رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد يوسف صالح حسان

ma_msalih@outlook.sa

مساحة إعلانية

مقالات

186

محمد يوسف صالح حسان

الابتسامة تصنع وطناً جميلاً

09 يوليو 2026 , 11:05م

يوم الأحد الموافق الثامن والعشرين من يونيو، وفي تمام الساعة العاشرة وست دقائق صباحاً، كنتُ جالساً خلف مكتبي حينما قادني الموقف للتساؤل: متى يدرك موظف الصفوف الأمامية أن واجهة الهيئة تبدأ من تقاسيم وجهه قبل كفاءة أنظمته الإلكترونية؟

وهذه الحادثة ليست سوى امتداد لنهج لطالما حرصتُ على التزامه في مختلف المناصب التي تشرفتُ بشغلها، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، نهجٌ أساسه بسط الوجه وبشاشة اللقاء، والتي لمستُ أثرها البالغ واستحسانها الكبير لدى كل مراجع.

في تلك الساعة من ذلك اليوم، أقبل عليّ رجل يرافقه ابنه لإنجاز معاملة ما، لم يكن بيننا سابق معرفة، ولا رابط سوى أمانة الوظيفة التي تشرفتُ بحملها. استقبلتهما بترحيب حار تعلوه ابتسامة صادقة، عكفتُ بعدها على تدقيق مستنداتهما وإكمال النواقص، ولم أكتفِ بذلك بل قمتُ من مكتبي ورافقتهما بنفسي إلى مكتب المسؤول لتسهيل خطوتهما الأخيرة. الرجل شكرني، فرجعت إلى مكتبي وظننتُ الأمر انتهى عند هذا الحد، لكنه فاجأني بعد انتهائه من معاملته بالعودة إليّ ليخصّني بالشكر مرة ثانية، سائلاً عن اسمي. حينما أجبته وعرف أنني لستُ مواطناً بل مقيمٌ ينتمي إلى جنسية عربية أخرى، بادرني بفيض من النبل قائلاً: "نحن كلنا إخوان"، ولم يغادر إلا بعد أن أصرّ إصراراً شديداً على أن أزوره في مجلسه. غادر الرجل وبقيتُ أتأمل تلك اللحظة، ما الذي دفع هذا المواطن الكريم ليفتح لي باب بيته ومجلسه؟ الإجابة ببساطة: لأنني تبسمتُ في وجهه، وأديتُ واجبي نحوه بإنصات وبشاشة.

هذا الموقف البسيط يفتح الباب واسعاً للتأمل في واقع مكاتبنا الخدمية، حيث يعود المرء منا بذاكرته إلى لحظات أخرى قادته فيها الحاجة لإنجاز معاملة، لكنه سرعان ما يصدَم بجدار نفسيّ غير مرئي بمجرد وقوفه أمام مكتب موظف آخر، عبوس في الوجه، ونبرة صوت جافة، وملامح توحي بأن المراجع ليس صاحب حق يُقضى، بل عبء ثقيل يتمنى الخلاص منه. إن غياب الابتسامة وبشاشة الوجه لدى بعض موظفي الصفوف الأمامية في القطاعات الخدمية سواء حكومي أو خاص، لم يعد مجرد سلوك عابر أو حرية شخصية، بل هو خلل مهني غاب فيه وعي الموظف بدوره الأساسي، فالابتسامة في وجه "أخيك المراجع" ليست نافلة من القول أو ترفاً سلوكياً، بل هي أولى خطوات جودة الخدمة، والمدخل الرئيسي لبناء جسر من الثقة والتعاون بين الهيئة والجمهور.

والحقيقة أن المراجعين يمرون بظروف شتى، فمنهم المريض، ومنهم المنهك، ومنهم من يجهل الإجراءات ويعيش قلق التعطيل والرفض، وعندما يواجه هذا المراجع وجهاً جهماً، يتضاعف لديه الشعور بالإحباط، وقد يتحول الموقف البسيط إلى مشادة كلامية واحتقان لا داعي له. وهنا نستحضر الهدي النبوي الشريف الذي جعل من البشاشة عبادة ترفع الدرجات، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ»، فالابتسامة هنا لا تقتصر على الأجر الديني فحسب، بل تمتد لتكون «عملة إنسانية نادرة» تذيب جليد الرسميات، وتبسط المعقد من الإجراءات، فهي رسالة صامتة ومباشرة تقول للمراجع: (أنا هنا لأجلك.. وأهلاً بك). فالابتسامة التي تمنحها لمراجع في الصباح، يأخذها معه إلى بيته، ويزرعها في وجوه أبنائه، وينقلها إلى زملائه في العمل. هكذا، وبفضل حسن استقبالك، تترك بصمة إيجابية في نفس المراجع تدوم طويلاً بعد مغادرته للمكتب.

