رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الأيام القليلة الماضية عقدت ثلاثة مؤتمرات للنظر في شأن ما سموه الأزمة السورية مع أنها انتقلت حقيقة من أزمة إلى قضية ومأساة بكل المقاييس وأن ما يصب على الشعب المجاهد المصابر من جنود وشبيحة جهنم بات غير مبرر أبدا إنسانيا وشرعيا وقانونيا وأن ضمير المجتمع الدولي قد سقط سقوطا مريعا في امتحان الشعب السوري الذي كشف الأقنعة المزيفة لنظريات التقدم المبهر وعرى مبادئ حقوق الإنسان من مضامينها وأبان بأنها مجرد لافتات تقتل بشعاراتها كل مظلوم وتطيل أمد حل أي مشكلة وقضية بل تزيد في تفاقمها وما مثال فلسطين وكشمير وغيرهما عنا ببعيد، ورغم انعقاد الكثير والكثير من المؤتمرات لمعالجة المسألة السورية وثورة الشعب المباركة فإن النتائج التي يتوخى الوصول إليها لم تتحقق ولو في حدها الأدنى لصالح هذا الشعب المظلوم الذي ضحى ويضحي بكل غال ونفيس طلبا للحرية والكرامة، وأن كل ما اتخذ من توصيات وقرارات من قبل الجامعة العربية ومجلس الأمن والأمم المتحدة ومجموعة أصدقاء شعب سورية كان ذراً للرماد في العيون، ولم يكن فيه أي إلزام لعصابة الأسد الفاشية بالتنفيذ ومتابعة فعل ذلك وإلا! ولهذا لم نجد أي التزام من قبل اللانظام السوري بالاستجابة لتلك المطالب حتى بنود المبعوث الدولي كوفي عنان بنقاطها الست بل لم يتحقق حتى الأمر الأول منها وهو إيقاف العنف المسلح ضد الشعب والمدنيين حتى بلغ حصاد القمع منذ إطلاق مبادرة عنان حوالي ستة آلاف قتيل على ما أعلنه المرصد السوري لحقوق الإنسان في اتصال مديره رامي عبدالرحمن مع فرانس برس، وهكذا رأينا ونرى كيف أعطت هذه المؤتمرات بشكل مباشر أو لا مباشر بتخاذل أو تهاون أو تآمر ديكتاتور دمشق الأطغى مهلا وفرصا متكررة للمزيد من القتل وارتكاب أشنع الفظائع ثم مازالت المؤتمرات تترى فجاءنا مؤتمر جنيف الرسمي القانوني الذي ضم الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن كمحطة تدريب أخرى على حساب دماء الشعب المصابر بين معسكرين في حلبة الصراع للتعبير عن ذات كل منهما ففي حين نرى أن المعسكر الغربي وعلى رأسه أمريكا يبيعوننا كلاما معسولا وأفعالا لم تؤثر على طغاة دمشق كالعقوبات التي فرضت وتفرض ويسيرون حسب نظام الصفقات والمصالح ويقفون مع الشعب السوري على مبدأ التمني لا التبني بوقائع تفرض على الأرض من محاسبة الجلاد والموافقة على نبض الشارع بإقامة مناطق آمنة وحظر جوي والمد بالمال والسلاح كما فعلوا مع دول أخرى، فإننا نجد في الطرف المقابل روسيا والصين ومعهما إيران وذيولها تستقوي بمجازر العصابة الأسدية وتراهن على بقائها، وبالتالي الحفاظ على مصالحها مراعية أكثر المراعاة وبعناية – كما هو الموقف الغربي في الباطن – أمن إسرائيل التي لا ترغب حقيقة في زوال نظام لم يقاتلها أبدا بل حقق لها عوامل التوسع في المستوطنات وجعل استقرارها من استقراره واللوبي الصهيوني خاصة في روسيا لا يفتأ يعمل للدفع في هذا الاتجاه كما هو في أمريكا تماما، ولا أبالغ إذا قلت: إن إسرائيل لو رفعت الغطاء حقا عن دمشق لتغيرت المعادلة لكنها تخشى من أي بديل عن الأسد إسلاميا كان أو علمانيا أو مستقلا.
ولا شك أن مؤتمر جنيف بما جاء به من أفكار ليس لها أي ضمانات قد قفز على دماء الشعب وساوم عليها، فإن الطرح الذي اقترح الشروع في مرحلة انتقالية تملك الصلاحيات التنفيذية كاملة مع إغفال من يتابعها ويضمن تحقيق ذلك إذ في ظل وجود طغمة من نظام وحشي بأجهزته الأمنية السبعة عشر وجنرالات الجيش الخونة الذين يسلطون آلة القمع على الجماهير وعدم معرفة بقاء بشار الأسد على رأس هذه الإدارة الانتقالية أولا! كيف سيتم تطبيق وسلامة هذه الخطة؟
إذ أنه بينما أكد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أن النص الذي اتفقت عليه الدول الأعضاء في مجلس الأمن حول عملية التحول السياسي يلمح إلى ضرورة تنحي الأسد، أصر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على أن البيان الختامي لا يشترط تخلي الأسد، ثم هاجم مؤتمر أصدقاء سورية الذي دعا إلى التنحي الحتمي للأسد أن مؤتمر جنيف حرف النص عن منطوقه ومفهومه وسياقه، أقول: طبعا لأن روسيا شريكة النظام في القتل وغير محايدة فكيف توافق على رحيل الطاغية ولديها بقية من أمل في بقائه؟ ثم إنها تؤازره بما في ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة متغافلاً تأثير هذه الحرب اللاقانونية ضد الشعب على السلم والأمن الإقليمي والدولي.
