رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل شيءٍ في سوريا الثورة يحتاج اليوم إلى مراجعات، كل المواقف والأفكار والممارسات والمشاريع وأساليب التخطيط والإدارة والعمل تحتاج إلى مراجعة.
فرغم قصص العطاء والتضحية الكثيرة والمذهلة بشكل يبعث على الأمل، ورغم الكمون الهائل الموجود لدى شرائح الشعب السوري مما لا يعلم حقيقته إلا المتابع القريب، ومع كل اليقين المبني على استقراء سنن الاجتماع البشري وقوانينه بحتمية انتصار الثورة.
مع كل ما سبق، لا يمكن التهرب من حقيقة وصول الثورة إلى حال من الفوضى العارمة على كل المستويات، بحيث افتقدت المبادرة إلى درجة كبيرة، وأصبح مسارُها العام سلسلةً من ردود الأفعال السياسية والعسكرية والإعلامية والإغاثية.
ثمة شبهاتٌ أساسية لابد من تحرير القول فيها حين تُعرض هذه القضية.
فالمراجعات بمعناها العلمي المطلوب ليست مسؤولية جماهير المواطنين من أهل الثورة الذين بذلوا، ولا يزالون، ما يستطيعون لدعمها واستمرارها، كلٌ في مجاله وحسب قدرته. والفوضى التي نتحدث عنها ليست مسؤوليتهم على الإطلاق. بل الأمر على العكس من ذلك تماماً، فإذا كان ثمة إنجازات وتَقدُمٌ للثورة، وهي موجودةٌ وكثيرة، فإنها ناتجةٌ قبل كل شيء عن العبقرية الجَمعية للسوريين من جميع الشرائح. فهذه العبقرية هي التي أطلقت الثورة ابتداءً، وهي التي فجرت مواقف وإبداعات جعلتها ظاهرةً فريدة من ظواهر التاريخ والحياة بشكلٍ عام.
ثم إن ما يُسمى عُرفاً بـ (النُخب) السياسية والعسكرية التحقت بعد ذلك بمسيرة الثورة، وصار لها بِحُكم طبائع الأمور في زمننا التأثيرُ الأكبر في مسار الثورة ومصيرها.
من هنا تحديداً، نتحدث عن مسؤولية هذه (النخب) التي تصدت لـ (إدارة الثورة) بلسان الحال وبلسان المقال، وعن ضرورة مسارعتها بعملية المراجعات، لاستعادة روح المبادرة وروح الإبداع وروح التنظيم التي ميزت بدايات الثورة، وكانت الشاهد على العبقرية الجمعية التي نتحدث عنها.
هناك فرصةٌ هنا أيضاً لاستعادة المعنى الحقيقي لكلمة (مسؤول)، من الآن، في حياتنا السياسية وفكرنا السياسي، تمهيداً لترسيخها في ثقافة سوريا الجديدة ونظامها. فدلالة (المسؤول) تعني أنه (يُسأل) عن عمله، وعن أدائه لواجبه من الناس في الدنيا، قبل أن يُسأل عنها في الآخرة. فـ(مسؤول) لا تعني أن يشعر صاحبها أنه أصبح زعيماً يجب أن يُطاع ويُبجّل، ولا يُسأل عما يفعل. وإنما تُلخص صفة المسؤول بوضوحٍ ودون كثير تنظير مقولة الفاروق عمر: "لو عثَرت بغلةٌ في العراق لخشيتُ أن يسألني الله لماذا لم تُمهّد لها الطريق يا عمر".
أما الشبهة الثانية فتتمثل في أن مثل هذه المراجعات تشغل الناس عن المهمة الأساسية المتمثلة في مقاومة النظام. ورغم إمكانية حدوث هذا إذا كانت النياتُ سيئةً، أو طريقة التفكير في المراجعات وتنفيذها تقليدية وفوضوية. إلا أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً إذا أردنا التفكير بطريقة علمية. فضلاً عن أن ممارسات وتجارب الأمم والدول عبر التاريخ تُثبت تلك الحقيقة عملياً.
فالنظام يعتاشُ عملياً، وبشكل تدريجي متصاعد، على أخطاء الأطراف السياسية والعسكرية، ربما بنفس الدرجة أو أكثر من جهوده الذاتية والمساعدات التي تأتيه من الخارج. ويصدق في هذا ما كان ينقله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله من الأمثال والحِكَم العربية حين كان يُكرر: "إن البُغاثَ بأرضِنا يِستنسر" و"استأسدَ الحمَلُ لما استنوق الجملُ".
