رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حدثني زمرُّدُ بن الشمقمقِ، فيما ظلَّ في ذاكرته وما بقي: سأروي لكم يا صحبي وأحبابي، قصةً من ذكريات الشبابِ. بعضها قد صار بالفعلِ، والمبالغاتُ على سبيل الهزلِ. فلا أدَّعي الثقة في الروايةْ، ولكنْ فيما أرويه غاية. والله الموفق في كل حالِ، وبحمد الله نبدأ بالمقالِ.
حدثني رجلٌ وقت الظهيرةْ، وقد كان فرداً من أفراد العشيرةْ. حيث الهموم أثقلتُه، ومن كلِّ مكانٍ أوجعتُه. قال: إني قضيتُ جلَّ عمريْ، وفياً لزيدٍ وبكريْ. نعملُ في مكان سويّا، بعزمٍ وجدٍّ صبحاً وعشيّا. نحنو على بعضٍ في الملمَّاتِ، ونواجه معاً كل ما هو آتِ. كلٌّ منا له مهمَّةْ، وكلُّنا يشاطر الآخرَ همَّهْ. وهكذا مرَّت السنينْ، نتقلَّبُ من حينٍ إلى حينْ. كما هي سنة الله في الخليقةْ، لكننا مختلفون في الطريقةْ. ننفِّذُ أقدار اللهْ، سبحانه ما لنا ربٌّ سواهْ.
وفي يومٍ من أيام الصيفْ، وقد اشتدَّ الخطْبُ بلا وصفٍ ولا كيفْ. أردتُ السعيَ في مناكبها، وأن أواجه أنواعاً من متاعبها. وقد أثقلتنا الهمومُ المالية، وكأننا في أزمةٍ عالمية، وفي ذلك أنشدتُ، شعراً وما وعيتُ: [مجزوء الكامل]
إني أردتُ السعي كي أَروى سعياً إلى الأعلى بلا عدوى
مثل الغريقِ مع الغريق بدا للناس يسبحُ دونما جدوى
فابتسمتُ وقلت: ما شاء اللهُ، ولا إله إلاهُ. حفظكمُ الباري، وأكثر لكم في الجنان من الحواري. فإني ما وجدتُ قدحاً ولا ذمَّا، ولا أدري إن كان بعد قولك أمَّا. فقاطَعَني بعريض ابتسامتِهِ، وقال: صدقتَ هناكَ شيءٌ في طيّاتِهِ. أمَّا بعد الوداع والتقبيلِ، والوعدِ بحفظ الودِّ والجميلِ. كلٌّ منَّا سار في دربهِ، كمن تاه ليلاً عن ربهِ. وصار كلُّ صاحبٍ في سبيلهِ، ولم يسألْ زميلٌ عن زميلهِ. إلا في المناسبات الدينية، والمصادفات الجبرية الدنيوية. فقلت: نعم سارِعْ، والله إني لكَ سامع.
فقال لي: يا ابن الأكرمينْ، إن الله خلقنا من صلصالٍ من طينْ. فقلتُ: ويحكَ من أين جئتَ بهذا؟ ومن سألكَ نحن من ماذا؟ فقال: قد اغرورقتْ عينيْ، وتأثرتُ ما بيني وبيني. فاسمعْ خليلي وتابعْ، إن كلامي من قلبي لكَ نابعْ.
فبعدَ اختلاف الزمانِ والمكانِ، وعودة البلاد والأمن والأمانِ. اجتمعنا وما أحلاهُ من لقاءْ، والحمد لله على نعمِهِ جمعاءْ. ولكنْ ليس كاجتماع النُدامى، اللهم لا تجعلنا من النَّدامى. فاجتمعنا كاجتماع الدول العربيةْ، بلا ودٍّ ولا حبٍّ ولا عفويةْ. كلٌّ منا يتحدث بعبارات رسميةْ، كأننا أحزابٌ في اجتماعات حزبيةْ. وهكذا كانت الحدود قد رُسمت، فيا أسفي على أيامٍ من الشفافية اندثرتْ. وبعد أن وجدتُ المسافة بيننا طالتْ، وأن العلاقة ليست كما كانتْ. أصابتني الحيرة في نفسي، هل عليّ من هذا من بأسِ؟! ففكرتُ طويلا ومليَّا، لعلي أخطأتُ وكنت نسيَّا. فتجاهلتُ الأمر وقلت بسري: إن الشيطان يدبِّرُ في السرِّ. سأظلُّ أمدُّ يد الودِّ، لن أقطع حبلاً من وردِ. مَنْ يُنكر عشرتنا نأتيهِ، بلطيف القول ونرضيهِ.