كما نسي لافروف أنه أقر بعظمة لسانه ولأول مرة في مؤتمر جنيف بكل صراحة: إننا لا نبرئ أعمال النظام السوري إنه يتحمل المسؤولية عن الوضع الأمني في البلاد وقد تأخر بإجراء الإصلاحات، فهذا هو النفاق بعينه وكذلك فإن إيران التي لم تدع إلى المؤتمر قالت على لسان نائب وزير خارجيتها حسين أمير إن اجتماع جنيف لم يكن ناجحا نظرا لغياب الحكومة السورية وغيابها مشاركا الموقف الروسي والصيني ومعبرا عن عدم حيادية إيران بل وقوفها مع الأسد فقط لأنه "علوي" ضد الشعب السني المظلوم وهكذا كان مؤتمر جنيف غامضا وغير مرض ولا كاف كما رأى وزير الخارجية الألماني جويدو فيستر فيليه وقال وزير الدولة السابق في وزارة الخارجية الألمانية جيرنوت ايرلر الذي يشغل اليوم ناطق كتلة الديمقراطيين الاشتراكيين إن الشعب السوري الذي انتفض منذ خمسة عشر شهرا لم يؤخذ رأيه بعين الاعتبار واستهزأت صحيفة برلينر تسايتونغ بكوفي عنان الذي دعا مع نبيل العربي لهذا المؤتمر قائلة: إن عنان متمسك بأهداب الأسد وكأن صلة قرابة تجمعهما دون عمل جدي لمعاناة السوريين من العنف كما أنه يجب ألا ننسى هذا الحل الرقيع بحكومة من الموالاة والمعارضة بعد كل هذه الشلالات من الدماء، وهل سيرضى الشعب لو ترك لحريته دون قمع حتى لو جرى استفتاء بالموافقة على استمرار هذه العصابة القاتلة؟
أما عن مؤتمر القاهرة الذي ضم المعارضة السورية بكثير من الممثلين عن الداخل والخارج وشخصيات أجنبية مرافقة فإننا نعتبر أن هذا المؤتمر الذي تم تأجيله عدة مرات ليرتب بعناية لإفشاله وإحكام المؤامرة بحسن نية من البعض وبسوئها من آخرين قد جاء أيضا في معظمه ضد تطلعات الشعب وكان مؤذيا ومحرجا ودالا على ضعف المسؤولية الذريع أن تخرج خلافات بعض أطياف المعارضة إلى العلن حتى تصل إلى حد التشابك بالأيدي وتدخل الأمن المصري لفض ذلك علما أننا لا نشك أن ثمة قسما مخلصا ووطنيا كبيرا ولكن مثل هؤلاء كأنه لا يراد لهم أن يكونوا في المشهد بخلاف المتاجرين والمتسلقين وبعض العملاء المنافقين للطغاة ومع ذلك فقد خرج المؤتمر ببيان توافقي بإيجابيات مقبولة نوعا ما يجب أن نعمل على تطويرها وتطويق الذين يضعون العصاة في العجلة والنصح بضرورة مواكبة نبض الشعب العربي والمسلم في سورية والذي خرج بجميع المظاهرات الاحتجاجية بشعارات إسلامية ووطنية ولا طائفية فأن لا تنص في الوثيقة حتى على أي أمر ديني ذي بال بل ينفي مباشرة على مبدأ فصل الدين عن الدولة فأين الانسجام مع الثوار الذين يتخذهم أرباب المصالح لهم قمصانا دون صدق وحق، وكذلك إعطاء الحق لمجلس الأمن والأمم المتحدة بالإشراف على تحديد مستقبل البلاد وغير ذلك مما بات معروفا بوثيقة العهد التي نتمنى مع ذلك أن يطبق معظمها ففيه فوائد بلا شك فالمهم العمل وليس الكلام فقط، أما عن مؤتمر أصدقاء سورية في باريس فمع كثرة الدول المشاركة فيه والتي أربت على المائة والخروج بإجماع على رحيل الأسد وهذا شيء إيجابي جدا ولكن المهم العمل الملزم على تنفيذه، وكما قال المعارض رياض سيف: إننا فخورون بصداقتكم لكن كيف لنا كل هؤلاء الأصدقاء ونقتل كل يوم؟ وجميل ما قاله وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم: لا نريد اجتماعات دون نتيجة ونستطيع العمل أكثر خارج مجلس الأمن أي تحت الفصل السابع إلا أنه للأسف ما خرج به المؤتمر هو المطابق للمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة حيث يكتفي فيه بالعقوبات دون استخدام القوة فهل يمكن الانتقال إلى المادة 42 التي تجيز استخدامها للضرورة ولحماية الشعب الذبيح أم تكون المؤتمرات والمواثيق فرصة لذبحنا أكثر ولكن لعل الجواب عند الشعب والشعب فقط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2565
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2340
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1104
| 18 أكتوبر 2026