رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتاحت لي زيارة سلطنة عُمان وبدعوة كريمة من جمعية الصحفيين العمانية أن أتعرف على الجانب الإعلامي، والذي لم أكن قد تعرفت عليه من زمن طويل، كنت أعرف إعلام عمان عبر بعض صحفها وتلفزيونها ومجلة نزوى الثقافية، ولكن خلال تواجدي هناك هالني ما شاهدته من انتشار الإعلام الخاص وتدفق عشرات من الشباب ومن الجنسين العاملين في هذا الحقل، وسهوله التواصل معهم وبينهم، كما لمست قوة "جمعية الصحفيين العمانية" ومدى ما تحظى به من تقدير دولي تمثل في احتضانها لاجتماعات الجمعية العمومية للاتحاد الدولي للصحافة العالمية "IFJ“، والذي عقد الكونجرس الخاص به رقم 31 في الفترة ما بين 31 مايو حتى 3 يونيو 2022 م، لتكون مسقط أول عاصمة في تاريخ الشرق الأوسط تحتضن هذا الحدث، وثاني دولة عربية بعد تونس تنال شرف تنظيم هذا المؤتمر، وهي خطوة تحسب للقيادة العمانية، والتي أعطت الجمعية صلاحية مثل هذا العمل المميز، ومن الصدف العجيبة أن وقت المؤتمر جاء بعد استشهاد الزميلة "شيرين أبو عاقلة" على أيادي القوات الصهيونية في القدس، لتتحول جلسات المؤتمر وكأنها حفل تأبين للراحلة، بل وقف الجميع، في حفل الافتتاح، دقيقة صمت حداداً على روحها الطاهرة، وليعلن المؤتمر تضامنه معها ومع كل الزملاء والزميلات الذين يقدمون أرواحهم فداء للعمل الصحفي النزيه، ليس لأجل شيء سوى لنقل الحقيقة للمتابع.
وكأني بالمؤتمر والقائمين عليه يدركون أن مثل هذه اللحظات التاريخية يجب أن تجسد التضامن مع أرباب الكلمة وحملة القلم أو العدسة أو الكاميرا التلفزيونية أو الميكرفون الإذاعي، ما دام صاحبه يسعى للوصول بالمتلقي للحقيقة كما يعرفها عن قرب.
لقد بذل إخواني وأخواتي رئيس وأعضاء جمعية الصحفيين العمانية الكثير من الجهد والعطاء من أجل إنجاح هذا الجمع الكبير، واعتقد بأنهم وفقوا في ذلك بل كان كرمهم وتقديرهم لنا جميعاً أكبر مما توقعت، وزاد من ذلك اطلاعي عن قرب على ما تتمتع به وسائل الإعلام العُمانية من حرية مسؤولة تتوازن مع ثبات القيم والبعد عن المهاترات والشخصنة، والاعتماد على النقد الموضوعي والهادف، وهذا النهج الصحيح، والذي يجب أن تسلكه أي وسيلة إعلامية ويتبناه أي كاتب أو صحفي،، ثم رغم كل ذلك فإن وزارة الإعلام العمانية حافظت على صحيفتها الحكومية "جريدة عُمان" والتي ما زالت تصدر بصورة يومية وتحتضن عشرات من الكوادر المحلية، وهذا في رأيي عين الصواب، فالدولة يجب أن يكون لها صوتها الخاص والمعبر عن رؤيتها، وتتبنى من خلالها المواهب الوطنية لتفسح لها المجال للكتابة وتعلم فنون الصحافة والإعلام، ثم لتكون هذه الصحيفة "مدرسة" يتخرج فيها صحفيون وكتاب وفنيون من مختلف قطاعات الإعلام، مع توافر الضمان المستقبلي لهم، وهذا ما أتمنى أن يكون نهجاً في دولنا، بدلاً من ترك الموضوع للقطاع الخاص والذي يتأثر كثيراً بالوضع الاقتصادي حسب ظروف السوق وطبيعته.
كما كانت هذه فرصة لأن نلتقي مع العديد من الصحفيين والكتاب ومن مختلف أقطار العالم، حيث دار نقاش حيوي ومهم حول ما يتعرض له بعض الصحفيين من مضايقات وتعرضهم للاعتقال أو القتل، وكان لي أن أصف هذا المؤتمر بأنه "مؤتمر شيرين أبو عاقلة".
