رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة الفلسطينية الجديدة مطالبة بوقف اللهاث الدائم وراء التسوية
منذ وقع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اتفاق المصالحة مع حماس والمتوقع والمتخوف منه أن يعود الاهتمام بعملية التسوية وأن تقدم له عروض تبدو سخية ومشجعة في سبيل إبعاده عن حماس والمقاومة.. ما حدث في هذا السياق أن أوباما ألقى خطابا أمام الآيباك اليهودي كذلك ألقى نتنياهو خطابا آخر أمام الكونغرس، والغاية كانت واضحة هي تحريك الماء الراكد وإقامة مواجهة ومراجحة بين عملية التسوية والمصالحة الفلسطينية.. لكن مضمون الخطابين جاء أقل بكثير مما يمكن أن يغري الفلسطينيين – السلطة – بشيء من ذلك.. ثم صدرت عن متحدثي السلطة تصريحات وتعليقات يمكن بجمعها أن تعتبر رفضا لمضمون الخطابين.. ذلك طمأن المتخوفين على المصالحة وأشعرهم بأن الحالة الفلسطينية ربما صارت أكثر تحصينا من الانقسام بعد أربع سنوات من التجربة المرة والمريرة.. ثم انطلقت المبادرة الفرنسية الأسبوع الماضي لنفس الغاية وفي ذات السياق.. و لم تكن أكثر من تلخيص وتسويق لمضمون الخطابين أضيف إليه هذه المرة فكرة مؤتمر دولي للسلام! تقدم فيه هذه المضامين ويثبت منها أو يلغي ما يتم التوافق عليه بين الفرقاء والوسطاء المعنيين.. فكرة المؤتمر الدولي للسلام تعتبر علامة فارقة ولها سحر خاص في وجدان فتح والسلطة..
رئيس وزراء العدو من جهته وفي مستهل جلسة حكومته يوم الأحد الماضي صرح بأن حكومته سترد على المبادرة الفرنسية بعد أن تدرسها وتنظر فيها بعمق.. وأوضح أنه سيناقش هذا الموضوع مع الإدارة الأمريكية أولا، وأن لديه تصورات خاصة بهذا الأمر، ثم أعاد تجديد مطلبه التقليدي بإلغاء المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس..
وقعت بعد ذلك مفاجأتان، الأولى يوم الاثنين الماضي عندما قبلت السلطة وبشكل رسمي وعلى لسان أحد مستشاري رئيسها محمود عباس بالمبادرة الفرنسية دون أية تحفظات ومتجاهلة ما سبق من موقفها الرافض لمضمون خطابي أوباما ونتنياهو.. ما بدا كأنه ردة فعل على موقف نتنياهو أمام الكنيست، والمفاجأة الثانية عندما رفضت كلينتون هذه المبادرة ثم العدو في اليوم التالي لقبول عباس بها ما أشعر بأن صمت أمريكا في البداية وما جاء على لسان نتنياهو أمام الكنيست لم يكونا أكثر من محاولة لإغراء عباس بها، ولدحره عن الثوابت الفلسطينية، والتعرف على مدى جديته في موضوع المصالحة وما إذا كان مستعدا للعودة إلى التسوية من جديد.. وأقول:
المشكلة بالنسبة لنا هي أن رئيس السلطة ومستشاريه العشرة أو المائة لم يسألوا الشعب الفلسطيني عن رأيه في المبادرة الفرنسية لا من خلال المجلس التشريعي ولا من خلال هيئاته ومستقليه ولا حتى من خلال حلفاء السلطة من الفصائل اليسارية.. والمشكلة أن رئيس السلطة تسرع في الرد ولم يحترم مرجعية لجنة المتابعة العربية التي طالما عزا تراجعاته ومواقفه – المرفوضة فلسطينيا – لها، ولم يحترم اللجنة القيادية العليا المشكلة من الأمناء العامين للفصائل على أساس اتفاق المصالحة.. لسنا هنا نتحدث عن شكليات ولكن عن رئيس وعن سلطة تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول وتنفي اليوم ما تعهدت به الأمس والتجربة تقول إنها ستنفي غدا ما تتعهد به اليوم!!
يبدو أن رئيس السلطة ومستشاريه ومنظمته لم يلفتهم من كل المبادرة الفرنسية إلا فكرة المؤتمر الدولي، التي أغفلتهم عن كل التنازلات وعما انقلبت عليه من أسس ومرجعيات كانت لا تزال مكسبا من عملية التسوية في حد من الحدود، بالفعل لقد عرفت فرنسا كيف تخرج فكرة المؤتمر الدولي في الوقت المناسب ولغاية محددة ووقتية!! لكن الرئيس ومستشاريه ومنظمته لم يفطنوا – وربما فطنوا – إلى أن المبادرة أهملت قضية المهجرين والمبعدين الفلسطينيين، وأنها لم تشر إلى القدس كعاصمة لا للدولة الفلسطينية ولا حتى للدولتين كما هو متداول سياسيا.. في المقابل أشارت إلى قيام دولتين لشعبين في تناغم واضح مع شروط نتنياهو وبالذات شرط الاعتراف بالدولة اليهودية! وتحدثت عن تبادل أراضٍ متفق عليه بين الطرفين ما يعتبر قبولا بضم المستوطنات ومحيطها الأمني وطرقها الالتفافية وما يعتبر مؤامرة على الفلسطينيين المعروفين بعرب الـ48.. المبادرة تناولت أيضا ذات الترتيبات الأمنية لدولة العدو التي حددها نتنياهو بوجود عسكري " إسرائيلي " في غور الأردن وفي مرتفعات الضفة وتقطيعها – أي الضفة - بين حواجز عسكرية وأن تكون الدولة الفلسطينية القادمة منزوعة السلاح..
