رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تحدث الدكتور محمد مرسي الرئيس الجديد للمحروسة في أول خطاب له بعد تنصيبه عن الدوائر الثلاث للسياسة الخارجية المصرية وهي العربية والإسلامية والإفريقية مضيفا إليها الدائرة الدولية أعادني على الفور إلى المنهجية التي حكمت حركة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في هذا السياق وهو ما كان موضع ارتياح شعبي وترحيب من أغلب النخب الوطنية وإن كانت هناك جيوب تتبنى منظور التشكيك على الدوام وفي الوقت نفسه تواصل العزف على وتر التخويف من جماعة الإخوان المسلمين وقياداتها خاصة بعد أن وصل أحدهم إلى أعلى موقع رفيع المقام في الوطن
لكن ما فاجأني به مرسي هو أن تكون الرياض هي أول عاصمة عربية وغير عربية يقوم بزيارتها بعد حوالي أسبوعين من توليه السلطة هي الزيارة التي ستتم بعد غد الأربعاء.
شخصيا اعتبرت الخطوة واعدة بالأسلوب الذي سينتهجه الرئيس المصري الجديد في تعامله مع الدائرة العربية التي تشكل أهم دوائر السياسة الخارجية لمصر لاعتبارات تتعلق بعوامل جيوسياسية وتاريخية ودينية فضلا عن التداخل البشري بين مصر وشقيقاتها العربيات ويمكنني القول إن ثمة رسائل مهمة للغاية تبعث بها هذه الزيارة.
أولا: للداخل المصري الذي راهن البعض فيه على أن وصول رئيس إخواني للسلطة سيجعل من الصعوبة بمكان التواصل مع الدائرة العربية التي يراها نفر من هؤلاء تتخاصم مع المنظور الإسلامي الذي تعلي من قيمته جماعة الإخوان المسلمين على حساب البعد القومي والبعد الوطني ولكن مرسي بهذه الزيارة يؤكد انحيازه لمصالح مصر التي تتقاطع مع مصالح الأمة العربية والتي تشكل في الأساس الجدار الصلب للأمة الإسلامية.
ثانيا: تشكل الزيارة رسالة اطمئنان لدول مجلس التعاون الخليجي والتي حاول البعض أن يثير مخاوفها من وصول قيادي إخواني إلى رأس السلطة في مصر بحسبانه سيكون قاعدة ارتكاز للسياسة الإيرانية في المنطقة على حساب علاقاته معها مشيرين في ذلك إلى تصريحات عن قرب عودة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وطهران بحكم التوافق في المنظور السياسي للجماعة وإيران في كثير من القضايا الإقليمية غير أن هؤلاء تناسوا عن عمد أن مصر لها ثوابتها القومية والوطنية التي لا يمكن أن تتخلى عنها مهما كانت طبيعة الحاكم ونوعيته وتوجهاته حتى مبارك بالرغم من ارتباطه العميق بالتحالف الصهيوأمريكي على نحو مخيف للدرجة التي وصفه عنده قادة الكيان بالكنز الإسرائيلي لم يكن بمقدوره أن يتخلى عن هذه الثوابت وإن كان أداؤه فيها هشا وضعيفا.
وأظن أن ما استمع إليه السفير السعودي بالقاهرة من الرئيس مرسي خلال لقائه به أمس الأول السبت حول أن أمن الخليج يمثل بالنسبة لمصر خطا أحمر وهو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي يشكل ردا واضحا على أصحاب الرؤية المشككة في سياسات الرئيس الجديد.
وما أستطيع تأكيده بحكم مناقشات أجريتها مع رموز مهمة في الدوائر الدبلوماسية المصرية هو أن إعادة العلاقات مع طهران لن تكون خصما من رصيدها الخليجي على أي وجه من الوجوه فمنطقة الخليج بشعوبها ودولها وخصائصها الإستراتيجية لا يمكن التضحية بها خاصة أن هناك أكثر ما يزيد على ثلاثة ملايين عامل مصري في المنطقة من بينها مليون و650ألف عامل في المملكة العربية السعودية فحسب.
بالإضافة إلى ذلك فإن ثمة مصالح مشتركة ومنافع متبادلة على الصعيدين الاقتصادي والاستثماري والتجاري بين مصر ودول مجلس التعاون فمصر في حاجة إلى استثمارات من هذه الدول الصديقة وهي بدورها في حاجة إلى الخبرة المصرية التي تقدمها شركات متخصصة وعناصر نادرة.
