رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد يوسف صالح حسان

ma_msalih@outlook.sa

مساحة إعلانية

مقالات

126

محمد يوسف صالح حسان

قامة فنية صنعت مجد الهوية القطرية

25 يونيو 2026 , 10:42م

ماذا لو أن كل كاتب وصاحب قلم خصص جزءاً من وفائه ليكتب عن قامة فنية أو فكرية صنعت أثراً في وجدان الوطن؟

ماذا لو تحولت المقالات إلى شهادات إنصاف تحفظ سيرة المبدعين قبل أن تبتلعهم ذاكرة النسيان؟

إن الشخصيات العظيمة لا تموت ما دام هناك من يروي سيرتها ويستحضر أعمالها وإنجازاتها للأجيال، فالكلمة الصادقة قادرة على أن تمنح المبدع عمراً آخر لا ينتهي. ومن هذا المنطلق، أكتب اليوم عن قامة فنية ووطنية فذة، آمنت بأن الفن رسالة، وبأن الهوية أمانة، فاستحقت أن تبقى حاضرة في الذاكرة مهما طال بنا العمر، إنه الشاعر والفنان الكبير سنان عبدالرحمن المسلماني.

الفنان الحقيقي ليس مجرد صانع لوحات أو موثق للمشهد البصري، بل هو حافظ لذاكرة الأوطان ومؤرخ لوجدان الشعوب، يكتب بريشته ما قد تعجز عنه الكلمات. فإننا نقف أمام قامة فنية وإنسانية تجاوزت حدود التعبير الجمالي التقليدي، ليصبح رمزاً أصيلاً من رموز الهوية القطرية وواحداً من أولئك الذين جعلوا من الفن رسالة وطنية سامية، امتزجت فيها الأصالة بالشموخ، فاستحق أن يكون علامة فارقة في تاريخ الفن القطري المعاصر.

ولا يزال أثر اللقاء الأول به محفوراً في الذاكرة، حين بدأت رحلتي المهنية في “مجلة أخبار الأسبوع”، وهناك تشرفت بمعرفة هذه الشخصية الاستثنائية عن قرب، حيث كان يشغل منصب نائب رئيس تحرير المجلة، يقود العمل بحكمة المثقف وهدوء الفنان ورؤية الإداري المتمرس. أما أنا، فكنت آنذاك أعمل موظف استقبال وسكرتيراً للمجلة، إلى جانب عملي في الفترة الأخيرة كفني جمع تصويري مسؤول عن جمع نصوص المجلة. وفي تلك المرحلة، لم أتعلم منه الإدارة والعمل الصحفي فحسب، بل تعلمت معنى الالتزام، والدقة الفنية، والاحترام الحقيقي للكلمة والصورة. كان يؤمن بأن كل تفصيل يحمل رسالة، وأن العمل المهني لا يكتمل إلا بالإخلاص والتفاني.

وقد امتدت بصماته المضيئة لاحقاً عبر إصداراته الأدبية “ديوان مزن”، و”ديوان سحائب الروح”، و”استفاقات بجسد الروح”، إلى جانب توليه مواقع إدارية وفنية مهمة، منها نائب رئيس تحرير جريدة الوطن، حيث ساهم بفنه التشكيلي الراقي ورؤيته الإبداعية في إثراء المشهد الصحفي والثقافي في قطر، ليترك أثراً عميقاً في نفوس كل من عمل معه أو تتلمذ على يديه.

ولم تتوقف موهبته عند حدود الفن التشكيلي والعمل الصحفي، بل امتدت لتترك حضوراً لافتاً وبصمة مميزة في مجال التمثيل أيضاً، حيث شارك في العديد من الأعمال المسرحية والإذاعية والتلفزيونية الدرامية في السابق، إلى جانب مشاركاته الفاعلة في عدد من المهرجانات واللجان والاجتماعات المحلية والعربية المعنية بالمسرح والفنون. وقد استطاع من خلال أدائه الصادق وإحساسه العالي أن يجسد روح البيئة القطرية والهوية المحلية بكل عفويتها وأصالتها، مقدماً أعمالاً فنية حملت الكثير من الصدق والانتماء. وكان يؤمن بأن الرسالة الفنية لا ينبغي أن تُحصر في مجال واحد، بل تتجلى في كل عمل قادر على ملامسة وجدان الناس وحفظ ذاكرة المجتمع. ومن خلال تنوع عطائه الفني، أثبت أن الفنان الحقيقي هو من يترك أثره في أكثر من مساحة إبداعية، محافظاً في كل ذلك على أصالته وقيمه ورسالة فنه النبيلة.

إن الحديث عن هذا العملاق هو حديث عن رجل وهب عمره للفن والتراث والوطن، فنان لم يكتفِ بتوثيق العمارة القديمة أو تفاصيل المقتنيات التراثية، بل كان يستحضر روح المكان ويبعث الحياة في تفاصيله، حتى بدا وكأن التراث يتنفس من خلال أعماله. لقد امتلك قدرة نادرة على تحويل الجماد إلى ذاكرة حية تنبض بالوفاء والانتماء، وكان يبث هذه الروح في كل ما يقدمه، سواء في لوحة تشكيلية، أو صفحة صحفية، أو مقال يخطه بقلمه. أدرك منذ وقت مبكر أن الحداثة التي تنفصل عن جذورها ليست سوى فقدان للهوية، فاختار أن يكون الحارس الأمين لجماليات الماضي، مقدماً إياها برؤية معاصرة تحفظ لقطر إرثها الثقافي ومكانتها الحضارية.

ورغم كل ما قدمه هذا الاسم الكبير من عطاءات فنية ومهنية وإنسانية، يبقى هناك شعور عميق بأن كثيراً من القامات الوطنية المخلصة لم تنل ما تستحقه من تكريم يوازي حجم ما بذلته للوطن. فقد كان الأستاذ سنان من أولئك الذين يعملون بصمت، بعيداً عن الأضواء والضجيج، مؤمناً بأن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في أثره لا في شهرته. ولهذا فإن الاحتفاء به اليوم ليس مجرد تكريم لشخص، بل هو تكريم لمسيرة وطنية كاملة، وتجسيد لمعنى الوفاء لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الثقافة والفن والإعلام.

ومن هذا المنطلق، فإن من الوفاء لرموز الإبداع في وطننا أن تتبنى صحفنا المحلية والمؤسسات الثقافية مبادرات تليق بتاريخ هذا الرجل، عبر تسليط الضوء على مسيرته الفنية والصحفية الزاخرة، واستعراض إسهاماته التي امتدت من صفحات المجلات والصحف إلى لوحات الفن التشكيلي التي وثقت روح المكان القطري بصدق وإبداع. إن الحديث عن أمثال هذه القامات ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وطنية تحفظ الذاكرة وتقدم للأجيال القادمة نماذج مضيئة في الإخلاص والانتماء والعمل الصادق.

وفي الختام، لا نملك إلا أن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بخالص الدعاء، أن يمنّ على أستاذنا وشاعرنا وفناننا الكبير سنان عبدالرحمن المسلماني بالشفاء العاجل، وأن يلبسه لباس الصحة والعافية، ويجعل ما قدمه في ميزان حسناته، سائلين المولى عز وجل أن يقر أعين الجميع برؤيته معافىً سليماً بإذن الله.

مساحة إعلانية