رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد يعجب الكثيرون من تناول موضوع العدل الذي يجب توفره في الحاكم إذ بات مؤكدا أن معظم حكامنا العرب والمسلمين ليسوا بعادلين , ولكننا نريد بعد حديثنا الأسبوع الماضي عن العدل أن نثبت ضلال وانحراف الذين يصرون على تأليه الحاكم الجائر ويسبحون بحمده ويدافعون عن تصرفاته سواء كانوا ممن يؤيدونه حقيقة أو كانوا من المنتفعين – و ما أكثرهم – والدليل: أنهم بمجرد زواله هربا أو سجنا أو قتلا يقفون ضده ويحاولون التبرير – وهكذا شأن هؤلاء وأضرابهم من الذين يميلون حسب الموجة دون تجرد ودون إيمان عميق بحب الله وحب الوطن فتضيع الحقائق مبدئيا وللأسف, وقد بين رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه أحمد في المسند 5/194 والمزي في تهذيب الكمال 4/ 287 عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – في قول النبي – صلى الله عليه وسلم : "حبك الشيء يعمي ويصم" أي يجعلك أعمى البصيرة والبصر ويغلق أذنيك عن سمع الاستجابة وتصبح من المكابرين, والحديث وإن كان في سنده ضعف إلا أنه صحيح المتن, نقول هذا ونحن نسأل اولئك وغيرهم: هل وجدتم في موقف اللانظام السوري بقيادة الأسد الأب والابن خصوصا غير الظلم بالسجن والقتل و التصفية لكل معارض أنى كان اتجاهه سيما الإسلاميين؟ , وهل وجدتم غير تدمير البلاد من أجل المحافظة على الكرسي الذي نصبه عليه الصهاينة و الأمريكان والروس و الفرس الايرانيون من أجل نصر الطائفية ليس إلا؟, وإذا لم يكن كذلك فكيف يدوم الاتفاق مع هؤلاء لمصلحة اسرائيل التي أعلن مسؤولوها السياسيون هذا الأسبوع تصريحهم بعد المائة أنهم لا يهتمون بالسلام في سوريا بقدرما يهتمون بمصالحهم, هذه المصالح التي لن تتأكد إلا بوجود السفاح الأسد والمحور الداعم له بإبقائه لأنه يقوم بتوفية حقوقهم كاملة وزيادة - ثم ينشبون بالاتفاق فيما بينهم كل أربعة أو خمسة أشهر- سيناريو جديدا أن اسرائيل تضرب سوريا أو حزب الله أو تهدد إيران لذر الرماد في العيون وإعطاء الطابور الخامس دليلا على أن زعماءهم هم مع الممانعة والمقاومة ضد العدو وينسون ويتناسون أن ذلك لم يتم إلا ضد الشعب الأعزل تماما, ولقد بان لكل ذي عينين وبصيرة أن الذين يمدون السفاح الأسد بالمال والرجال والتأييد في المحافل الدولية إنما هم طائفيون مقيتون ويعززون هذه الطائفية قولا في فضائياتهم وعملا في إعانة الطائفيين مثلهم وحالا كما هو مشاهد للجميع, وإلا فقل لي بربك لماذا كل هذا الدفاع عن الديكتاتور لو لم يكونوا مثله بكل طائفية سيما أن أمريكا قد ظهرت أحابيلها وسقطت عنها ورقة التوت وهو ما كنا نحذر منه دوما – أنها مع اللانظام و إلا فكيف يُقصف الحلبيون المدنيون في أسواقهم ويقتلون بالمئات في يوم واحد ولا أحد يعلق من قبل هؤلاء المتناقضين الباطنيين الذين توحدوا مع الايرانيين حيث تقوم مصالحهم في المنطقة مجلس الأمن , الأمم المتحدة , أمريكا , التي لا ترى طائراتها ما يحدث ولا أوباما الذي تشدق بان الأسد فقد شرعيته . و لنتذكر موقف عمار الحكيم مع بوش الابن في أمريكا وهو يقول له: نحن الشيعة رهن إشارتكم و سنبقى كذلك فمُروا ما تشاؤون! وإن الواقع لهو أكبر دليل على ذلك هذه الأيام , وكذلك هل حسب ما يسمى حزب الله و المليشيات العراقية الشيعية و أجناد " قاسم سليماني" وكتائب الكرار وحيدر والجنود الأفغان والباكستانيين الشيعة وغيرهم من جملة الإرهابيين ؟!, بينما غيرهم لا يوسمون إلا بالإرهاب؟ إنها للعبة مكشوفة ستكون نتيجتها نهضة الأمم التي غدت بعيدة عن النهوض إلا أن تسيل دماؤها, وهكذا نجد السيناريو يتكرر في مصر خدمة لإسرائيل آمرة الشيعة, و كذلك اليمن للتغلغل داخل المجتمعات السنية العربية ومن ثم الوصول إلى البلاد الإسلامية غير العربية كذلك, لكن من توفيق الله أن جاءت عاصفة الحزم لتبين فضائحهم وزيف خداعهم , وليبقى الجهاد راية مرفوعة ضد هذه السموم السرطانية التي لاتقبل الحوار أبدا, ولا ترى مصلحتها إلا في القتل و الانتهاك ضد النساء والشيوخ والأطفال والرجال من أهل السنة في العراق وسوريا واليمن و مصر رضاء للأستاذة الكبيرة الصهيونية التي جعلت أمريكا وروسيا ألعوبتين بأيديها دون شك. إن هؤلاء الذين لايرف لهم جفن ولا يرق لهم قلب وهم يقتلون الأطفال حيث ننتشلهم من تحت الأنقاض جراء البراميل المتفجرة والكيماوي