رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل يمكن أن يؤدي سقوط القذيفة السورية على بلدة "أكشاكالا" التركية التي أكد وزير الخارجية أحمد أوغلو أنها نار سورية وأن هذا النوع لا يستعمله اليوم في النزاع الداخلي إلا الجيش السوري وكذلك توالي سقوط تلك القذائف داخل الأراضي التركية ومقتل الأسرة التركية بأشخاصها الخمسة وكذلك مقتل عدد من الجنود السوريين بالرد التركي على مواقع سورية، إلى نشوب حرب فعلية بين الدولتين وهل تركيا القوية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بوارد التورط في هذه الحرب التي تؤثر على شيء ما في معدل ثقلها الكبير، وكذلك السلطة السورية الضعيفة اليوم بسبب ما تستنزفها الثورة ويوقع بها الجيش الحر خسائر فادحة في الأرواح والتجهيزات وتحرير المواقع المدنية والعسكرية رغم كل الوحشية التي يجرم بها من فاقوا هولاكو ونيرون، وفي النهاية ما الدور المطلوب فعله من الدولة التركية التي لا شك أنها ترى من مصلحتها سقوط النظام الأسدي وقيام نظام ديمقراطي يحقق مطالب الشعب ويضمن الاستقرار بين الجارتين، ويمنع تقسيم سورية إلى دويلة علوية أو كردية سيما أن حكومة أردوغان قررت بعد استنفاد طاقتها في محاولة الإصلاح مع الأسد أن تنحاز إلى لشعب وتكون أول داعم للثورة إنسانياً ولوجستياً كما هو معروف مما جعل النظام الأسدي يحنق غيظاً بذلك ويحاول ألاّ ينقطع بقذائفه ضمن الأرض التركية خلف الحدود مما أثار حفيظة المجتمع الدولي الأسبوع الماضي و نددوا بهذه الاعتداءات ربما ترضية للجانب التركي أو لحضه على الرد وخلق قابلية حارة تجعله ينجر إلى خوض الحرب حفاظاً على هيبته بعد تكرار الاعتداءات أكثر من ثماني مرات كما صرح أردوغان، وعندها تختلط الأوراق وينجح مكر الأسد الصغير في إيقاع خصمه في الحفرة والفخ والمصيدة التي سيدفع ثمن تغافله لو حدث كبيراً. لكن الباحث المتابع والمتأمل شخصية أردوغان وتياره الناهض طيلة سنوات حكمه يدرك أنه وساسته كسبوا إلى حد كبير مهارة المناورة مع الاقتدار على استحواذ معظم الجماهير المؤيدة لهم من جهة و عرفوا أنهم يقظون بعدم السقوط في بؤر لا يستطيعون الخروج منها أو ما يجعلهم في مواقف مضطربة تسيء إلى مواقعهم السياسية و الشعبوية. إن المعركة التي دارت وتدور بين النظام الطاغي في دمشق و بين الثوار الأحرار من الشعب و الجيش الحر معركة مصيرية معركة بقاء أو فناء لأي من الطرفين، ولكن سنن الله في الخلق والتدافع وتجارب الحياة تثبت بلا ريب في معظم الأحيان أن الغلبة للحق وأهله الصامدين المخلصين لهذا الوطن مهما تكالب عليهم العدو المبطل و من معه من محاور الشر و الحقد و الطائفية وهم هنا كما لا يخفى روسيا و الصين وإيران ومن نعق معها من المنتفعين وفاقدي الرحمة والإنسانية، وفي هذا السياق فإننا نجد أن الموقف التركي حيال الثورة السورية المباركة موقف مقبول بالنظر إلى ما قدمه ويبذله من رعاية تحسنت مؤخراً لمخيمات المهجرين الذين وصل عددهم إلى مائة ألف وإن كنا نهيب بإخوتنا الأتراك أن يرفعوا نسبة العناية والخدمة وخاصة لآلاف العالقين على الحدود السورية باتجاه الداخل التركي نظرا لوضعهم المأساوي من جراء ملاحقة الجيش الغادر و شبيحته لهم هذا من وجه، ومن وجه آخر فإن المشهد التركي بالتركيبة المعروفة للمجتمع ديموغرافياً و جغرافياً في الداخل و العوامل المؤثرة عليه من الخارج موقف حساس ومعقد يحمل في تضاعيفه العديد من المشكلات فالحكومة داخلياً تعاني من العلويين واليسار في تركيا حيث يوجد عدة ملايين من الطائفة العلوية المتعاطفة مع النظام الأسدي بل الفاعلة