رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الموقف التركي من الصلف " الإسرائيلي " في قضية كسر الحصار على غزة والسفينة " مرمرة " وقبل ذلك من العدوان على غزة كلها مواقف عظيمة بكل المقاييس وهي الرد الطبيعي الذي يعبر عن فهم القيادة التركية لمفهوم الاستقلال ولمضامين الشخصية العثمانية وهو ما سيحسب رصيدا كبيرا لتركيا وللحزب " الإسلامي " الحاكم .. بالأخص إذا ما قورن هذا الموقف بموقف المجلس العسكري المصري من العدوان الصهيوني على سيناء وقتل وجرح الجنود والضباط الاثني عشر المصريين الذين انتهت قصتهم - للأسف – باثنتي عشرة كلمة من الأسف " الإسرائيلي " وببيان من المجلس العسكري المصري لا يلمح لأي تهديد ولا يرتفع عن لغة الإنشاء الديبلوماسي ، وبإقامة جدار عازل لحماية السفارة الصهيونية في القاهرة من الثوار الغاضبين .. ومن يدري ! فقد يتبع ذلك عمليات هدم الأنفاق بين غزة وسيناء في خطوة ستذكرنا بحسني مبارك وموقفه من تحميل الفلسطينيين مسؤولية أي تصعيد مع الاحتلال ..
هذه المقارنة بين الموقفين التركي والمصري ربما لم تكن ذات وجاهة في زمن الساقط حسني مبارك ولكنها اليوم في ظل الثورة المصرية المجيدة تعني شيئا ؛ بل شيء كبير .. فالمفروض أن التلكك في الرد على العدو والركاكة والفهاهة في مخاطبته قد ولت مع ذلك القاسي على شعبه الذليل مع أعدائه .. ولكن يبدو أن المجلس العسكري – الذي هو جزء من النظام السابق – لا يزال ينطلق من ذات المرتكزات التي أهانت الشعب المصري منذ مساعي السلام بعد حرب أكتوبر رمضان 73 ..
إن الرد الذي اكتفى به المجلس العسكري المصري على العدوان والاستخفاف الصهيوني بمصر وحدودها ودم جنودها بالتأكيد لا يعبر عن روح الثورة وهو رد ضعيف ومتملق على حادثة اعتبرت في " إسرائيل " كما في غيرها أحد أهم الاختبارات لحكومة عصام شرف وما إذا كانت حكومة ثورة وحكومة شباب وما إذا كانت تقرا بواقعية لغة الدم التي يزعق بها العدو ليل نهار ؛ أم أنها لا تزال متمترسة في مربع الذل والإلحاق والفهاهة السياسية والتنفس الاصناعي تحت السقوف المنخفضة والمجاملات المهينة .. وأقول :
لا بد من تقرير جملة حقائق لا يجوز أن نختلف عليها ومن الخطأ والخطر تجاهلها ؛ 1- العدو الصهيوني لا يزال عدوا رغم كل الاتفاقيات والتطبيع وعشرات السنين من التبادل السياسي والأمني الذي كان النظام الساقط عرابها وقرن الشيطان فيها .. 2- عملية التسوية لم تغير من حقيقة العداوة مع الكيان الصهيوني شيئا .. بل على العكس فقد ساهمت في فضح حقيقة هذه العداوة .. هذا هو الواقع إلا إذا كان البعض يريد رؤية الأمور على غير حقيقتها ويريد التزييف والتغليف .. 3- العدو الصهيوني يمكن رده وردعه وهزيمته وعلى من يجادل في ذلك أن يحرك ذاكرته قليلا تجاه معادلة إيران التي واجهت العالم كله ببرنامجها النووي وتجاه تركيا التي طردت السفير الصهيوني ، بل تجاه منظمات كحزب الله في جنوب لبنان وحماس في جنوب فلسطين اللتين كسرتا الكثير من معادلات أمنه وردعه .. وإذا كان الكلام ينصب على موقف مصر – أو خوف مجلسها العسكري – فلنعد إلى عام 1973 حيث حرب رمضان أكتوبر .. 4- ثلاثة محظورات لا يجوز بأي حال أن يتضمنها أو يتأسس عليها الموقف المصري وخصوصا بعد الثورة المجيدة التي نجحت في قلع وخلع الخوف قبل أن تنجح في قلع وخلع الطاغوت المتأله على شعبه ؛ المحظور الأول : يحظر على النظام القائم أو القادم الاستمرار في تقبل وتجرع الاعتداءات الصهيونية دون أن يكون لذلك أثر على العلاقات التطبيعية بينهما .. المحظور الثاني : لا يجوز أن يعول النظام القائم أو القادم على قلة وعي الشعب المصري وشعوبنا عموما بمعاني السيادة الوطنية والدم الوطني وحقيقة العدو وضرورة مواجهته وبطلان التحجج بالضعف والعجز أمامه ، المحظور الثالث : لم يعد مقبولا من النظام القائم أو القادم أن يعود لسياسة الانكفاء على الداخل المصري وأن مصر أولا وثانيا وأخيرا ( التي اعتمدها السادات وحسني وجماعة كوبنهاجن ) ؛ فالثورة المصرية تنتمي للربيع العربي وعودة مصر للمشهد الإقليمي والقومي هي إحدى أهم مترتبات الثورة 5- إسرائيل تحسب لمصر ما بعد الثورة كل حساب وهي تخشى أن ينضج النظام السياسي المصري باتجاه مرتكزات هذه الثورة وطنيا وقوميا .. بما لا يسمح لها بممارسة " البلطجة " الإقليمية .. لكن ما تخشاه " إسرائيل " هو ذاته بالنسبة لنا وللشعب المصري موضوع الاختبار لأية حكومة ولأي مجلس عسكري يقود الحكومة أو تقوده الحكومة ..