السؤال هنا: بماذا تختلف هذه المبادرة التي تسمى " فرنسية " – من قبيل توزيع الأدوار! – عما جاء في خطاب أوباما ثم نتنياهو أمام الآيباك والكونجريس والذي أدانته السلطة واعتبرته إعلانا لموت التسوية وانقلابا على كل أسسها؟ ولماذا لا يفهمون مغزى توقيت المبادرة (بعد المصالحة الفلسطينية، وفيما بين ذكرى النكبة وذكرى النكسة، وقبيل استحقاق سبتمبر والأمم المتحدة)؟ أم أن السلطة لا تزال تقيم على ما عهدناها , حيث تقول ما يرضي الناس وتفعل ما تريده هي أو ما يملى عليها إملاءً؟ وحيث إنها لا تزال غارقة في إدمان وغرام التسوية ومسالكها؟ وإنها على ذات العقلية , حيث تعتبر كل بادرة أو مبادرة وبصرف النظر عن حقيقتها وغايتها ومضمونها فرصة لا يجوز تفويتها وهامشا لمعالجة البطالة السياسية التي تعانيها؟ وحيث لا تزال تتجاهل حصيلة الفشل كل سنوات التفاوض والتنازل والتطبيع والمجاملات العشرين الماضية التي لم تتمخض إلا عن المزيد من تبديد وتشتيت الثوابت الفلسطينية؟
السلطة وإذ تقبل بالمبادرة الفرنسية تتناسى ما لطالما تحدثت عنه وزعمته من الإصرار على تغيير المنطلقات وتثبيت المرجعيات وتأكيد الالتزامات وكل الإنشاء الاستهلاكي الذي كانت تردده وتستثمر فيه.. وهي لا تراعي أن المصالحة الفلسطينية تقتضي في أبسط مستوجباتها أن تشارك القوى الفلسطينية في صنع القرار السياسي، وأن تبادر لرفع سقوفها استثمارا وتقاسما للمجد معها ولو من باب التناسب الذي يثبت قاعدة الارتكاز الأساسية للمصالحة إن لم يكن عن قناعة والتزام.. القضية ليست مجرد مجاملة أدبية - كما قلنا - ولكنها التزامات وبنود اتفاقات التزمت بها السلطة..
ثم وبلسان المواطن العادي نتساءل: أين التأثر بالثورات العربية والتناغم مع امتداداتها في ذهن السلطة؟ وأين دماء شهداء العودة الذين سقطوا يوم النكبة ويوم النكسة على حدود الوطن؟ وأين الذين سيسقطون في قادم الأيام مع كل مناسبة وطنية وما أكثرها من مناسبات سينتقل فيها الفعل الفلسطيني والعربي من الاحتفال والتهريج إلى التضحية وهز حدود الكيان!؟ وأين أثر ذلك وتداعياته على طريقة وحدود المقبول والمرفوض فلسطينيا؟ وإذا كان عباس يستنكف عن استشارة أو مشاركة المعارضة والمقاومة ويخشى أن تضع له العراقيل أو تشاركه التمثيل ؛ فأين تصريحاته بأنه سيعود إلى العرب وإلى لجنة متابعتهم – التي توافقه على الكثير ولا تنافسه في القليل؟ وأين القيادة الفلسطينية التي يفترض أن تتشكل من الأمناء العامين للفصائل والتنظيمات الفلسطينية والتي يفترض أن تباشر مهامها بعد المصالحة؟ وأين أين؟!!
آخر القول وبصراحة: لقد أثبتت موافقة السلطة على المبادرة الفرنسية ودون استشارة الشعب الفلسطيني أو الفصائل أن التسوية بالنسبة لها ومهما نقلت فؤادها حولها ستبقى الخيار الاستراتيجي الذي لا تعرف عنه محيصا والحب الأول الذي كلما ذكر اسمه أو خطرت ذكرياته اهتز كل كيانها وسقطت كل تمنعاتها! هذه هي السلطة وهذه حالها.. فعلى القيادة الفلسطينية الجديدة المشكلة على أساس المصالحة أن تستخدم صلاحياتها وأن تقف بوجه هذا الإنتاج المستأنف والمسف للعجز واللهاث الدائم وراء التسوية.. لكننا وفي كل الأحوال لن نقول فلتذهب المصالحة إلى سواء الجحيم.. لسبب بسيط هو أن الغاية من كل هذا العبث أن نقول ذلك..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4299
| 23 سبتمبر 2026