ليسوا ببشرعلى الإطلاق . و لكن يجب أن لا ننسى ما جاء في المثل : عديم ووقع في سلة التين ! وكيف يتركون الحكم وهم في التاريخ الطويل لم يذوقوا طعمه البتة!, إذاً فلابد من أن يبقوا أمناء لأسيادهم يطأون العدل بأقدامهم ويدفنونه بمعاولهم كمعظم الأقليات وهكذا فإنهم ليسوا مع القسم الأول من العدالة منذ ظهروا- ألا وهي العدالة التوزيعية التي تبين أن الحاكم ليس له أي ملك في خزينة الدولة بل هو مستأجر عليها, ولم يهتموا أبدا بماورد عن علي رضي الله عنه - كما في مسنده عن الإمام أحمد في مسنده رقم 667 : أنه لما مرت إبل الصدقة برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أنا بأحقَّ بهذه الوَبَرة من رجل من المسلمين " فالحاكم العادل لا يختص أهل بيته و أقاربه – كما هو حال الأسد سابقا ولاحقا بل غيره بذلك ...! وقد أورد الماوردي في كتابه : الأحكام السلطانية ص 41 :أن من واجبات الحاكم " أن لا يمالئ من ناسبه أو وافقه مذهبه على من بايَنَه في نسب أو خالفه في رأي أو مذهب كما أورد "ابن مسكويه" في "تهذيب الأخلاق وتطهيرالأعراق": أن من صفات الحاكم العادل أنه "لا يعطي ذاته من الخيرات أكثر مما يعطي غيره" ولذلك فإن الاسلام هو الذي أعطى الحقوق وأقام الواجبات بين الحاكم والعمال والموظفين, وكم لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاكم والعامل المرتشي فقال – كما في صحيح مسلم برقم 27-1832 " لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الراشي و المرتشي " وقد حاولت بلقيس الملكة أن تدرس شخصية النبي سليمان – عليه السلام – هل يميل إلى الدنيا أم أنه صاحب مبدأ ! ولا فرق في الرشوة بين تسميتها هدية أو رشوة ولذا ذكر ابن مفلح في كتابه المبدع في شرح المقنع 10/40 : أن الهدية تفقأ عين الحاكم ... لأنها بنية الشر لا الخير.
وقال الأستاذ محمد زكريا النداف في كتابه : الأخلاق السياسية : ص: 225 :إن النبي – صلى الله عليه وسلم كان يتقاسم مع الصحابة النعمة مهما قلّت ليشاركهم في النوائب والمحن و لايدير ظهره لأصحابه ولو غطى التراب بطنه الشريف. وأما العدالة القانونية التي هي العدالة الجزائية في القسم الثاني فهي إنما تعني أن الناس سواسية أمام القانون لما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم وقد خرجه ابن ماجه برقم 2426 " لا قُدّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير مُتَعتَع" دون أن يصيبه قلق. فأين القضاء النزيه في سوريا الطائفية والبعثية منذ عام 1963 إذ الناس يقتلون و يموتون تحت التعذيب دون قضاءأصلا بل بمجازر وقصف لا نظير له في الأوسع الأغلب, وهذه هي مصر السيسي كذلك التي لم تجد في عهده أي نزاهة في القضاء بل وزعت الظلم فيه على الكبير و الصغير من الرجال و النساء وحتى الرئيس الشرعي المنتخب د. محمد مرسي إلى حد الإعدام !! إنه الاستعمار الجديد الذي أبقى أمثال هؤلاء لقاء الغض عن سرقاتهم المليارية وقتل الشعوب بمئات الآلاف .إن الإسلام العظيم قد علمنا أن إعفاء الأشراف من العقوبة هو الذي يجعلهم يتمادون في ظلمهم لأن من أَمِن العقوبة أساء الأدب كما هو معروف في الحديث الصحيح عن البخاري برقم 3288 : "كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد, وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها "!! ولعل كل ما يرد قانونا ويواكب نظرة الإسلام يدل على أن الصراع بين الحق و الباطل باق ودائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وكذلك فإن الجهاد ماض إلى قيام الساعة أو يوم القيامة) كما في مجمع الزوائد 7/597 عن النبي صلى الله عليه وسلم.ولا شك أن مناجزة العدوالقريب المنافق أولى من العدو البعيد! وهكذا يكتب التاريخ سجلاته - كما قال الطرطوشي في سراج الملوك - 1/220 : "إن الذي يُخلَد به ذكر الملوك على غابر الدهور عدل واضح أو جور فاضح هذا يوجب له الرحمة وهذا يوجب عليه اللعنة " فهل يعي الطائفيون في سوريا و لبنان و العراق واليمن وغيرها أن تاريخهم أسود وسيبقى كذلك وستلعنهم الأجيال إلى يوم الدين.لأنهم ظالمون ولا يملكون قدر ذرة من العدل في الحياة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
12117
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
2904
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
1905
| 02 أبريل 2026