رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرفت الإنسانية الحرب أنها ممارسة السياسة بوسائل أخرى، وأنها وجه الدبلوماسية الآخر، وأن غاية القتال هي الوصول إلى تعديل حالة التوازن بين الإطراف المتحاربة لأن الأوضاع في ميادين القتال تعكس نفسها على مائدة التفاوض التي تجمع الأطراف.
وصار للحرب علوم تكاد تكون في حجيتها وصرامتها دستور لكل من يرتدي زيا عسكريا، أو يدير أمة ويتخذ فيها قرارا. لم تعد الحروب نزهة، ولم تعد خطابا حماسيا، وتطورت الأدوات لتحقق هدف كسر إرادة العدو، مع الحفاظ على أرواح الجند، وكلما ارتقى إحساس الجندي في الحرب بأنه أغلى وأرقى ما في الحرب، زادت شجاعته ورغبته في التضحية.
وتحديد هدف عادل للحرب يحدد مشروعيتها أمام النفس والإنسانية، وترجمة هذا الهدف إلى إستراتيجية عسكرية ومهام للقوات المحاربة وامتلاك الأدوات والتدريب الذي يؤهلها لمهامها يحقق الموضوعية، وتحديد من يتخذ قرار بأنه القيادة السياسية للوطن (الأمير عند كلاوزفتز أو الحكومة المنتخبة عند غيره حسب تطور النظم السياسية) يضع قرار الحرب بيد المجتمع والوطن وليس نزعات طيش عند رجال مدنيين أو عسكريين، ومن يملك قرار بدء الحرب يجب أن تكون لديه القدرة والسلطة على اتخاذ قرار وقفها. والقوات المقاتلة يجب أن تشعر شرف المهمة التي تخوض القتال من أجلها، ودعم المجتمع الذي تخرج منه، لتعود إليه منتصرة ليستقبلها معترفا بتضحياتها ويمنحها أكاليل الغار، أو أن تعجز عن تحقيق أهدافها، فيستقبلها معترفا بقصور لديه سواء في القرار أو المشروعية أو الإمكانات، ويكون لها حاضنا حتى تستعيد القدرة، ليبدأ من جديد ممارسة السياسة بوسائل غير الدبلوماسية، أي بوسائل القتال.
وصارت الحرب، أداة الصراع العالمي سواء للسيطرة على مناطق النفوذ والثروات، وهو ما استقر عليه بالمصالح، واحدة من أهم أسباب البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، لتصبح صناعة السلاح سببا من أسباب القوة، وتصبح تجارة السلاح سببا من أسباب النمو الاقتصادي أو الانهيار الاقتصادي. ولعل صور أثرياء تجارة السلاح لا حدود لها، ولكن المثال الحيوي لمعنى الانهيار نتيجة الصراع على امتلاك القدرة المتوازنة، هي حالة التنافس في حرب النجوم بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وهو واحد من أهم أسباب الانهيار لاقتصادات الاتحاد السوفييتي حتى إن اندروبوف قال قولته الشهيرة عن دعم حركات التحرر ومواجهة أمريكا "نحن على استعداد للتعاون دون أن يطلب أحد منا أن نطعم شعبه!".
والعالم اليوم ليس من الملائكة، ولكن تعدد المصالح وتباينها، والأثمان الباهظة للحروب ومستلزماتها فرضت على من يملك القوة أن يجد الممول الذي يستطيع أن يدفع تكاليف الحرب، كأنه مشروع اقتصادي، ولكن الحبكة السياسية هي خداع الممول لينال أقل ما يمكن من عائداتها، ليستطيع من يملك القوة تحقيق أقصى عائد من استخدامه لأدوات الحرب التي يملكها.
وفي عالم اليوم أيضاً يجري تشكيل فيالق متعددة لتقاتل وفق أهوائها لتحقق لأطراف أخرى مصالح لا تراها، فهي تستعذب القتال وهما ومن يستخدمها يملك إستراتيجية التوظيف وإعادة تشكيل الاهتمامات. ويعاد ترتيب الصراعات بعيدا عن أصحاب المصالح، لتتحول إلى إقليمية، وبأدوات الأقاليم ذاتها، أو داخل حدود الأوطان وفق تعددها العرقي أو الطائفي والمذهبي، وكأن الذئاب تملك قلوبا رحيمة بالأغنام وترعاها وتوفر لها الكلأ والماء وتحميها.
