رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ، تلك التي استضافتها قطر في 2022 وأبهرت بها العالم.
إرث 2022 ممتد لـ 2026
لم تكتف قطر بصناعة نسخة استثنائية من كأس العالم، بشهادة الفيفا والجماهير واللاعبين ووسائل الإعلام العالمية، بل تجاوزت احترافية صناعة مونديال تاريخي، جمع بين كرم الضيافة العربية، والدقة والتنظيم والإبهار، لتقدم خبراتها للدول الصديقة في التنظيم.
وإذا كانت الجماهير، من مختلف أنحاء العالم، تفتخر بمشاهدة منتخباتها في تلك التظاهرة العالمية، فإن القطريين يزدادون فخراً، بتمثيل الأدعم، إضافة لمشاركة اللجنة الأمنية والخبرات الوطنية القطرية من اللجنة العليا للمشاريع والإرث، بعد استعانة الفيفا والدول الصديقة بها، في تنظيم فعاليات البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا.
تنظيم "ماركة" قطر
لقد حفرت قطر اسمها "كماركة" مسجلة، في عالم تنظيم الفعاليات العالمية الكبرى، وبخاصة الفعاليات الرياضية، بعد مونديال 2022، الذي لم يواجه مشكلة تنظيمية واحدة، أو شكوى جماهيرية تذكر، فكان المونديال الاستثنائي، الأكثر إبداعاً والأكثر أمناً وأماناً، حتى إن رئيس الفيفا تمنى أن تنظم قطر المونديال لعشر سنوات قادمة، وهو تصريح يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هناك تنظيماً من "ماركة" قطر، يهيئ للاعبين والجماهير أفضل الأجواء للإبداع والإمتاع، ويثبت كذلك أن هناك تنظيماً آخر، ينقصه- دائماً- الخبرة القطرية، وكانت هذه الخبرة حاضرة لتساعد في تنظيم الفعاليات الرياضية العالمية التي استضافتها فرنسا وإيطاليا، وستستمر- بإذن الله تعالى- في مونديال 2026.
مكانة دولية برؤية أميرية
ولدى لقائه مع القوة الأمنية المشاركة في تأمين كأس العالم 2026، أكد سعادة الشيخ خليفة بن حمد بن خليفة آل ثاني، وزير الداخلية وقائد قوة الأمن الداخلي (لخويا)، رئيس اللجنة الأمنية أن الكفاءة الأمنية لدولة قطر بفضل رؤية سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، موضع تقدير دولي واسع، كما أكد سعادته أن هذه القوة ستقدم نموذجاً يعزز مكانة قطر الرائدة في تأمين البطولات الكبرى.
دعم في الملعب والمدرج
وليس بمعزل عن الجهود الأمنية والتنظيمية، جهود الاتحاد القطري لكرة القدم لدعم الجهاز الفني والمنتخب لتمثيل قطر في مونديال 2026، بعقد اتفاقية تمويل مع صندوق دعم الأنشطة الاجتماعية والرياضية (دعم) لدعم برنامج بعثة المشجعين القطريين في كأس العالم 2026، في خطوة تعكس الاهتمام بوجود الجماهير القطرية خلف الأدعم في المونديال.
خبرة تعكس القيم القطرية
ولا يخفى على الكثيرين أن مد يد المساعدة للدول الصديقة بالخبرات القطرية، جزء من شيم القيادة والشعب القطري الأصيل، الذي يميل لمساندة الغير، ويمكن لمن يعيش على هذه الأرض الطيبة، وكذلك من يتابع جهود دولة قطر الدبلوماسية والسياسية في إحلال السلام في العالم، أن يلمس بنفسه هذا الشعور وتلك القيم.
نبض الوطن
شهادات الصحفيات والمشجعات في كأس العالم 2022، وإحساسهن بالأمن والأمان، لأول مرة منذ تنظيم البطولة، والتي سمعتها بنفسي إضافة لشهادات الفيفا واللاعبين والمدربين ووسائل الإعلام يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النسخة الاستثنائية 2022 من الصعب تكرارها، غير أن الجميع في قطر يتمنى النجاح للدول الصديقة في تنظيم نسخة ناجحة في 2026، وكما عودنا منتخبنا وعودتنا خبراتنا الأمنية والتنظيمية القطرية على التمثيل المشرف للدولة، نتمنى لهم المزيد من التوفيق في هذه المهمة الدولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5856
| 25 أغسطس 2026
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
5139
| 01 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
3969
| 30 أغسطس 2026