البعض ربما يعتبر مطالبة مصر بامتلاك القدرة العملية والفعالة على رد وردع العدو تهورا والمستحيل بعينه .. وهؤلاء في الحقيقة إنما يتكلمون من واقع الإحساس بالهزيمة ومرارة اليأس التي تليطت بها أدمغتهم وتنشأت عليها ثقافتهم .. وإنما يتكلمون بلغة ركيكة لا تناسب استقلال مصر واحترامها وتاريخها ومكانها ومكانتها وحجمها .. ونسألهم : أليس لمصر ما تحرص عليه وما تخاف عليه ؟ أليست مصر مستهدفة وبالأخص بعد الثورة وتداعياتها ؟ أليست مصر في عين العاصفة الصهيونية وعلى حدودها ؟ أليست دولة جنوب السودان الصليبية الصهيونية حقيقة ؟ أليس خطرها على مصر والسودان واقع ؟ وما معنى أن تصر هذه الدولة الخبيثة المعادية على فتح سفارتها في القدس وهو ما لم يجرؤ عليه أخص حلفاء العدو ؟ أليست تقيم على منابع النيل ؟ أليست تهدد مصادر مياه مصر وحياتها ؟ أليس يمكن أن تبالغ في تحدياتها وتعدياتها ؟ أليس يمكن أن تعزل مصر عن دول إفريقيا وعن عمقها الإفريقي ؟ أليس يمكن أن تصير سكينا في خاصرة مصر وخاصرة السودان لإضعافهما وتخويفهما وإبقائهما حوالي بيت الطاعة الصهيوني ؟ أليس هذا كله يربك القرار الاستراتيجي والسيادي لمصر والسودان ؟ فهل لدى الهزومين المأزومين الذين استخذوا للعدو ولا يفكرون بالنهوض بديل يجيب على كل هذه التحديات ؛ أم أن غاية إدراكهم تتوقف عند التفريط بمصر واستقلالها وأن تظل تجرجر الخضوع وتتجرع الخنوع وتستجدي السلامة ؟ ومتى وكيف سينتهي هذا الفصل البائس والحال اليائس ؟ ثم لماذا مصر التي هي قائدة العرب ورائدة الأمة يراد منها ذلك وتراود عليه ؟ ولماذا يتوجب عليها أن تفرط في نقاط القوة التي تمتلكها لحماية نفسها ومصالحها وتثبيت زوايا مربعها الاستراتيجي ؟
فإن شئنا أن نتكلم عن إمكانات مصر الاستراتيجية خارج الإرادة الصهيونية والغربية وخارج إطار الخجل والفهاهة .. فإن علينا أن نحترم وجود خبراء يعرفون من أين تؤكل الكتف ولديهم القدرة على صناعة استراتيجيات للعالم كله إن شاؤوا .. السؤال هو هل من إرادة سياسية لذلك أم أننا لا نزال في عهد مبارك بوجوه مختلفة ؟ أليست عدالة قضية مصر وقضية أمتها توفر لها الأساس الأخلاقي والقانوني لأية مواجهة محتملة مع العدو ؟ أليست تستطيع أن تحيي عمقيها العربي والإسلامي وتوظفهما في معركتها العادلة ؟ أليست تملك إمكانات بشرية واقتصادية وجغرافية هائلة ؟ ولماذا لا نتكلم عن إمكانية تطوير خطط استصلاح سيناء لتكون استطلاحا أكثر من زراعي إلى ديموغرافي وإسكاني وإلى حشدها بنخب شابة ذات طبيعة " مقاومة " يمكن أن تشكل سدا بشريا يؤمنها من جهة الكيان الغاشم ويعطيها فرصة التحرك نحو الجنوب لحسم كثير من العالقات هناك .. على غرار ما يفعل العدو عندما يقيم المستوطنات بأنواعها ( الأيديولوجية والأمنية والاقتصادية والعسكرية .. ) قرب الكثافات السكانية في المناطق التي يغلب على ظنه أنها ستكون ساحة نزال تاريخي مع أعدائه ..
آخر القول : على مصر الثورة أن تردع الكيان الصهيوني .. وأن تحيي أسباب قوتها .. وأمامها نماذج نظم ونماذج منظمات .. فأمامها إيران إن شاءت سلوك مواجهة بطعم العداوة والتحدي ، وأمامها تركيا إن شاءت مواجهة إرادات ومكاسرات سياسية وديبلوماسية .. وأمامها أن تملأ سيناء بالأشداء من الرجال .. وفي لبنان وفلسطين خير مثال .. أما الذي لا يجوز بحال فهو أن تبقى في ردات الفعل وأن تقيم على الضيم وأن تتقبل الاعتداءات وتكتفي من الغنيمة بالإياب !!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3417
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3123
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026