لا مفر هنا من التركيز قبل كل شيء على العناصر الرئيسية المتعلقة بالموضوع في ثقافتنا الأصيلة. فقد تكررت في صدر الإسلام المواقف التي يُصوﱢبُ فيها الوحي الرسول الكريم رغم مقامه المعروف، كما هو الحال مثلاً في قصة عبدالله بن أم مكتوم وغيرها، وجاء هذا التصويب وقتَ حدوث الأخطاء دون أي تأخير. ورغم احتمال استغلال (الآخر) لمثل هذا الموقف لإثارة البلبلة والتشويش بين الناس المُستهدفين بالدعوة، بقيت القاعدةُ تؤكد أن الاستمرار في الخطأ أخطرُ بكثير من أي ملابساتٍ أخرى يمكن التعامل معها بحكمة. وقد وعى الرسولُ نفسه هذا الدرس فعبرَ عنه في كثيرٍ من الوقائع لنَقلِ الدرس إلى أصحابه والناس أجمعين بشكلٍ عملي.
فقد وردت في الصحيح من السيرة النبوية الرواية التالية: "كان سواد بن عزيّة يوم غزوة أحد واقفاً في وسط الجيش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجيش: استووا، استقيموا. فينظر النبي فيرى سوادا لم ينضبط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استو يا سواد، فقال سواد: نعم يا رسول الله ووقف ولكنه لم ينضبط، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بسواكه ونغز سوادا في بطنه قال: استو يا سواد، فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق فأقِدني فكشف النبي عن بطنه وقال: اقتص يا سواد. فانكب سواد على بطن النبي يقبلها. يقول هذا ما أردت، يا رسول الله أظن أن هذا اليوم يوم شهادة فأحببت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك".
يغلبُ أن تُروى هذه الرواية في الثقافة التقليدية السائدة بطريقةٍ مُبتذلة كدليلٍ على طلب البركة، في حين أن معانيها الأصيلة، التي تتجاوز الغاية الشخصية لفرد، أكبرُ بكثير من ذلك، وتدخل في باب تحقيق المصالح العامة الكبرى. فنحن أمام نبيٍ قائد يقوم بنفسه بقيادة معركته مع جنوده، وهو قائدٌ يدرك تماماً معنى تسوية الصفوف (بدلالاتها الميدانية والنفسية في المعارك) فيقوم بذلك بنفسه. وهذا القائد لا يتسرع حتى في استخدام الحد الأدنى الرمزي من ممارسة التأديب، فيطلب من الجندي الاستواء أكثر من مرة، لكنه يلجأ لذلك التأديب الرمزي أخيراً. فيحصل ما حصل من الجندي، ويُسرع القائد لتنفيذ حكم قَصاص الجندي منه في خضم التحضير للمعركة، ودون أي تأخير، لأنه يعلم المُستتبعات العملية والمعنوية والنفسية، ليس فقط على ذلك الفرد، وإنما على الجيش بأسره، ويُدرك تأثيرها الحساس في المعركة.
ولنا فقط أن نتخيل ملابسات مثل هذا الموقف بين جنديٍ وقائد في واقعنا المعاصر إن كان هناك مجالٌ أصلاً لتخيله.
ثمة توازناتٌ ينبغي ويمكن أخذُها بعين الاعتبار طبعاً، لكن المرفوض هو تغييب آليات المراجعة والشفافية الحقيقية، والتعتيم على الأخطاء في هذه المرحلة بدعاوي (الظروف الحرجة) و(حساسية الموقف) و(وحدة الصف الوطني) وما إليها من الشعارات التي كثيراً ما تكون كلمات حقٍ يُرادُ بها باطل.
ويأتي سؤالٌ هنا: لمن يوجه النقد وعلى من تجب المراجعة؟ يُوجه طبعاً للأطراف المؤثرة ويجب عليها بطبيعة الحال. من هنا مثلاً، جاءت بعض مقالاتنا السابقة تحاول فتح ملف المراجعات، وتنتقد أداء أطراف مؤثرة مثل الائتلاف، والإخوان، والمثقفين العلمانيين السلبيين، وأصحاب الفكر التقليدي الإسلامي، وأهل الغلو والتطرف. لم يكن هذا على سبيل التخوين والمناكفة السياسية التي لا تجدي في شيء لا تنفع سوريا وثورتها، ولا من باب (تصفية الحسابات الشخصية) كما اتهمنا البعض، ولا شيئاً من ذلك كله.
كل ما يتعلق بالثورة السورية إذاً يحتاج إلى مراجعة. ولكن كيف تكون؟ ومن يقوم بها؟ وما هي ملابساتها المختلفة؟ هذه أسئلة تحتاج إلى مزيدٍ من العرض والحوار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3186
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2589
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2271
| 02 يونيو 2026