صنع عالم المصالح الكبيرة قانونا جديدا للغابة، ويستخدمه، وطاب للقطعان أن تحيا تحت أنيابه، بل وتتنافس على رضا الذئب، ونسوا طبائع الأمور، نسوا التاريخ فوضعوا رقابهم على مذابح المصالح الكبرى، وفقدوا حقيقة الصراع، فصاروا هم القاتل والجلاد، وهم الضحايا.
ما يطلق عليه الحرب الأهلية لا يندرج ضمن قوانين الحروب، وزمن الاقتتال داخل المجتمعات للوحدة أو البناء، ذهب أدراج الحربين العالميتين، وانقسم العالم إلى مجتمعات تعي معنى الحرب فتتجنبها، ولكن مصالحها لدى مجتمعات تملك الثروات الطبيعية والجغرافيا ولا تملك قدرة العلم وإمكاناته، فوضعت لها إستراتيجية الاقتتال لتتمكن من السيطرة عليها. ولم تعد الحرب الوجه الآخر للسياسة، ولكن صارت النزاعات الإقليمية أو الداخلية بالاقتتال سبيل استنزاف القوى ونزح الثروات والحيلولة دون النمو والوجود والقوة.
الاستنزاف الاقتصادي صورة من صور الحرب، والبنك الدولي وصندوق النقد صورة أخرى، والحديث عن العولمة والنظام العالمي الجديد صورة ثالثة، واستطراد الحديث عن حقوق الإنسان وازدواجية المعايير بشأنها صورة رابعة، ثم تغذية العرقيات المتعددة داخل الأقاليم أو الطائفية والمذهبية داخل الأوطان، صورة أخرى.
ظللنا نحاول أن نحول بين ظاهرة الإرهاب ونسبتها إلى الإسلام، وأيضا أن نحول دون وصف المقاومة الفلسطينية بالذات أنها إرهاب، ولكننا هانحن نكتشف حقائق أخرى بمجرد أن رفعت ثورة يناير الغطاء عما هو كامن داخل أوطاننا.
تبدى لنا الآن أن الغرب الذي صنع هذه الظاهرة كان يعلم كيف صاغ عقيدتها، وأن تعامله من بعد انهيار الدولة العثمانية مع ما صنعه بيديه داخل المنطقة العربية، كان يجب أن يظل حبيس تصوره، واستكمل الغرب تصوره بزرع الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين وأعطوا أرضا بلا شعب ولشعب بلا أرض وأيضا بالإرهاب الصهيوني، وكان يمكن للغرب هذا أن يقبل بنداء القومية العربية لو أن هذا النداء لم يتجاوز مجرد الأفكار ولم ينتقل إلى الواقع، يحاول أن يغيره بمضمون الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة وحق العرب في ثرواتهم.
ويضيق البعض بوصف "الاستعمال" لأي من التنظيمات المتأسلمة سواء جماعة الإخوان أو السلفيين، ولكن حقائق الأمور تتكشف لحظة بعد أخرى، والمتغيرات في مصر تؤكد أن لحظات الصعود لثورة يوليو كان الإخوان في موقف العداء بعد فشل محاولات الاستيلاء، وأن حركتهم خارج مصر كانت ضد مصر، وأن صياغة التنظيم الدولي كانت لحصارها، وهكذا كان دور السلفيين في مصر قبل الثورة حيث كانوا أداة إحباط ويحملون فتاوى عدم الخروج على الحاكم طالما هو يسمح بالصلاة في المساجد ولم يغلقها.
ما يجري في مصر لا يعرف أنصاف التوصيفات، إن لم يتم توصيفه بوضوح قاطع، ستدفع مصر والأمة العربية كلها ثمنا لا تتحمله.