ونحن إذ نطرح هذا الموضوع، لا نغفل جانب الموظف ولا نبخسه حقه، فنحن نعذره أحياناً لضغوط العمل المتواصلة، وتراكم الملفات، ومواجهة بعض المراجعين يومياً بشتى طباعهم وأمزجتهم، وهو أمر بلا شك يستنزف الطاقة النفسية، ولكن هنا تحديداً تظهر "أمانة الوظيفة" والاحترافية الحقيقية، فالتميز المهني يفرض على الموظف فصلاً تاماً بين همومه الشخصية أو ضغط العمل، وبين واجب الاستقبال اللائق. إن المراجع لا علاقة له بما يدور خلف الكواليس من تحديات إدارية، هو يرى في الموظف واجهة للهيئة بأكملها، والواجهة يجب أن تكون مشرقة دائماً، فالوظيفة أداء ورسالة وأخلاق قبل كل شيء.

وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

وتثبت التجارب الإدارية الحديثة أن الهيئات التي يظهر موظفوها مرونة وبشاشة في التعامل، تحقق معدلات رضا أعلى بكثير، وتنجز معاملاتها بسلاسة أكبر، لأن البشاشة تمتص غضب المراجع، وتجعله أكثر تفهماً للقوانين واللوائح حتى وإن لم تُنجز معاملته فوراً بسبب نقص في المستندات. إننا اليوم بحاجة ماسة إلى ترسيخ هذه الثقافة في مكاتبنا الخدمية، ليتذكر كل موظف يجلس خلف مكتبه، أن بشاشة وجهه قد تصنع يوماً جميلاً لشخص ضاقت به السبل، وأن الكلمة الطيبة والوجه الطلق هما أجمل ما يتركه المرء من أثر في نفوس الآخرين، وأصدق تعبير عن رقي المجتمع ونضجه الإنساني.

وهنا لا ننسى دور المسؤول أيضا الذي يجلس في موقع القرار: اجعل باب مكتبك مفتوحاً دائماً أمام المراجعين، ولا تضع بينك وبينهم عوائق أو حواجز تحول دون وصول شكواهم أو قضاء حوائجهم. استقبل المراجع مهما كان وضعه، ومهما بدا مظهره بسيطاً أو كان لحوحاً في طلب المساعدة، وحتى إن كان من أولئك الذين يتكرر ترددهم على مكتبك طلباً للمتابعة، فليكن استقبالك له في كل مرة بذات السعة، والبشاشة، والإنصات الصبور. إن ميزة المسؤول القدوة تكمن في قدرته على الحفاظ على ابتسامته وترحيبه مهما توالت الضغوط. فالمناصب تزول ولا يبقى منها في ذاكرة الناس والوطن إلا الأثر الطيب ونبل التعامل.

أخي الموظف، اجعل من الابتسامة وطناً جميلاً.

وأخي المسؤول، كن دائماً كالذهب الذي يدرك الناس قيمته.

اقرأ المزيد

رحلة تربوية نحو تعليم أكثر إبداعًا رحلة تربوية نحو تعليم أكثر إبداعًا

في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد

111

| 09 يوليو 2026

القيادة الرقمية.. الإنسان أهم من التكنولوجيا القيادة الرقمية.. الإنسان أهم من التكنولوجيا

في عصر يشهد تسارعًا غير مسبوق في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من طريقة عمل... اقرأ المزيد

183

| 09 يوليو 2026

ما نزرعه اليوم... نحصده في شخصية الغد ما نزرعه اليوم... نحصده في شخصية الغد

في ظل انشغال الوالدين بتوفير أفضل سبل الحياة لأبنائنا، قد نغفل عن أمرٍ بالغ الأهمية، وهو أن بناء... اقرأ المزيد

201

| 09 يوليو 2026

مساحة إعلانية