وقد سألت السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة العربية في هذا السياق عما إذا كان يعتبر زيارة مرسي للرياض ردا على بعض التقارير التي أشارت إلى وجود قلق خليجي من وصول شخصية تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين إلى رأس السلطة في مصر فأعرب في لقاء خاص معه عن قناعته بأن دول الخليج لم تبد أي قلق من اختيار الشعب المصري لرئيسه فهو صاحب الحق الأصيل في هذا الاختيار مشيرا إلى أن المملكة العربية السعودية والجامعة العربية تتعامل وفق القاعدة الذهبية التي تقوم على أن من يختاره الشعب هو الشرعي وهو الذي يجب التعامل معه بكل قوة وصفاء مؤكدا أن الرئيس مرسي هو لكل المصريين وليس رئيسا لحزب أو فئة أو تيار وهو يعلم تماما مكانة مصر وموقعها في أمتها وفي العالم وعلى هذا الأساس سيتصرف والشعب المصري خلفه لبناء نهضة مصر وقوتها وتقدمها.
ثالثا: تؤكد الزيارة أن ثمة حاجة قوية لاستعادة التنسيق المصري السعودي في هذه المرحلة بالذات التي تواجه فيها المنطقة العربية تحولات نوعية وتكابد بعض المشكلات تستوجب التوافق على محددات الاستقرار الإقليمي المطلوب بإلحاح خاصة أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية الطامعة باتت ترى أن المنطقة العربية بلغت حالة يمكن توصيفها عندها بالرجل المريض وهي تقول لهذه الإطراف إنه بالرغم مما يبدو من حالات اضطراب وفوضى في بعض الدول فإنه ليس بمقدورها أن تنال من أمنها ومقدساتها ومقومات قوتها.
رابعا: الزيارة – والكلام للسفير محمد صبيح - تنطوي على أهمية خاصة ودلالة خاصة في هذا التوقيت لأنها بوضوح تمثل ردا قويا على هؤلاء الذين يعتقدون أن الأمة العربية أصبحت خارج دائرة الفعل وأن كل دولة عربية مشغولة بقضاياها الداخلية فضلا عن الحديث المتكرر عن الثغرات في العلاقات العربية العربية, وحسب رؤيته فإنها ستؤسس في هذه المرحلة لتعاون جديد بين البلدين يقوم على المصالح العليا لشعبيهما وللأمة العربية وبشكل شفاف وهادف ورصين ومتوازن وذلك باعتبار أن مصر دولة مركزية في المنطقة من حيث موقعها وتراكم حضارتها وما تمتلكه من مصادر قوة والمملكة التي تعد ركنا أساسيا في العمل العربي المشترك وفي السياسة الإقليمية والدولية.
كما أنها ستفتح بدون شك صفحة جديدة في المنطقة العربية وستشكل جسما صلبا في الجدار العربي أمام الواهمين والطامعين في الأمة خاصة الذين يحتلون أجزاء من أراضينا ويعتدون على مقدساتنا في فلسطين, فضلا عن ذلك فإنها ستصب باتجاه تعزيز التعاون المصري السعودي في المجالات المختلفة خاصة على صعيد الاقتصاد وعلى صعيد التفاهمات الأمنية خاصة في ظل قيام دول عديدة محيطة بالأمة على التسلح بأحدث الأسلحة وبكميات ضخمة للغاية موضحا أن هذه الزيارة بداية لطريق طويل معبد بالعلاقات التاريخية والمصالح الوطنية ومتطلبات الأمن القومي العربي وتعطي للمواطن العربي ثقة عالية بأن الأمة قادرة على حشد جهودها لمواجهة استحقاقات المرحلة.
السطر الأخير:
حاولت استعادتك إلى خيمتي البدوية
كابدت الرحيل إلى الصحاري وسواحل البلاد
تجرأت على سطوة الشمس
فتحت سبلا كانت مغلقة
مددت عيني لآفاق بعيدة
رحت في سبات عميق
أوجعني البعاد
غابت عني القصائد
سافرت المواويل
فأنت سرها وكينونتها
لك العشق
ولي السلامة
لك الفضاءات تترقب طلوعك
ولي الممالك تنتظر تاجك الذهبي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026