ما يجري في مصر لا علاقة له بالثورة أو السياسة، مصر تحت إرهاب يحاول أن يتخفى تحت ظلال الإسلام، كانت البدايات التفافا حول حركة الشعب وثورته، ثم كانت الموجة التالية هي تكفير المجتمع وإهدار تاريخه، والحديث عن شرعية الصندوق، وحقيقة الأمر هو اختطاف السلطة، وعدم امتلاك القدرة على إدارة الدولة، والأخطر عدم الانتماء إلى الوطنية المصرية، ولا يجب أن نقع تحت إرهاب فكرة أن الوطنية تعبير مطلق كما المواطنة، فالفارق جوهري، المواطنة حق لمن ولد فوق الأرض، ولكن الوطنية هي الموقف لصالح الوطن في كافة قضاياه، الوطنية تعني أن الوطن ليس حزبا أو جماعة وأن الحزب ليس وطنا.
الإرهاب في مصر يحاصر أعمدة الدولة، ويحاول أن يهدمها لصالح استكمال بناء يسيطر عليه، دون وعي بمصادر الخطر الرئيسية وبدون انتماء للشعب.
يحاصر الإرهاب القضاء وزرع داخله أذرع له، ويحاصر الإرهاب الأزهر، كما يحاصر الكنيسة، ويتجاوز ذلك في الاستيلاء على جهاز الشرطة ويضع على رأسه من يأتمر بأمره، ويسعى الإرهاب إلى الاستيلاء على المؤسسة العسكرية، ويغل يدها بامتلاكه للقرار لصالح الجماعات الإرهابية التي نجحت في التسلل إلى مصر وامتلكت السلاح، وتستخدمه، بل إن الإرهاب في مصر يستخدم المال لإعادة توظيف حالة الفقر لصالحه، وليس أدل على ذلك من المشهد في وسط القاهرة ووقائع أحداث جرت أمام القضاء العالي، حيث كانت المظاهرة السلمية تقع تحت نيران أطلقت من نوافذ مكتب النائب العام وتحت إرهاب أسلحة بيضاء يحملها بائعون يفترشون شارع طلعت حرب وميدان التوفيقية وحولوا القاهرة الخديوية إلى عشوائية، وحجم البضائع يكشف حجم الأموال، والتصرف بالبلطجة والسلاح الأبيض يكشف أبعاد العلاقات وتوافق المصالح، حتى إنهم يحمون نائبا عاما سقطت شرعيته بحكم القضاء.
والغريب أن هناك خللا في رد الفعل على تقييم ما يجري فوق الأرض المصرية. الخبراء العسكريون يحددون أن هناك تواجدا مسلحا في سيناء ومرسى مطروح في الغرب وفي صعيد مصر، وأن سيناء تعتبر مخزنا للسلاح وسوق بيع بالجملة والقطاعي، وعندما تجري مناقشة كيف يصمت الجيش عن مواجهة ذلك، تكون الإجابة أن الجيش يتحرك وفق القرار السياسي، وهو ما يعني أن هذه الجماعات الإرهابية تتمتع بحماية السلطة في مصر. والخلل هنا في التسليم بما أنتجه الصندوق الانتخابي دون الوعي بخطره على الأمن القومي والوطن.
يتمثل أيضاً الخلل فيما يطلق عليه أن الجيش يحمي الشعب ولن يدع الدولة تنهار، ولكننا في مرحلة الدولة الفاشلة وليست مرحلة الدولة المنهارة "هكذا يتحدثون عن أنها علوم في الكتب، وأن أي تدخل الآن سيصفه العالم بالانقلاب!" وكأن الولاية لعالم متعدد المعايير، ويقولون بأعصاب باردة إن كافة الحوادث لم تصل إلى آلاف القتلى في الشوارع؟ هكذا يجب أن يحدث الاقتتال والدم وآلاف القتلى حتى نستعيد مصر من يد الإرهاب، ودعم سلطة القرار السياسي له.