وبعد مرور الأيامْ، والوقتُ يزيد الأوهامْ. اتَّضحَ بأنَّ الأصحابَ، لا رفاقَ ولا أحبابَ. فلم تعد إلا الصُدَفُ تقرِّبنا، والكلام العابر يجمعنا. حتى وجدتُ السلام ثقيلا، وابتعدوا عني قليلاً قليلا. وتغير الوضع والمكان والمكانةْ، ما أبشع شعور الذل والإهانة.
فاكتأبتُ من حديثه الشَّجِنِ، ولعودة الروحِ للبدنِ. قلتُ: هل تملك شعراً يُنسينا، هذي المأساة ويرضينا. نستشهد فيه على ما فيكَ، حتى إن كان رضاً لا يرضيكَ. فقال: نعم عندي، قد أكثرتَ من الوجدِ. كأنهم بهذه الأفعالِ، خطرَ شيءٌ في البالِ: [البحر الطويل]
إذا جمعتنا يا كليبُ مواقفٌ مصادفةً آليتُ ألَّا أسلِّما
فإن كان عندي حاجةٌ ومصالحٌ جعلتُ ابتساماتي لعينهِ سلمَّا
فضحكتُ حتى أضحكتُ، وابتدأتُ من حيث انتهيتُ. فقلتُ: من أين جئت بهذا البيتِ، وربي ما سمعتُه في كيتَ ولا كيتِ. وعددتُ له بعضاً من المصادرِ، فلا أذكر هذا من شعرورٍ ولا شاعرِ. فقال لي: أنا استشهد بشعري، إن لم أجد المعنى عند غيري. وأردف قائلاً: [البحر الطويل]
وأبحثُ في الأشعار عن شاهدٍ فإنْ وجدتُ فأهلاً ثمَّ سهلاً بمخلصي
وإلا شققتُ الحرف حتى تظنَّهُ شواردَ أعشى أو عبيد بن أبرصِ
وها هي انتهت القصةْ، وفيها شيءٌ من الغصَّةْ. كيف تختفي أعوامُ الصداقةْ، لاختلاف المصالح والعلاقةْ. هذه الدنيا تقلباتٌ في تقلباتْ، فلا صديقٌ مطلقٌ ولا عدوٌ للمماتْ. صديقكَ من أعطاكَ نصيحةْ، لا من كان في حياتك فضيحةْ. من يبتسمُ اليوم بوجهكْ، احذر مِنْ طعنتهِ بظهركْ، ما أسرعَ نسيانَ الإنسانِ للإحسانْ، لكن هل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسانْ؟
لله درُّكَ ما هذا البيانُ والتبيينُ، وهذا الأنينُ والحنينُ، لا فُضَّ فوكَ، ولا عاش حاسدوكَ، فلا تعتبْ وسلِّم الأمور إليهِ، كلُّ شيءٍ بقضاءٍ يدور المرءُ عليهِ. فقلت: [البحر الطويل]
ربأتُ بنفسي أن أظلَّ مُعاتبا صواحبَ أمسٍ أو أكون مُحاسبا
فلا خير في ودٍّ يجيءُ تكلفاً ولا في صديقٍ منه ترنو العجائبا
ولا تكذبنْ ما في البريةِ صاحبٌ ولكنْ بقدر النفع تلقَ المكاسبا
ولا تُخدعنْ عند ابتسامةِ مُلتحٍ وإن كان شيخ العالَمَين وراهبا
فجلُّ الورى تطفو الخساسة عندها إذا استلمتْ عند الصباح مناصبا
كتبه : محمد رامز القاري – دمشق ٢٠٢٦
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2565
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2343
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1107
| 18 أكتوبر 2026