بالمظاهرات المؤيدة له وبالطلب الملح من الدولة أن تمنع المهاجرين السوريين من السكنى في بيوت أنطاكية والاكتفاء باللجوء إلى المخيمات إلى درجة أحرجت الحكومة حتى طلبت من المهاجرين ذلك، وكذلك فإننا نرى أنها في أزمة تعامل مع العلويين عامة الذين هم من الذين اعتذر لهم أردوغان عن أحداث وقعت ضدهم عام 1925 مع أن ذلك من مسؤولية جمهورية مصطفى كمال أتاتورك فأردوغان يريد تخفيف أي احتقان لديهم وهم لا يميلون مع الثورة السورية، فقد انحازوا إلى تيار اليسار وفي حزب الشعب الجمهوري اليساري الذي يتزعمه الكردي العلوي من ديرسم كمال كلجدار أوغلو فإننا نجد نقداً واضحاً لحكومة أردوغان المنحازة لثورة الشعب على اعتبار أن هذا تدخلاً في الشؤون الداخلية السورية المجاورة ومن وجه آخر كان التيار الماركسي متناغماً مع رؤية النظام السوري الذي يدعي الممانعة والمقاومة ضد إسرائيل في حين يعتبر الثورة السورية مؤامرة امبريالية تهدف إلى تقسيم سورية وربما يمتد أثرها إلى تركيا ويضيف إلى ذلك تيارات إسلامية صغيرة كحزب السعادة وصوت الشعب وإن كان حزب السعادة قد عدل رأيه لصالح الثورة، لكن التيار القومي المتشدد هو أيضاً لمعاداته للإسلاميين يقف مع عقدة المؤامرة ولا يؤيد زعزعة النظام السوري وأما خارجياً فكم يقلق تركيا حزب العمال الكردستاني سيما أن الفرع الإيراني له المسمى "جاك" أعلن تجميد عملياته ضد القوات الإيرانية الحليفة والمشاركة للأسد في جرائمه وهذه هي ورقة ضغط على تركيا للحد من مناهضتها لنظام دمشق ومن جهة أخرى فقد عاد إلى سورية قائد الفرع السوري لحزب الاتحاد الديمقراطي للعمال الكردستاني "صالح مسلم" حيث قدمت له دمشق كافة التسهيلات وهو يعمل على إبعاد أكراد سورية عن الإسهام في الفعاليات الثورية الهادفة إلى إسقاط النظام، أضف إلى ذلك استحواذ الأكراد على منطقة القامشلي وتنازل النظام لهم لصالح زعزعة الموقف التركي وخلق مشكلات فعلية أمامه تكلفه الكثير مستقبلاً. وهنا يجب ألاّ ننسى الموقف المبدئي الإيديولوجي الطائفي لدولة إيران المؤيد لنظام الطغاة والمشارك فعلياً بقمع الثورة السورية بالرجال و المال والسلاح وذلك بتصريحات قادتهم على أعلى المستويات وبالواقع الفعلي على الأرض ويؤيدون ذلك بأن موسى الصدر اعتبر العلويين جزءاً من الشيعة الاثني عشرية، وهو ما أكده المالكي بأنه يدافع عن النظام لذلك وهو ما يترجمه حزب الله اللبناني على الأرض كذلك. والأتراك قارئون لتاريخهم وربما لا يخفى عليهم الصراع العثماني الصفوي وانتصارهم عليهم في معركة جالديران بعد مناشدة أهل الشام لهم أن ينقذوهم من ظلم المماليك تاريخياً بعد تخاذلهم بالدفاع عن المقدسات ضد تهديدات البرتغاليين ومحاولتهم نبش قبر النبي محمد صلى الله عليه و سلم وفي معركة فاصلة هزم المماليك شر هزيمة، وإذا جاز في زماننا هذا للتاريخ أن يعيد نفسه ونحن نعلم حساسية الوضع التركي فإننا مع ذلك نطلب مساعدات حقيقية على الطريق إن لم يشاركوا معنا في القتال ولذلك كان شعار الجمعة الماضية أعطونا سلاحاً لا تصريحات، وبهذه المناسبة فإننا نرجو أن لا يصرح السيد أردوغان تصريحات نارية تهديداً للنظام الأسدي ثم لا يمكن أن ينفذها فيصيب شعبنا بالإحباط بل يقدم ما يستطيع ويزيد قدر الإمكان بدعم الثوار وهم معتمدون أولاً وآخراً على الله وعلى أنفسهم والحمدلله يحققون انتصارات باهرة أمام هذا السفاح الفتاك وسيكون الخلاص المنجي بإذن الله على أيديهم المتوضئة وقلوبهم المخلصة وصمودهم الأسطوري الفريد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1284
| 28 سبتمبر 2026