إن الحديث عما يجري في مصر أنه تنافس سياسي هو خداع للنفس، إن ما يجري في مصر هو هدم للدولة، ومراجعة أقوال المتحدثين باسم هذه الجماعات يلحظ لغة الهدم والدعوة للقتل واستباحة كل قيم المجتمع، تعرض المجتمع للفساد قبل الثورة، ولكن هويته الوطنية كانت تحفظ قيما وثقافة جرى العدوان عليها، وكان اغتيال الهوية بالتكفير هو الخطوة الأولى لتبرير القتل، والاغتيال المعنوي المستمر سيفرض لحظة الحقيقة، ويجري تصحيح قواعد الاشتباك، وساعتها ستكون مصر بإرادة الشعب الأعزل مقبرة للإرهاب تحت ظلال الدين كما كانت دوما مقبرة للغزاة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17928
| 03 نوفمبر 2026
تسعى الدول، بلا استثناء تقريبًا، إلى حجز موقع أفضل على خريطة التجارة الدولية، وبناء مزايا تنافسية تمكنها من زيادة صادراتها والحصول على نصيب أكبر من الأسواق العالمية. ومع التحولات السريعة في هيكل التجارة الدولية، يلاحظ النمو المتزايد للخدمات الرقمية، مثل البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات المالية والاستشارية والبحث والتطوير. ففي عام 2025 تجاوزت قيمة الصادرات العالمية من هذه الخدمات 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل نحو 56 % من إجمالي صادرات الخدمات عالميًا. الدخول إلى هذا السوق لا يحتاج إلى موانئ ضخمة أو قاعدة سكانية كبيرة بقدر حاجته إلى بنية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية، وبيئة تنظيمية موثوقة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. و عند النظر إلى قطر نجد أنها تبدأ من موقع متقدم بالفعل في هذا المجال، فقد سجلت في عام 2026 نحو 98.4 نقطة من أصل 100 في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، محققة سادس أعلى نتيجة بين 159 اقتصادًا. تجربة سنغافورة تستحق التأمل، فرغم ضيق مساحتها ومحدودية سوقها المحلية، أصبح الاقتصاد الرقمي يمثل نحو 18.6 % من ناتجها المحلي الإجمالي في 2024، بعدما كان 14.9 % قبل خمس سنوات. ولم تتحقق هذه النتيجة من خلال شركات التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال انتشار التكنولوجيا داخل التمويل والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب بناء شركات قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. محدودية السوق الداخلية لا تمنع الدولة من بناء قطاع رقمي كبير إذا نجحت في تحويل العالم نفسه إلى سوق لمنتجاتها وخدماتها. وفي قطر تتوافر بالفعل عناصر تجعل هذا الطموح واقعيًا. البنية الرقمية ورأس المال، والأهم توفر الطاقة. وهذه النقطة تستحق اهتمامًا خاصًا؛ فاقتصاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، وإلى استثمارات طويلة الأجل. وهنا يمكن لقطاع الطاقة القطري أن يؤدي دورًا يتجاوز الحصول على عائدات تصدير الغاز، عبر دعم صناعات رقمية جديدة تعتمد على الطاقة كأحد أهم مدخلاتها. وقد بدأت ملامح هذا الاتجاه تظهر بالفعل، فقد وقعت شركة «ميزة» في سبتمبر 2026 عقدًا تتجاوز قيمته مليار ريال، هذه في حقيقتها صفقة تصدير، حتى وإن لم تغادر قطر شحنة مادية واحدة. الخدمة تُنتج في قطر، والعميل العالمي يحصل عليها ويدفع مقابلها. ومع تكرار هذا النوع من العقود، يمكن أن تتوسع قائمة الصادرات القطرية لتشمل القدرة الحاسوبية والخدمات السحابية إلى جانب الصادرات التقليدية. هناك المزيد من الأمثلة على نجاح ذلك النوع من التوجه الاقتصادي، فقد أُطلقت شركة Qai، كما دخلت في شراكة مع Brookfield تستهدف استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة. وفي الوقت نفسه توسعت الحوافز الموجهة لقطاع التكنولوجيا ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني. هذه الخطوات تعطي فرصة حقيقية لانتقال قطر من منتج للطاقة ومستخدم للتكنولوجيا، إلى إنتاج خدمات رقمية يمكن بيعها عالميًا. ولا أعتقد أن الاقتصاد الرقمي ينبغي أن يكون بديلًا لصادرات الغاز. فالغاز مصدر قوة كبير للاقتصاد القطري، وليس عبئًا يجب التخلص منه. الفكرة الأكثر جدوى هي استخدام جزء من القوة التي وفرها هذا القطاع في بناء مصادر دخل إضافية. وتنسجم هذه الفرص مع الأجندة الرقمية 2030، التي تستهدف إضافة نحو 40 مليار ريال إلى الناتج غير الهيدروكربوني، وتوفير نحو 26 ألف فرصة عمل. إن الأهمية الاقتصادية لهذا التوجه لا تقتصر على تنمية القطاع الرقمي داخل قطر، بل تمتد إلى قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية. وهنا سيكون التحدي الحقيقي هو تحويل الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا إلى خدمات رقمية قابلة للتصدير، بما يفتح أمام الاقتصاد القطري أسواقًا جديدة ومصادر إضافية للدخل. السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ما زال في بداياته، قطر أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على بناء مكانة عالمية في سوق الطاقة. والفرصة المتاحة اليوم هي أن تستخدم ما راكمته من رأس مال وطاقة وبنية أساسية في بناء مصدر قوة آخر، بحيث تصبح الخدمات الرقمية والقدرات الحاسوبية جزءًا مما يعرف العالم قطر به ويشتريه منها.
