافسة لترتقي الى المستوى الذي يليق بهذه الوزارة الأساسية في تطوير اقتصاد الدولة.
◄ فاصلة أخيرة:
يقول أحد الإخوة: اذا رأيت المندوبين او المخلصين امام اي وزارة فاعرف انها وزارة لم تستطع ان تطور خدماتها لتمكين المواطنين من تخليص امورهم بطريقة حضارية.. واذا قننت خدماتها بصرف ارقام للخدمة لا تتعدى حدا معينا يومياً، فاعرف أنها وزارة فاشلة ليس لها القدرة على مواكبة متطلبات النهضة السريعة التي تشهدها الدولة في كافة المجالات وعلى مختلف الأصعدة..
من يحاسب الرادار؟
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في الأصل، لم تُخلق المتابعة لتكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة... اقرأ المزيد
1071
| 31 مارس 2026
اليمن غير مؤهل للحرب
أخيرا وقع ما اعتقدنا أنه سوف يحصل عاجلا أم آجلا وتدخلت اليمن في الحرب الإسرائيلية الإيرانية رغم عدم... اقرأ المزيد
195
| 31 مارس 2026
جغرافيا على حافة الاختناق الرقمي
لحظات التوتر الكبرى لا تغيّر العالم بقدر ما تكشفه، تتراجع مشاهد القوة التقليدية، ليظهر ما هو أعمق: بنية... اقرأ المزيد
159
| 31 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
4020
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2472
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1944
| 24 مارس 2026