كما أجدها مناسبة لأن اغتنم فرصة وجودي هناك لأزور أيقونة مسقط الرائعة والمتمثلة في "دار الأوبرا السلطانية"، التي شيدت في عهد السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، والتي تعد واحدةً من أجمل دور الأوبرا في العالم ويزورها سنوياً عشرات الآلاف من عشاق الفن والموسيقى، ونلنا أنا وزملائي فرصة الاستماع لبعض المعزوفات الموسيقية، التي دمجت بين التراث العربي والموسيقى الغربية، بقيادة عمانية كان قائدها الموسيقار العُماني "حمدان الشعيلي" مع كادر عماني بالكامل، وهذا بحد ذاته مكسب كبير تمكنت السلطنة من تحقيقه في زمن قياسي، لتكون هذه الأوبرا عمانية في كل شيء، وهي فرصة لزوار عُمان لأن يطلعوا عليها،، كما أتاحت لي اللجنة المشرفة على الحفل زيارة متحف عُمان التاريخي.
وللحديث عن تاريخ عُمان فإن الموضوع يحتاج لصفحات عدة، فتاريخها زاهر منذ مئات السنين، ومن يقرأ عنه سيعرف الكثير من القصص والروايات الخالدة في التاريخ العربي، ولكن ما لفت نظري في المتحف أنه احتوى على بعض المقتنيات الشخصية للأسرة الحاكمة، فقد شاهدت الوصية التي كتبها السلطان قابوس رحمه الله، والتي أوصى فيها أن يتسلم زمام الحكم من بعده، في حالة عدم الاتفاق على أحد من الأسرة، بأن يكون السلطان هيثم بن طارق بن تيمور، هو سلطان البلاد، وقد كتب الاسم بالخط الأحمر وتوقيع السلطان قابوس باللون الأحمر، وقد شهد العالم فتح الوصية عبر شاشة التلفزيون.
كما وجدت الرسالة، والتي كنت قد سمعت عنها كثيراً دون أن أتأكد من صحتها، في المتحف وهي التي بعثها السلطان سعيد بن تيمور والد السلطان قابوس، بعد عزله وهي تحتوي على عبارات إنسانية جميلة تختلج فيها مشاعر الأبوة والحب الأصيل بين الأب وابنه مصحوبة بنقل تحياته لوالدته "زوجة السلطان سعيد وابنته شقيقة السلطان قابوس" رحمهم الله جميعاً.
وأطرف ما في الزيارة، حدث لي شخصياً، في الحوار التلفزيوني الذي أجرته معي المذيعة الشابة "سميرة الحراث"، كنت أتوقع أن يكون الحوار عن المؤتمر وظروفه وعن مسيرتي الإعلامية وعن كأس العالم 2022 م وغيرها من المواضيع والتي تتناسب مع مسيرتي في الحياة، ولكن كانت المفاجأة بأن جزءاً من الأسئلة يتعلق بعلاقتي مع جلالة السلطان هيثم بن طارق لكوني أول من كتب عنه عندما ترأس الاتحاد العماني لكرة القدم عام ١٩٨٦م، وطُلب مني أن أتحدث عن تلك اللحظات التي ما زلت اذكرها، والشيء الجميل هو أريحية المذيعة وهي تسأل وتحرجني أنا في الإجابة، لأن الحديث عن الحكام في وسائل الإعلام ليس بالأمر السهل، بل يجب أن يكون مقنناً ومختصراً قدر الإمكان، ولكن هي عُمان بإعلامها الجميل الواسع الحرية المتدفق معلومات، والذي يريد أن يصل لقلب وعقل المتلقي، لا يجد في ذلك أي حرج بل يزيده افتخاراً بقائده وشعبه.
كل الشكر لمن أتاح لي هذه الفرصة للتعرف على الكثير من زملاء المهنة من مختلف دول العالم، ولطبيعة عمل ومهمة الاتحاد الدولي للصحافة العالمية، والشكر كل الشكر لإخواني في وزارة الإعلام ولجنة الصحفيين في عُمان على هذه البادرة الكريمة.
وإذا كان الشكر لمن يستحقه فلا أنسى أن أقدم كل الشكر والتقدير لسعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة على تسهيل مهمة سفري لحضور هذا المنتدى الجميل، وقد تشرفت بصحبة زميلي العزيز الأستاذ جابر الحرمي والزميلة العزيزة الصحفية النشطة فوزية علي.
* رئيس المركز القطري للصحافة
ترامب في الصين.. ملفات ضاغطة وإعادة ضبط الصراع
تصنف أية قمة بين رئيسي الولايات المتحدة والصين في أي زمان، رسمية أو على هامش مؤتمرات دولية بالتاريخية،... اقرأ المزيد
96
| 11 مايو 2026
تأثير الذكاء الاصطناعي
لربما كانت كلمة الذكاء الاصطناعي أكثر كلمة مُل منها في عام 2025 وعام 2026 ولكن يجب الاعتراف بأنها... اقرأ المزيد
57
| 11 مايو 2026
إعادة تعريف معارض الكتاب في العصر الرقمي
مع اقتراب معرض الدوحة الدولي للكتاب بنسخته الـ 35 هذا الشهر، أصبح من الضروري أن تتكيف المعارض مع... اقرأ المزيد
63
| 11 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4497
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4035
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1938
| 05 مايو 2026