4089
| 06 نوفمبر 2026
ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو بدت مربحة. فقد يجد رائد الأعمال أمامه عقداً كبيراً، أو سوقاً جديداً، أو فرصة للتوسع السريع، وتكون المؤشرات مشجعة، ومع ذلك يصبح قبولها قراراً خاطئاً. فالفرصة الجيدة لا تعني بالضرورة قراراً جيداً؛ إذ قد يكون توقيتها غير مناسب، أو تتطلب التزامات تفوق العائد الذي تبرره، أو تستند إلى افتراضات لم تُختبر بعد. وهنا تكمن إحدى مفارقات ريادة الأعمال: فالجرأة التي تفتح أبواب النجاح قد تقود إلى الفشل إذا تحولت إلى اندفاع لا تحكمه الحسابات. وليس المطلوب أن يخشى رائد الأعمال المخاطرة، فدونها يصعب الابتكار والنمو، وإنما أن يميز بين قرار ينطوي على قدر مقبول من عدم اليقين وآخر يراهن فيه على أن تسير الأمور جميعها كما يتمنى. لقد اعتدنا الاحتفاء برواد الأعمال الذين يتوسعون بسرعة ويدخلون أسواقاً جديدة، لكننا نادراً ما نسأل عن جودة القرارات التي صنعت هذا النمو. فليس كل توسع نجاحاً، وليس كل تراجع فشلاً؛ وقد يكون تأجيل الاستثمار أحياناً أكثر حكمة من التعجل في تنفيذه. فالفرق بين المخاطرة المحسوبة والتهور ليس في الجرأة على اتخاذ القرار، بل في الانضباط الذي يسبقه. وقد طورت الباحثة سارا ساراسفاثي، من جامعة فرجينيا، ضمن أبحاثها في ريادة الأعمال، مبدأ «الخسارة الممكن تحملها» (Affordable Loss). ويقوم على أن رائد الأعمال لا ينبغي أن يعتمد فقط على تقدير الأرباح المتوقعة، بل عليه أن يحدد مسبقاً مقدار الموارد التي يستطيع خسارتها إذا لم تنجح التجربة. وهذا لا يلغي أهمية دراسة الجدوى، وإنما يضيف إليها سؤالاً حاسماً: ما الثمن الذي نقبل دفعه مقابل تجربة قد لا تنجح؟ عندما تصبح الفرصة أكبر من المشروع. لنفترض أن شركة قطرية تعمل في خدمات الصيانة، وتحقق إيرادات سنوية تبلغ أربعة ملايين ريال، عُرض عليها عقد بقيمة 12 مليون ريال. تبدو الفرصة استثنائية، لكنها تتطلب توظيف عمالة إضافية، وشراء معدات، وتقديم ضمانات مصرفية، مع احتمال تأخر تحصيل المستحقات. ورغم جاذبية الأرباح المتوقعة، تكشف الدراسة عن أن شروط العقد تنقل إلى الشركة أعباء مالية وتشغيلية كبيرة، وقد تؤثر في جودة خدماتها لعملائها الحاليين. هنا يتخذ صاحب المشروع قراراً قد يبدو غير متوقع: يرفض التوقيع بالشروط الأصلية، ويقترح تقسيم التنفيذ إلى مراحل وتخفيف الالتزامات المسبقة، حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض هامش الربح. وإذا لم يقبل العميل، فإنه ينسحب. هذه حالة افتراضية من بيئة الأعمال القطرية، لكنها توضح درساً مهماً: ليست قيمة العقد هي التي تحدد جودته، بل العائد الذي يحققه مقارنة بالمخاطر والالتزامات المصاحبة له. لا تنخدع بالأرباح المتوقعة قد تبدو الأرقام مشجعة في دراسة الجدوى، لكن التوقعات ليست حقائق مؤكدة. فالأسعار قد تتغير، وتكاليف التشغيل قد ترتفع، والعملاء قد يتأخرون في السداد، والمنافسة قد تكون أشد مما تشير إليه الدراسات الأولية. ولهذا لا يكفي إعداد سيناريو متفائل، بل ينبغي اختبار القرار في ظروف أقل ملاءمة. فماذا يحدث إذا انخفضت المبيعات عن المتوقع؟ أو تأخر تنفيذ المشروع؟ أو ارتفعت تكاليفه بنسبة مؤثرة؟ وتكمن أهمية هذا الاختبار في كشف نقاط الضعف قبل الالتزام، وتحديد ما إذا كان الأفضل تعديل حجم الاستثمار، أو تغيير توقيته، أو إعادة التفاوض على شروطه. فدراسة الجدوى الجيدة لا تكتفي بتوضيح أسباب النجاح المحتمل، بل تكشف أيضاً الظروف التي قد تجعل القرار غير مجدٍ. اختبر الفكرة قبل أن تدفع ثمنها كاملاً من المبادئ المهمة في الإدارة الريادية تحويل الافتراضات إلى اختبارات محدودة قابلة للقياس. فمن يريد إطلاق منتج جديد ليس مضطراً إلى استئجار مصنع أو تكوين مخزون كبير قبل التأكد من وجود طلب حقيقي. يمكنه البدء بنموذج أولي، أو إنتاج كمية محدودة، أو الحصول على طلبات شراء مؤكدة قبل التوسع. والاختبار الجيد لا يهدف إلى تأكيد قناعة صاحب المشروع، بل إلى اكتشاف ما قد يكون خاطئاً فيها بأقل تكلفة ممكنة. فقد تكشف تجربة صغيرة عن ضعف الطلب قبل أن يتحول إلى خسارة كبيرة. المنافسة… ما قد تغفله التوقعات المتفائلة قد ينجح رائد الأعمال في تقدير تكاليف مشروعه، ويتأكد من وجود طلب على منتجه، ثم يفاجأ بأن السوق لا يمنحه الحصة التي توقعها. فوجود الطلب لا يعني بالضرورة أن العملاء سيختارونه، خصوصاً عندما يواجه منافسين يتمتعون بعلاقات راسخة مع العملاء، أو تكاليف أقل، أو قدرة أكبر على خفض الأسعار. وهنا يقع بعض رواد الأعمال في خطأ شائع، حين يبنون توقعاتهم على حجم السوق، دون أن يدرسوا نصيبهم الواقعي منه. فقد يكون السوق كبيراً وينمو بسرعة، لكن ذلك لا يضمن نجاح كل من يدخله. ولهذا لا يكفي أن يسأل رائد الأعمال: هل يوجد طلب على المنتج؟ بل ينبغي أن يسأل أيضاً: لماذا سيشتري العميل مني بدلاً من المنافس؟ وهل أستطيع المحافظة على هذه الميزة إذا خفض المنافسون أسعارهم أو قدموا خدمة أفضل؟ وتزداد المخاطرة عندما يعتمد المشروع على السعر المنخفض وحده لجذب العملاء، دون امتلاك ميزة في الجودة أو الكفاءة أو الخدمة. فقد ينجح هذا الأسلوب مؤقتاً، لكنه قد يتحول إلى منافسة سعرية تستنزف الأرباح. فالفرصة الاستثمارية لا تُقاس بحجم الطلب وحده، بل بقدرة المشروع على الحصول على حصة مربحة منه والمحافظة عليها في مواجهة المنافسين. أربعة معايير تفصل المخاطرة المحسوبة عن التهور يمكن التمييز بين المخاطرة المحسوبة والمغامرة غير المدروسة من خلال أربعة معايير مترابطة. أولها حد الخسارة، أي تحديد حجم الخسارة المحتملة في ظروف سلبية معقولة، ومقارنتها بالموارد التي يمكن تخصيصها للمشروع دون الإضرار بالأنشطة القائمة. وثانيها القدرة على الاستمرار، ويقصد بها توافر الموارد المالية والتشغيلية اللازمة للوفاء بالالتزامات إذا تأخرت النتائج أو تغيرت ظروف السوق. أما المعيار الثالث فهو التحقق من الطلب والميزة التنافسية، فلا يكفي وجود سوق للمنتج أو الخدمة، بل ينبغي التأكد من وجود عملاء مستعدين للشراء، وسبب واضح يجعلهم يفضلون المشروع على منافسيه. ويأتي المعيار الرابع، وهو إمكانية التراجع، ليحدد مدى سهولة تعديل الاستثمار أو تقليصه أو إيقافه إذا لم تتحقق النتائج، والتكاليف المترتبة على ذلك. وتكمن قيمة هذه المعايير في أنها تنقل النقاش من الحماس للفكرة إلى تقييم شروط تنفيذها، وتساعد على الاختيار بين المضي في الاستثمار أو تنفيذه تدريجياً أو إعادة تصميمه. متى يتحول الإصرار إلى خطأ إداري؟ من أصعب القرارات التي يواجهها رائد الأعمال الاعتراف بأن مشروعاً لم يحقق النتائج المتوقعة. فبعد استثمار الوقت والمال والجهد، قد يشعر أن التوقف يعني ضياع كل ما أنفقه. وهنا يظهر ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بمغالطة التكاليف الغارقة، عندما تؤثر الأموال التي أُنفقت ولا يمكن استردادها في قرار الاستمرار، رغم أنها لا ينبغي أن تحدد جدوى الإنفاق المستقبلي. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم أنفقنا حتى الآن؟ بل: هل ما سننفقه من اليوم فصاعداً يبرره العائد المحتمل والمخاطر المتبقية؟ وقد يكون الاستمرار في بعض المشروعات قراراً سليماً إذا ظهرت مؤشرات جديدة تدعم نجاحها، بينما يصبح التوقف في مشروعات أخرى ضرورة اقتصادية. فالقرار الرشيد لا يستند إلى الرغبة في إثبات صحة الاختيار السابق، وإنما إلى مقارنة البدائل المتاحة في الوقت الحاضر. كما أن الاقتراض ليس تهوراً في ذاته، والتوسع السريع ليس خطأً دائماً؛ فكلاهما قد يكون مناسباً إذا استند إلى مبررات اقتصادية واضحة وإدارة فعالة للمخاطر. من ثقافة المغامرة إلى ثقافة القرار تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى رواد أعمال مستعدين لتجربة أفكار جديدة، ودخول أسواق غير مألوفة، وتطوير منتجات وخدمات تخلق قيمة اقتصادية حقيقية. لكن تشجيع ريادة الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمغامرة دون تمييز. فالمجتمع الذي يحتفي بسرعة النمو وحدها قد يغفل أهمية المشروعات التي تتطور بتدرج، وتتعلم من تجاربها، وتبني ميزتها التنافسية على أسس متينة. كما أن نجاح قرار محفوف بمخاطر غير مدروسة لا يجعله قراراً سليماً بالضرورة، تماماً كما أن خسارة مشروع مدروس لا تعني أن صاحبه كان متهوراً. فالنتائج تتأثر بعوامل لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، أما جودة القرار فتُقاس بالمعلومات والبدائل والتقديرات المتاحة وقت اتخاذه. ولهذا فإن بناء بيئة ريادية ناضجة يتطلب تغيير السؤال الذي نطرحه على أصحاب المشروعات. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الاستثمارات وعدد الفروع ومعدلات النمو، ينبغي أن نسأل عن جودة القرارات التي أنتجت هذا النمو. فليست كل خسارة فشلاً، لكن الخسارة التي تحرم رائد الأعمال من فرصة المحاولة مجدداً تكشف خللاً في إدارة المخاطرة. والنجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه المشروع في فرصته الأولى وحدها، بل بقدرته على التعلم والتطور واغتنام الفرص التالية.
1215
| 03 نوفمبر 2026